الصورة في واشنطن قاتمة !     


بقلم : أحمد عز الدين

3/3/1997

قبل سنوات طوال سجل " اندريه مارلو " في كتابه السنديان – نقلا عن الجنرال " ديجول " قوله :

" عندما يصبح الأمريكيون ، سادة العالم عن وعي فسوف ترون على أي مدى تصل استعماريتهم " ، والحقيقة أن وقع المتغيرات الراهنة في السياسة الخارجية الأمريكية يأخذ منحى ، ليس بعيدا عن تلك النبوءة الإستراتيجية للجنرال " ديجول " .

ولعلنا نلاحظ – مثلا – أن المعركة الرئاسية الأخيرة في أمريكا ، قد دارت جميع مفرادتها المتصادمة حول السياسة الداخلية ، ورغم ذلك فإن التغيرات التي أحدثها كلينتون ، في أطقم حكومته لم تطل غير الحلقات الأساسية في السياسة الخارجية ، صياغة وتنفيذا ، وإذا كان من الممكن استقطار روح هذه المتغيرات باختصار شديد ، فقد عززت انتصار أنصار التوسع ، في مواجهة أنصار الانكماش أو العزلة ، أو لنقل بمعنى آخر أنها تمت لصالح نخبة إحياء القوة كقيمة عليا ، في الفكر الإستراتيجي الأمريكي ، وتلك بوضوح هي المشيمة السياسية والفكرية التي تربط بين رؤى " أولبرايت " في الخارجية و " ديفيد كوهين " في الدفاع ، و " جون شاليكا " الذي اختير أخيرا رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة الأمريكية ، فضلا عن " جون هويت " الذي انفرد بالبقاء في مكانه نائبا لوزير الدفاع ، إضافة إلى الطاقم الرئاسي الجديد للمخابرات المركزية .

وإذا اعتمدنا شهادة " كولن باول " رئيس الأركان السابق ، بالنسبة إلى " أولبرايت – مثلا – فإنها " تدعو بإصرار إلى استخدام أقصى قدر من القوة العسكرية وإلى أن تمارس هذه القوة ، نفوذها من البوسنة إلى بكين " وإذا أضفنا شهادة " وليم كوانت " عنها فإنها رغم ذلك " لا تمتلك صورة استراتيجية واسعة " أما إذا أضفنا شهادة " ايجلبرجر " فإن سلوكها أشبه بسلوك البولدوج الذي يفضل سحق العظام .

أما رؤية " كوهين " الذي تصر صحف إسرائيل على تكرار بنوته لأب يهودي ، فلا تختلف عن " أولبرايت " أو عن " شاليكا " الذي يشارك " أولبرايت " مولدها في " براغ " ويتنفس نفس الإرث السياسي ، بل ويوصف قبلها بأنه معاد لروح ميونخ .

غير أن تفسير اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية ، الذي يميل الآن بوضوح نحو عسكرة النظام الدولي بهؤلاء الأشخاص وحدهم ، كما يتم الآن في أغلب الكتابات ، ليس شافيا ولا كافيا ، فالحقيقة أنهم جاءوا جميعا في إطار رؤية استراتيجية ، كانت آخذة في التبلور ، ولم يتم صعودهم بعمل انقلابي لخدمتها ، وأظن أن أكثر من كاتب أمريكي ، أشتم روائح هذا التحول مبكرا ، وقبل صعود هؤلاء الأشخاص إلى مواقعهم ، فهناك – مثلا – دراسة " وليم كريستول " و " وروبرت جاجان " في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية ، الصيف الماضي ، التي تحدثت عن سياسة خارجية ريجانية جديدة ، وعن ضرورة المحافظة على الهيمنة الأمريكية في العالم .
وقبل أن يتم تصعيد أطقم السياسة الخارجية والدفاع والمخابرات ، كان " وليم بيري " بنفسه هو الذي يعد تقريرا شاملا لمراجعة السياسة الدفاعية مستهدفا – حسب طلب الكونجرس – تقييم القدرات الأمريكية على خوض حربين كبيرتين في آن واحد ، في الوقت الذي كانت فيه ميزانية العلاقات الخارجية تشهد استقطاع ملياري دولار تمثل 10 % من إجمالي مخصصات المعونة الخارجية ، بينما كانت الأصوات ترتفع مطالبة بزيادة ميزانية الدفاع ما بين 60 و 80 مليار دولار تضاف إلى رصيدها الذي وصل إلى 260 مليار دولار ، ولعل تقرير معهد السياسات العالمية التابع لجامعة نيويورك للبحوث ، يعطي مؤشرا أعمق ، فقد ذكر التقرير قبل عام أنه من أصل 90 نزاعا حدوديا وعرقيا حدثت في العالم عام 1994 ، حصل طرف واحد من المتنازعين ، من أمريكا السلاح في 45 نزاعا ، أي بنسبة 50% من إجمالي النزاعات الدولية ، بينما قدمت أمريكا السلاح للجانبين المتنازعين في وقت واحد في 18 نزاعا منها .

ومع أن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ، وهو معهد أنشأته المنظمة اليهودية " إيباك " قبل خمسة عشر عاما ، ويعيش أزهى عصور نفوذه وازدهاره الآن ، قد لعب دورا حيويا في صياغة هذه الرؤية الأمريكية الجديدة ، فإن مجلس الدفاع القومي الأمريكي ، والمخابرات المركزية الأمريكية ، قد لعبا دورين بارزين في بلورة معالمهما ، لقد قدم مجلس الدفاع القومي الأمريكي ، تقريره في عام 1996 محددا أن عدد البؤر الساخنة في العالم ، قد وصل في العام السابق 64 بؤرة ، مؤكدا أن ذلك يعني ألا تقدم الولايات المتحدة الأمريكية ، على نزع سلاحها من جانب واحد ، في عالم يموج بالصراعات ، في الوقت الذي كانت فيه المخابرات المركزية الأمريكية ، تقدم تقريرا يحصي اندلاع 28 صراعا عام 1996 ، مقابل 27 صراعا في العام الأسبق ، مؤكدة أن هذه الحسابات لا تشمل سوى المناطق ذات المستويات الرفيعة للعنف المنظم ، مع ارتفاع درجة التوتر السياسي والاجتماعي المؤدي إلى العنف ، ومنتهية النتيجة السابقة نفسها ، ثم في السياق العملي ، اختلط مفهوم الأمن بمفهوم الدفاع ، وتحول الأمن الأمريكي إلى ظاهرة هوس واسعة تطول كل الحدود ، وخلال الشهور الأخيرة ، لم تكف أمريكا عن تقديم طلبات متزايدة في أنحاء مختلفة من العالم ، لزيادة التعاون الثنائي في مجالات الأمن والمخابرات مع تركيز أشد على منطقة الشرق الأوسط ، بل تحولت مواقع ارتكاز فاعلة لها في المنطقة ، من مواقع دبلوماسية وسياسية إلى مواقع أمنية ، تموج بالجنرالات وعناصر المخابرات ، وبدا أن العقل الأمني قد احتل موقع السيادة ، بل كاد ينفرد بتصريف أحوال السياسات اليومية ، وما يصاحبها من أزمات .
وفي مناخ الهوس الأمني ، واستعلاء القوة ، تحولت العقوبات إلى ظاهرة دولية مزمنة ، واتسع نطاق الإكراه السياسي والاجتماعي ، وتبدل ترتيب الأولويات : آسيا أولا ، وأمريكا اللاتينية ثانيا ، وتوسيع حلف الأطلنطي في المقدمة ، وتحرير آبار البترول والغاز من الجزائر حتى سيبيريا له الاولوية ، أما الشرق الأوسط كله ، فسوف تترك أزماته لتأكل نفسها كالنار قبل أن يؤمن نفسه فوق ذلك الجسر الاستراتيجي الذي بناه البنتاجون بنفسه ، بين إسرائيل وتركيا .

وباختصار فقد تبادل الأمن والدبلوماسية مواقعهما ، فأصبح الأمن هو الجواد ، والدبلوماسية هي العربة .

وبعد .. أليست الصورة قاتمة حقا ؟ ثم أليست هي نفسها مفردات الصورة في إسرائيل ؟ !

3/3/1997

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :