حرب على وطن .. حوار مع الخبير في الشئون الاستراتيجية أحمد عز الدين .. مجلة الإذاعة والتليفزيون     

حرب على الوطن

"قدر الشعب المصري ان ينتصر".. بهذه الجملة الحاسمة أكد الدكتور أحمد عز الدين الخبير الاستراتيجي على أن المصريين سيحاربون كل محاولات النيل من الدولة عبر "استراتيجية غربية إقليمية" وفق وصفه، تهدف إلى تحقيق أطماع جديدة للهيمنة على مقدرات المنطقة.

وأوضح أن أطراف هذه الاستراتيجية تبدأ بأمريكا وأعوانها مثل تركيا وقطر وجماعة الإخوان، مشيرًا في حوار مع "الإذاعة والتليفزيون" إلى أحلام "الامبراطورية العثمانية" والتناقضات القطرية على نحو ما كشف في الحوار..

حوار عادل خفاجي
تصوير عادل غنيم
ما قراءاتك للأحداث التي تمر با مصر حاليًا؟
مصر تواجه استراتيجية غربية إقليمية هدفها هزيمة الدولة، وهذا الهدف الاستراتيجي قائم وموجود منذ ثورة 25 يناير، وجزء منه دفع الإخوان المسلمين إلى السلطة بهدف ضرب القوات المسلحة بالدرجة الأولى باعتبارها العمود الفقري للدولة المصرية، والمصريون في 30 يونيو فطنوا بذكائهم الفطري وبحسهم الوطني إلى أن الدولة المصرية هي الهدف، ولأنهم يدركون أن دولتهم أقدم دولة في التاريخ الإنساني، ولغيرتهم الوطنية، ومن أجل الحفاظ على بلادهم خرجوا في ثورتهم الثانية لحماية دولتهم وواجهوا الاستراتيجية الغربية بفاعلية واستطاعوا أن يمنعوها عن تحقيق أهدافها، لكن ذلك لا يعني أن تلك الاستراتيجية قد استسلمت لثورة المصريين، وللدور الذي قام به الشعب المصري العظيم بجانب جيشه البطل ، فهي لاتزال تعمل على تحقيق هدفها نحو إسقاط الدولة بسيناريوهات مختلفة.

ما السيناريو الذي تتوقعه مستقبلاً؟
تاريخيًا مصر لم تواجه تهديدًا استراتيجيًا إلا على حدودها الشرقية، ولكنها تواجه الآن تهديدًا استراتيجيًا من جميع الاتجاهات جنوبًا وغربًا وشرقًا وشمالاً، وهو وضع لم تمر به طوال تاريخها.

لا يمكن تجاهُل الربط بين عملية "دمياط" وقمة مصر وقبرص واليونان
كيف تفسر الهجوم الإرهابي على القوات البحرية بالقرب من دمياط؟
كان الزورق المصري الذي يقل 13 ضابطًا وجنديًا في مهمة روتينية، بهدف حماية المياة الإقليمية المصرية، وتم محاصرته من 4 سفن صيد ، وكان على متنها 65 إرهابيًا مسلحين بصواريخ محمولة كتفًا، ورشاشات متوسطة وثقيلة، وقام الضباط والجنود بالاشتباك مع هذه السفن في عملية صعبة للغاية، حتى جاءت الطائرات واللانشات البحرية ودخلت في المعركة، وبالتالي ما حدث في مياه البحر المتوسط، معركة حربية بكل المقاييس، فالإرهابيون كانوا مدربين على المناورة في البحر وعلى القتال البحري، والعملية مخططة ومرتبة سلفًا ، ولابد أن يكون قد سبقها استطلاع بحري وجوي، والأمر ليس مصادفة.

ما الهدف من هذا العمل الإرهابي؟
هذه العملية ليست مجرد تدمير سفينة مصرية، بل عملية استعراض للقوة لقياس رد فعل وقوة البحرية المصرية، وإن كانت لم تحقق أهدافها، لا سيما بعد أن نجحت القوات المصرية في قتل 30 إرهابيًا، وتم القبض على 32 آخرين، وهذا يؤكد قوة وقدرة البحرية المصرية في السيطرة ومواجهة اي أخطار محتملة تهدد المياه الإقليمية، ولا يمكن أن نعزل هذه العملية عن الاستطلاع البحري الذي قامت به تركيا بعد لقاء القمة الثلاثية بين مصر واليونان وقبرص، والتي تم الاتفاق فيها على التعاون بين الدول الثلاث في إعادة رسم الحدود البحرية بينهم، خاصة أن الأمر يتعلق بثورة هائلة من الغاز في البحر المتوسط.

أترى أن تركيا قد تكون وراء الحادث؟
نحن نحلل ما يحدث ولا نستبق نتائج التحقيقات، ولا يمكن أن نستبعد أن يكون لتركيا دور في ذلك، خاصة أن لديها نزعة توسعية برًا وبحرًا في الشرق الأوسط، الحادث تم بالقرب من ميناء دمياط، وهذا الميناء هو الذي يستقبل الشاحنات التركية التي تسافر برًا إلى دول الخليج عبر موانىء البحر الأحمر طبقًا للاتفاق الذي تم بين الأتراك والإخوان المسلمين خلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وعندما نتحدث عن تركيا نحن لا نتحدث فقط عن النزعة الامبراطورية لإعادة بناء الدولة العثمانية التي سيطرت على المنطقة عدّة قرون، وإنما نتحدث أيضًا عن تركيا التي تمثل القيادة الجنوبية الشرقية لحلف الأطلنطي.

لماذا تحولت العلاقة بين تركيا ومصر إلى النقيض بعكس ما حدث في عهد الإخوان؟
الأتراك وأردوغان شخصيًا، بعد صعود الإخوان إلى السلطة، اعتبروا أن الإقليم قد دان لهم، وأنهم أصبحوا القوى الصاعدة والمسيطرة في المنطقة، كما أن أحلام الامبراطورية العثمانية لا تزال تعشش في عقل أردوغان، ولكن جاءت ثورة 30 يونيو في مصر لتحول حلم الامبراطورية لتركيا إلى كابوس، فمصر قد استيقظت وعدّلت موازين القوى الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط ، والجيش المصري استطاع أن يحمي مصر وله مكانة عالمية مهمة ويحتل المرتبة التاسعة في العالم.

هل هذا سبب تطاول أردوغان على القيادة المصرية؟
من الطبيعي أن يرى أردوغان في الرئيس السيسي عدوًا، وأن يشغل باله به طوال الوقت باعتباره الوطني المصري الذي استطاع أن يحطم أحلام الامبراطورية العثمانية فوق الأراضي المصرية بل وخارج حدود مصر.

أتتوقع أن تدخل تركيا في مواجهة مباشرة مع مصر؟
من الصعب أن تلجأ تركيا إلى عمليات عسكرية مباشرة ضد مصر، لأنها تدرك أن الجيش المصري قادر على مواجهة أي هجوم بري أو بحري أو جوي ورد الصاع صاعين، ولكن تركيا ستلجأ إلى نفس أسلوب الإخوان المسلمين بمحاولة الاختراق من الأجناب، والضرب من الخلف، وتغذية التفجيرات هنا وهناك، ومحاولة زعزعة الاستقرار داخل مصر أو على حدودها، وهي محاولات قد تحقق بعض النتائج الجزئية، ولكنها لن تغير من الواقع شيئًا في المدى القريب.

ما تفسيرك لظاهرة داعش؟
داعش لفظ أمريكاني واختصار لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومن تسميته تستطيع أن تفهم أنه من صنيعة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والغرب، وللأسف هذا التنظيم تغذى على أموال عربية.

إذا كان صنيعتها فلماذا توجه أمريكا له ضربات جوية الآن؟
في إطار الاستراتيجية الأمريكية تقوم بالضغط على داعش بضربات جوية تهدف من ورائها إلى زيادة انتشار داعش وتمديدها في أرجاء المنطقة جغرافيًا، وهذا يفسر كلام أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم من أنه يريد أن يستهدف مصر والسعودية مثلاً، وهناك قوات وصلت بالفعل إلى ليبيا، وهناك أمر آخر يتعلق بتصويرهم على أنهم القوى الكبرى بالمنطقة، مما يجعل جميع الفصائل الإرهابية الأخرى الموزعة هنا وهناك تجد في داعش القيادة الكبرى التي تبايعها، وهذا حدث مع أنصار بيت المقدس، الذين بايعوا داعش مؤخرًا، وهذا بدوره يهدف إلى بناء خريطة جديدة للإرهاب توزعها بالمناطق التي تستهدفها أمريكا لتفتيتها وزعزعة استقرارها، وتضخيم تنظيم داعش الإرهابي يجعل أمريكا تغض النظر عن تنظيمات إرهابية أخرى، كالتنظيمات التي تهدد مصر على الحدود الشرقية والغربية.

هل تمثل داعش تهديدًا لمصر مستقبلاً؟
نحن لا نصنف التهديد باسمه ولكن التهديد بطبيعته؛ وبيت المقدس بايع داعش، وبالتالي أصبح جزءًا معنويًا منه، وهذه يفتح بابًا جديدًا لأن تقوم داعش بتغذية التنظيمات الإرهابية المحلية بالسلاح والإرهابيين، وذلك يتم باسم داعش أو من يقف وراء داعش، وبالتالي على الدولة أن تتعامل مع الإرهاب بكل حزم، ومصر تواجه الإرهاب بكل أشكاله ولن تتركه إلا بالقضاء عليه واجتثاثه من جذوره.

ما تفسيرك لما قاله أوباما من أن بشار الأسد فقد شرعيته ولن ينسق معه في الحرب على داعش؟
الاستراتيجية الأمريكية التي اختلقت داعش وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية بسوريا، لم يكن هدفها إسقاط الرئيس السوري وحكومته، بل إسقاط الدولة السورية، والهدف الأهم بعد إسقاط سوريا هو تمدد تركيا على الشاطيء الجغرافي للبحر المتوسط، كي يتم بناء رصيف استراتيجي يبدأ من تركيا ويمر بسوريا ولبنان وينتهي بإسرائيل.

لكن العلاقات التركية الإسرائيلية توترت؟
العلاقات التركية الإسرائيلية لم تتوقف، وبالرغم من ادعاءات أردوغان بوجود مشاكل وقطع للعلاقات، نجد أن ابن أردوغان يمتلك سفينتين تعملان في النقل البحري بين ميناء جيهان التركي وميناء أشدود الإسرائيلي طوال الوقت ، كما أن العلاقات العسكرية بين إسرائيل وتركيا لم تتوقف طوال الوقت.

كيف تفسر لنا التناقض القطري الذي دعم مصر في مؤتمر حقوق الإنسان بجنيف إلى جانب دعم الإرهاب داخل مصر؟
بالنسبة لموقف قطر ودعمها لم يكن مفاجئًا لي؛ لأن قطر تواجد اتهامات كثيرة في مجال حقوق الإنسان، وبدفاعها عن موقف مصر فهي تدافع عن موقفها بالأساس؛ وأيضًا من المعروف أن قطر تتبنى مواقف مزدوجة من مختلف القضايا مع مصر ومع دول مجلس التعاون الخليجي، والمعركة التي تدور بليبيا قامت قطر بإسقاط كميات كبيرة من الأسلحة لصالح الجماعات الإرهابية لتعيد ميزان القوى هناك في مواجهة الجيش الليبي وهذا ليس ضارًا على ليبيا فقط، بل الضرر يمتد إلى مصر.

ماذا تهدف قطر من وراء ذلك؟
لا تستطيع أن تقول أن هناك هدفًا قطريًا مستقلاً؛ بل أن قطر تخدم الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وقطر شأنها شأن الإخوان المسلمين مجرد أداة طيعة في أيدي الأمريكان متوهمة أن ذلك سيحولها من دولة صغرى إلى دولة كبرى، وهذه المفارقة، أن قطر لا تدرك أنها أداة؛ لاحظ أن أكبر قاعدة أمريكية موجودة بقطر، مركز الامبراطورية الأمريكية في الشرق الأوسط .

ما تقييمك لتعامل الإعلام مع القضايا الإرهابية؟
للأسف الإعلام يتعامل مع الحوادث الإرهابية كما يتعامل مع حوادث الطرق، كلما كانت كمية الدم كبيرة يقلبها مناحة، وينبغي على الإعلام أن يرفع الروح المعنوية للشعب، فالجيوش والشعوب تنتصر وتهزم بروحها المعنوية، الروح المعنوية ليست محل اهتمام من الإعلام المصري أو النخبة من رجال الأعمال.

هل تتوقع أن يعود الإخوان للساحة في الانتخابات البرلمانية القادمة؟
الإخوان لن يعودوا مثلما كانوا في السابق، ولكن الإخوان مازال لهم حلفاء كالسلفيين وخلايا أخرى نائمة، لم يُكشف عنها، وأخشى مما يحدث الآن على الساحة، فبالرغم من المجهودات الطيبة والمخلصة للدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق الذي يحاول خلق جبهة وطنية من أبناء الوطن المخلصين، بخلاف ذلك أخشى في الانتخابات القادمة من صفقات غير مطمئنة قد تأتي بأشخاص ليسوا محل ثقة من الشعب من خلال المال السياسي الذي قد يستخدمه حلفاء الإخوان وخلاياهم النائمة أو أصحاب السطوة ورأس المال.

ما توقعاتك بشأن دعوة الجبهة السلفية للنزول إلى الشارع في 28 نوفمبر؟
أنا لا أعتقد أن يوم 28 نوفمبر سيكون يومًا داميًا أو عصيبًا على مصر كما يروجون له، لقد تعودنا على مثل هذه الدعوات، ولكن أخشى من استخدام السلاح فيها، ولا أعتقد أنه توجد قوى قادرة على الحشد المؤثر، وستجد مجموعات صغيرة متناثر هنا وهناك وبعض البلطجية والمأجورين ممن ليس لديهم أي أيديولوجية، وبالتالي سيمر اليوم بلا أحداث مؤثرة، ومهما كانت التحديات قدر الشعب المصري أن ينتصر وأن يُسقط الاستراتيجية الغربية التي تهدده.

حوار في مجلة الإذاعة والتليفزيون العدد 4158 [22 نوفمبر 2014]

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :