مرثية مناضل رحل في قاع السلم السياسي     

مرثية مناضل رحل في قاع السلم السياسي

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com
Site : ahmedezzeldin.com

رحل الصديق العزيز ، والمناضل الصلب ( محمد أمين ) وانكسر شعاعه ضوء سخي من الثقافة والإيمان والمعرفة والعزم الصادق ، والوطنية الجارفة في قلب أسيوط ، بل في قلب صعيد مصر كله .

كان بيته الشديد التواضع ، محطة مفتوحة لكل الوطنيين العابرين من هنا ومن هناك ، وكانت مائدته البسيطة بما عليها من خبز وملح وماء ، مبذولة لكل عابر سبيل ، بل كان هو نفسه مائدة منبسطة لكل من أراد زادا .

عاش بسيطا بين بسطاء الناس ، وتجول فقيرا بين فقرائهم ، لم تشده الأضواء ، ولم تجذبه الحياة الرغدة ، والمنافع العاجلة ، والمتع العابرة ، فلم ينشغل عقل ( محمد أمين ) بمال أو جاه أو سلطان ، فقد كان ينتسب إلى نخبة سياسية واجتماعية أخرى ، ليست تلك النخبة السائدة الطافية على سطح المجتمع ، والتي تملأ المسرح السياسي ضجيجا ، واحترابا ، وانقساما ، وفرقة ، غارقة في زخرف الحياة الدنيا ، تلك النخبة اللصة ، التي تريد أن تسرق من عيون فقراء مصر أحلامها ، وأن تصادرها تكسّبا ، ومنفعة ، وجاها ، وسلطانا ، تلك النخبة التي استوت على عدها في زمن وغد ، لم يفرق بين المقاتل و المخاتل ، وبين الوطني والتابع ، وبين القائد والقوّاد ، وبين الماس والزجاج ، فقد كان ( محمد أمين ) في أعلى درجات السلم الثقافي والوطني ، ولكنه كان في قاع السلم السياسي ، لأن هذا السلم كان وما يزال معكوسا ومقلوبا .

لم يعدو لكي يتقدم الصفوف يوما ، فقد ظل راسخا في مكانه ، كأنه فأس فلاح مصري ، يدرك أن مهارته ودوره وموهبته ، هي اختصاصيّة في تقليب التربة ، وغرس البذور ، ورعاية كل نبت أخضر ، تخرجه هذه الأرض الطيبة . فيه من مصر رقة الإحساس ونفاذ الرؤيا ، وعمق التجربة ، ودفء الوجدان ، وتلقائية المشاعر ، والصبر الجميل على المحن والشرور ، والعصف بحقوق الناس .

لمن لا يعرفه فهو الأب الروحي للشهيد ( الحسيني أبو ضيف ) وهو الأب الروحي لمئات من الشباب الجنوبي النقي ، الذين دخلوا في معترك النضال الوطني ، بقلوبهم الغضّة ، لا يريدون من متاع الدنيا شيئا ، فقد اصطفاهم على شاكلته ، " يغشون الوغى ويعفّون عند المغنمِ " .

كان في قلب موجة الثورة ، من قبل أن تشبّ على قدميها ، ولكنه لم يكوّن بعدها حزبا ، ويعلق عنوانا زائفا ، ويمد يده للاشتراكية الدولية ، لتمنحه بسخاء ملايين الدولارات ، ولم ينشئ جمعية باسم حقوق الإنسان ، لتمطر في صندوقها أموال أجهزة المخابرات المعادية ، ولم يكوّن ائتلافا ثوري اللون ، لكي يتكلم باسمه في المحطات الفضائية ، ولهذا لم ير الناس صورته على شاشات التليفزيونات المغتربة ، ولم يسمع الناس صوته في الإذاعات المشتراة المباعة ، فأمثاله ليسوا مطلوبين ، وليسوا ملائمين ، لأنهم لا يسوّقون بضاعة أجنبية فاسدة .

عندما كان مديرا لقصر ثقافة أسيوط ، وقد اشاع فيه بهجة ونبضا ، دعاني قبل أكثر من عشر سنوات ، واللواء صلاح الدين سليم رحمه الله ، والذي كان الأقرب إلى عقلي وقلبي ، لإلقاء محاضرة في ندوة جماهيرية واسعة ، لكنه اتصل وهو يشتعل غضبا ، قبل أن نهم بركوب القطار من القاهرة إلى أسيوط ، قائلا : " لقد صدر قرار بمنع الندوة ، وإزالة الملصقات الإعلانية الخاصة بها ، لكن الناس و أنا في انتظاركما ، ولتكن الندوة الأخيرة لي ولقصر الثقافة " ، كان قد أشيع في أسيوط أن جهاز أمن الدولة هو الذي ألغى الندوة ، ولم يكن الأمر صحيحا ، فقد تأكدنا بأنفسنا أن صاحب القرار هو محافظ أسيوط آنذاك ، وقد أصدر قراره تزلفا لرئيس الوزراء " عاطف عبيد " الذي كنا نسلقه بألسنة حداد ، وقربانا لسعيه الجامح في الحصول على مقعد وزير الداخلية ، وكان تعليق اللواء " صلاح الدين سليم " على ذلك موجعا ، فقد قال لي : " يبدو أنه لم يعد سوى حل واحد ، هو أن نذهب يوم الجمعة القادم إلي مسجد السيدة زينب ، وبصحبتنا مقشتين لنكنس الضريح ثم نجمع الكناسة ونلقيها ، ونحن ندعو الله أن يأخذ هذه الحكومة أخذ عزيز مقتدر " ، وقد سمحت لنفسي أن أنشر هذا الحل الأخير باسم صاحبه في مقالي الأسبوعي في هذا المكان ، وفي صباح اليوم التالي جاءني صوت ( محمد أمين ) قائلا : " اسمع ياخوي لقد أعتدت الشباب وجمعت المقشات وسنكون في صباح الجمعة مشاركين في موقعة السيدة زينب " بعدها بوقت قصير اتصل بي اللواء صلاح الدين سليم قائلا : " أردت أن أقول لك ، أن اللواء حسن عبد الرحمن ، قد اتصل بي وقال أن هناك بعض الأسئلة التي يرجو الإجابة عليها ، خاصة بعملية السيدة زينب ، وهي هل ستذهب أنت والأخ أحمد عز الدين وحدكما أم مع آخرين ، وما هي نوع المقشات التي ستستخدم في كنس الضريح ، وأين ستلقون الكناسة ، وما هي الدعوات التي ستدعون بها على الحكومة " سألته :
" هل كان يسخر ؟ " قال : " لا مطلقا ، أراد أن يبدو جادا ، ولكنه كان يكتم ضحكاته ، وربما أراد أن يقول أن وظيفته في حالتنا ، أن يعرف لا أن يمنع " ثم ضحك اللواء صلاح بعمق وأضاف : " أغلب الظن أن لديه رغبة خفية في مشاركتنا في عملية السيدة زينب " ، غير أننا كنا قبلها وبعدها في أسيوط في ندوات مغلقة وعلنية وكانت الرحلة في كل مرة متعة روحية وفكرية بفضل هذا الرجل .

وبعد ..
فإنني لا أرثي صديقا أو مناضلا أو ثوريا حقيقيا ، وإنما أرثي حالة وطنية ثورية اكتملت في شخص هذا الراحل الكبير ، لقد كان صوته يقطر غضبا في آخر اتصال تلقيته منه قبل أسابيع ، وهو على فراش مرض لعين ، قائلا : " ياخوي .. يرضيك ما يحدث ، من هذا الذي يريد أن يترشح على مقعد رئيس الجمهورية في مواجهة المشير السيسي " ثم تلقت أذني عاصفة من اللهب .

عزاءا خالصا لأسرته الكريمة ، التي اقتسمت معه بصبر وإيمان أعباء دوره النبيل .
وعزاءا خالصا لكل أصدقاءه وتلاميذه ومحبيه ، ولرفيق دربه ، وصنو روحه ، الأستاذ الدكتور " أحمد ياسين " عالم الكيمياء المرموق ، الذي يمشي على قدميه في دروب أسيوط المتربة ، بينما يلمع اسمه في اكبر معاهد الكيمياء الدولية ، ولا عزاء للذين قبضوا أثمان أدوارهم مقدما ، أولئك الطامعين في أن يقطفوا ثمار حلم عظيم ، لم يشاركوا في صنعه ، لا بالدم ولا بالعرق .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :