المونديال من منظور إستراتيجي     

بقلم : أحمد عز الدين

" تلعب الأمم كما تحارب " ، تلك نظرية مستحدثة في الفكر الإستراتيجي . فأراء فريق أمه من الأمم فوق البساط الأخضر لكرة القدم . يشكًل في الحد الأدنى دالة على طبيعة ودرجة توافر عوامل بعينها في البيئة الداخلية لهذه الأمة . وفى مقدمتها: التعبئة، وتنظيم التعاون، وتجانس الوسائط ، ومستوى التدريب الميداني ، والأهم من ذلك كله ، الروح المعنوية وإرادة القتال .


فهناك وحدة في الأداء ليس فقط على مستوى كرة القدم ، وإنما في كافة ميادين المباريات بما فى ذلك المباريات ذات الطبيعة العسكرية ، والمبارزات ذات الطبيعة الإستراتيجية وإذا استثنينا عنصر السلاح باعتباره ليس عاملا مشتركا بين هذه المباريات .


ولا أستبعد لذلك أن مباريات كأس العالم الأخيرة ، قد دخلت مادتها ، من هذا المنظور إلى أنابيب الاختبار والتحليل فى بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية على المستوى الدولي ـ فلا شك أن فريقا تم انتقاؤه بدقه ، ليمثل أمة من الأمم يمكن أن يعد فى المحصلة النهائية ، تلخيصا مكثفا لها ، تكوينا ، وتنظيما ، وأراءا ، وروحا ، داخل الحيز الزمني الذي يمارس فيه مهمته .


إن ذلك لا يعنى فقط أن هناك عوامل حاكمة مشتركة بين المباريات الكروية ، والمباريات العسكرية ، ولكنه يعنى فوق ذلك أن الأداء فى كلتا الحالتين ، لا يعكس سمات شخصية تتعلق بعدد من اللاعبين ، أو أعداد من المحاربين ، بقدر ما يعكس سمات مجتمعية تتعلق بشعب بعينه فى لحظة تاريخية بعينها ، متعددة الأبعاد سياسيا واجتماعيا وثقافيا ونفسيا .

والحقيقة أن استخدام هذا المنهج فى تحليل أداء ونتائج بعض الفرق الكبيرة التى شاركت فى مونديال كأس العالم الأخير ، وانهارت فى الأدوار الأولى ، يمكن أن يعطى نتائج تتسم بقدر من التماسك الموضوعى .

فأداء الفريق الفرنسى ، وكذلك البريطاني والايطالي ، يمكن أن يكون دالة للأوضاع الداخلية ، بأزماتها المتفاقمة ، فى فرنسا وبريطانيا وايطاليا على السواء .

غير أن التوسع فى استخدام هذا المنهج وتطبيقه على مستوى كافة الفرق التي شاركت فى المونديال ، يحتاج إلى جهد بحثي جماعي ، لا إلى جهد فردى ، أقرب إلى الانطباع منه إلى التوثيق .


ولهذا سأسمح لنفسي أن أتوقف عند رصد أهم عوامل النجاح والكسب ، من واقع هذه المباريات ، تحقيقا للصلة بين هذه العوامل المشتركة فى المباريات الكروية والعسكرية على السواء ، أو بينها وبين الأوضاع الداخلية ، للأمة التي أرسلت جنودها إلى ميدان الاوليمبياد ،أو إلى ميدان القتال ، على السواء أيضا ..

إن العامل الجوهري المشترك الأول هو الروح المعنوية و إرادة القتال :

لقد كتب " كلاوزفيتز " أستاذ مدرسة الحرب الأول وفيلسوف الحرب الحديثة فى كتابه الذى حمل عنوان ( عن الحرب ) يقول :

" إن القوى المادية هى قبضة السيف الخشبية ، أما القوى المعنوية فهى حد السيف اللامع البراق " ، فميدان المعركة الحاسمة هو صراع الإرادات ، و الانتصار هو القضاء على معنويات العدو أو الخصم ، وخسران المعركة لا يتحقق الإ بفقدان الارداة ، وانهيار القوة المعنوية ، ولذلك يشّبه " كلاوزفيتز " الإرادة عند بقائها صامدة وشامخة فى المواجهة بأنها " كالمسلة فى ميدان فسيح ، تتشعب إليه ومنه كل الطرق فى المدينة " .

ولا شك أن هذه المقولة تنطبق على نحو كامل ، على كل أولئك الذين انتزعوا نصرا متقدما في كافة مباريات المونديال .

أما العامل الجوهري المشترك الثاني فهو القيادة ، سواء القيادة الأفقية أى الميدانية فوق مسرح العمليات أو المواجهة ، أو القيادة الرأسية التي وضعت خطط العلميات وأشرفت على تنفيذها ، واختارت أصلح العناصر لها ، وتابعت تنفيذها وتعديلها على حافة المسرح أو الميدان .

ولعل هذا ما يشكل الفارق الجوهري في مباراة أسبانيا ، وهولندا بين الفريقين ، سواء على مستوى القيادة الميدانية فى الملعب ، أو المدرب على حافته .

لقد بلغ تقدير هذا العامل فى الدراسات الإستراتيجية ، حد اعتبار وجود قائد فى وزن نابيليون بونابرت على رأس جيش مقاتل ، يساوى إضافة 42 ألف مقاتل إلى أعداد هذا الجيش .

نأتي للعامل الجوهري المشترك الثالث وهو تنظيم التعاون المشترك ، أى وحدة خطوط القتال ، الهجوم والوسط والدفاع . وهو ما يطلق عليه فى المعركة الحديثة تعبير ( معركة الأسلحة المشتركة ) .

بل أن النجاح فى إدارة معركة الأسلحة المشتركة هو أحد من أهم العوامل في كسب المعارك ، وكذلك المباريات ، ولهذا فإن دور خط الوسط ، وباعتباره عنصر الربط الأساسي بين الدفاع والهجوم ، يقوم عليه تماسك الأداء ، فضلا عن تماسك بنيه الفريق اللاعب أو المحارب .

ولقد كان هذا العامل واحدا من أهم عوامل النجاح والفوز فى كافة مباريات المونديال .

أما العامل الجوهري المشترك الرابع ، فيمكن تكثيفه فى تعبير " النزعة الهجومية " ، فكافة اللذين لجأوا إلى الدفاع للخروج بأقل الخسائر ، خرجوا بأكثرها ، وأشدها إيلاما ، وكل الذين تبلورت لديهم نزعة هجومية واضحة ، تستند إلى العوامل الثلاث السابقة ، خرجوا بأكبر المكاسب ، وأكثرها وضوحا وانجازاً ...


يبقى العامل الجوهري الخامس والأخير , وهو ليس شائعا حتى الآن في مجالات الفكر الاستراتيجي ، حيث لم يدخل في صلب متنه الحديث إلا مؤخرا جدا ، وان كان قد تحول إلى صيغ معادلات رياضية لا تخلو من تركيب معقد ، وهو " القدرة على إمتصاص الخسائر " ، بكل ما يعنيه ذلك من أبعاد وظلال .

ولذلك فإنني لا أعرف في النهاية – ما إذا كان السيد بول الذي وضع على كرسّى عرّاف المونديال – كان يدرك فى حسابات اختياره للفائز فى كل مباراة هذه العوامل الجوهرية السابقة ، أم أنه كان مدركا لشئ أخر يتنزل عليه من قوى ما وراء الطبيعة .

وفى كلتا الحالتين ، فإنه لا ينبغي أن يضّنف كعراف قدير ، وإنما كمحلل استراتيجي من طراز فريد ، سواء أكان محللاً أصيلاً أو تابعاً .!






 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :