احتكار إسرائيل لخيار الحرب ... واحتكار أمريكا لخيار السلام     

لماذا قطعت أمريكا طريق عرفات ؟

بقلم : أحمد عز الدين

نستهل التفسير إذا أمنا على أن قرار الولايات المتحدة بمنع ياسر عرفات من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة ، مقود به – كما قال شامير – إحباط الحملة الدبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية للحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية ..
فالقرار ليس محبطا إلا لهؤلاء المتفائلين ، بأن أمريكا ستطور موقفها على أفق المتغيرات في موقف المنظمة لتساهم في تحقيق سلام عادل ، وشامل في الشرق الأوسط .
ونجافي الحقيقة تماما ، إذا أقنعنا أنفسنا بأن جذور القرار الأمريكي ، قد نيتت – كالعادة – من تربة ضغوط اللوبي الصهيوني ، فهناك إدارة أمريكية أنهت دورها ولم يبق لها خلال أيام معدودة سوى أن تجمع ملف أوراقها وذكرياتها في البيت الأبيض .
وإدارة جديدة تقف قرب بابه مهيأة لاستلام مفاتيح الحكم والسلطة ، ثم أن وضع وزر القرار على اكتاف الإدارة القديمة ليس صحيحا ، فالتقاليد المتيعة في الولايات المتحدة خلال المرحلة الانتقالية الضيقة ، لا تعطي الإدارة القديمة إمكانية التصرف منفردة بمثل هذا القرار ، دون الوصول إلى " حالة تفهم " ولا أقول تفاهما ، مع الإدارة الجديدة حوله .
ونسطح المعاني والدلالات ، إذا تصورنا – أيضا – أن أمريكا حاصرت طريق عرفات إلى المنظمة الدولية ، لأنها ترى عن قناعة أن منظمة التحرير الفلسطينية قد مارست إرهابا ضد أمريكيين ، فقد كان طريق عرفات في ظل أوضاع مختلفة ، وموازين قوى أخري ممهدا إلى الأمم المتحدة في عام 74.

حقيقة أن بعضا من التصرف الأمريكي ، يعبر عن عقلية استعلائية واضحة وعن نزعة بلطجة سياسية ، في مواجهة رأي عام عالمي ، وقوانين دولية ، منظمة لأوضاع المنظمة الدولية ، في دولة المقر ، لكن القرار في مضمونه إنما يعبر عن تحد أمريكي مركب ، تحد للأدوار التي حاولت أن توفق الأوضاع بين المنظمة والولايات المتحدة الأمريكية ، وتحد لانتفاضة الشعب الفلسطيني التي يعلو نشيدها - أو قل نشيجها – العذب .. مطعما بالدم والشهادة ، ليهدد الضمير الإنساني كله ، وتحد لأوضاع عربية جديدة ، تحاول بعد دروس سنوات من النزيف والخسائر والإحباط ، أن تعيد ترتيب النظام الإقليمي العربي ، إنها باختصار ، حلقة من مسلسل صراع الإرادات بين أمريكا والعرب ، تماما كما كانت عملية اختطاف الطائرة المدنية المصرية ، حلقة أخرى فيه ، وفي هذا الإطار وحده ينبغي أن يتم التفسير وتتم المواجهة .

****
ما الذي تستهدفه أمريكا من هذه الحلقة الواضحة في مسلسل صراع الإرادات مع العرب ، وما هي الأسباب الحقيقية لمحاولتها تحدي الإرادة العربية ، أو اعتصارها على هذا النحو ؟
في تقديري أن خلفية القرار الأمريكي هي جزء من محاولة أشمل ، لم تنضح تفاصيلها أو تصوراتها بعد ، تنضج هدفها تطويق عدد من المتغيرات الإقليمية العميقة داخل المنطقة ، إضافة إلى عدد آخر من المتغيرات حولها أو على تخومها .
وهي متغيرات ترى الولايات المتحدة أن تفاعلاتها سوف تهز المعادلة الأساسية التي حاولت أن تثبتها في المنطقة ، والتي يقول منطوقها " احتكار إسرائيل لخيار الحرب واحتكار أمريكا لخيار السلام " ... وقد يمكن تلخيص أهم هذه المتغيرات الإقليمية الداخلية ، في النقاط التالية :
• أن المنطقة العربية كلها ، تعيش وتعبر بشكل أو بآخر ، عن مرحلة ما بعد البرهنة على فشل الدولة " القُطرية " فهناك إحساس غامر وغالب بأن الدولة القُطرية قد برهنت على فشلها في تحقيق النهوض الوطني المطلوب ، سواء على مستوى التنمية أو بناء القوة الذاتية ، أو ترجمة أوضاع هذه القوة إلى معادلات أمن رادع ، أو مكانة دولية .
لقد تصورت بعض الدول العربية ، ربما بسبب تعب عابر من مشاكل العمل القومي وتعقيداته ، وربما بسبب ضغوط طارئة للإحساس بالهوية الوطنية ، وربما بسبب تفاقم المشاكل الذاتية ، واتساع انعكاستها الداخلية ، أو طريقها الصحيح للتطور والتقدم ، هو الانكفاء على الذات ، ومواجهة المشاكل الذاتية بعيدا عن هموم العمل القومي المشترك .
وهكذا تراكمت الأسلحة هنا وهناك ، دون أن تعطي احساسا حقيقيا بالمنعة والقوة ، وضاقت خطوط الحركة الخارجية ، دون عائد داخلي واضح ، وبدا بعد كثير من الجهد والمكابدة – بل المكابرة أحيانا – أن العزلة ليست حلا ، وأن الانعزال ليس مخرجا ، وأن نار العمل القومي المشترك ، أفضل من جنة التصرف القطري المنفرد ..
وفي النهاية فإن المنطقة كلها ، تعيش حالة من البحث عن صيغ جديدة وبديلة للتفاهم والتعاون والأمن القومي .
• ساعد على انضاج ذلك بشكل آخر ، أن نظرية تعريب الصراع في الشرق الأوسط ، أو ضرب العرب بالعرب قد سقطت ، أو تكاد ، لقد بذرت في المناخ العربي ، على امتداد سنوات طويلة ، بذور تخويف من أطماع الشقيقات الكبيرات ، بل بدا للبعض في مرحلة ، أن أطماع ذوي القربى في الداخل .
وهكذا جرى تخويف الخليج العربي كله ، من الأطماع العراقية ، التي تتحين الفرصة لتثب فوق الأرض والثروة بعد القرار والإرادة .
وجرى تخويف السودان من أطماع الشمال المصري ... الذي يريد أن يؤمم السودان لمصلحة أمنه وتوجهه .
وجرى تخويف مصر من العراق والعراق من مصر ، على أساس أن الساحة العربية لن تحتمل إرادتين قويتين ، وجيشين كبيرين ، احدهما في أقصى الشرق ، وال’خر في أقصى الجنوب .
وهكذا ...... وهكذا ....
ثم تبين للخليج في أوج المحنة ، أن العراق لا يمكن أن يكون سوى درع له ، وتبين للعراق والخليج كله ، أن مصر لا يمكن أن تكون غير عمق استراتيجي ، وميدان تأييد بالقوة والسلاح ... واكتشفت السودان أيضا ، أن مصادر الخوف والشر إنما تأتي من الجنوب لا الشمال ، وأن دور الشمال هو مساعدته في مواجهة متفجرات الجنوب دون منة أو وصاية ، وحتى في أوج محنة الفيضان فقد تبين له أن مصر التي تكابد للحصول على رغيف خبزها ، مستعدة رغم كل شئ ، لأن تتقاسمه معه !
لقد سقطت نظرية التخويف وذابت معها كثير من المسافات النفسية وأصبح مد الخطط بعد ذلك أسهل وايصال الجسور أبسط ... وعوامل اللقاء أكثر من عوامل الفرقة .
• ساعد على ذلك أيضا ، برهنة عملية ، اثبتتها الأحداث الساخنة في المنطقة على أن فكرة الارتكاز على قوة خارجية طلبا للحماية أو دفعا للمخاطر هي فكرة خاطئة تماما ، وأنه مهما يكن عمق التحالف مع الغرب فإنه لن يوفر إلا الحماية المطلوبة لمصالحه ، وبالتالي فإن البديل هو البحث عن حماية ترتكز على الذات وترتكز على المحيط العربي ذاته ..
• ثم استطاعت السياسة المصرية بهدوء اقتدار ، أن تعيد بناء دورها في المنطقة بعد أن قاومت بعزيمة وجسارة محاولة حبسها داخل حدودها ، وانكفائها على نفسها .
إن الهدف الثابت للسياسة الأمريكية في المنطقة عبر كل مرحلة وكل دورة ، هو عزل مصر عن نسيجها ودورها القومي ، وتركها لتسقط بالتالي تحت ركام وحدتها ، فريسة سهلة لمشاكلها الداخلية المتفاقمة .
ولقد تعددت محاولات أمريكا لإكراه مصر على العزلة ، والانعزال ، وتعددت محاولات مصر لكسر هذه العزلة ، ومقاومة هذا الانعزال ، وفي مرحلة مبكرة من رئاسة الرئيس حسني مبارك استطاعت مصر أن تفتح ثغرة في " كامب ديفيد " بين شقه المصري وشقه الفلسطيني ، وأن تطل من خلالها وهي حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ، ثم سعت عبر سنوات أن توسع هذه الثغرة باستمرار، حتى حولتها إلى قاعدة واسعة تمكنت من أن تثني فوقها اعتراف بالدولة الفلسطينية .
وكان ذلك إحدى معاني النهوض المصري الجديد ، ولعل دروس التاريخ القديم والحديث ، تؤكد أن أوربا الرأسمالية ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية ، قد عادت دائما أية تجربة مصرية للنهوض ، ومهما يكن مضمونها الاجتماعي وحتى لو كانت تتم على أسس رأسمالية خالصة ، لأنها عادت وياستمرار وستظل تعادي أية محاولة لبلورة مصر القوية ، من محمد علي وحتى جمال عبد الناصر .
إن أمريكا والغرب كله ، يدرك عن يقين أن مصر القوية لا يمكن إلا أن تقف تلقائيا في وجه التوسع والنفوذ الأجنبي ، ولذلك فإن أية محاولة لإخضاع المنطقة بدأت دائما بتوجيه قوتها الضارة لتحطيم حائط الدفاع المصري أولا ..
يضاف إلى ذلك ، تذكية للدور المصري الجديد ، وتعميقا له ، أن المنطقة العربية قد تأكدت ، إن أي محاولة مهما تكن جديتها لإيجاد حالة توازن استراتيجي مع إسرائيل ، مع غياب القوة العسكرية المصرية ، هي مجرد وهم لا يستند إلى حقائق الجغرافيا ولا إلى قوانين التاريخ .
ولهذا كان قرار الجزائر بعودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع مصر قبل أقل من أسبوع من القرار الأمريكي ، لا يخلو من دلالة كبيرة لمصر نفسها ، وللمنطقة كلها ، وللولايات المتحدة قبل الجميع .
• لقد وضعت حرب الخليج أوزارها أو كادت وحين انقشع غبار المعارك ، وتوقف فيضان الدم ، اكتشفت أمريكا خلفه وجود خمسين فرقة عراقية مسلحة فوق أسلحتها الحديثة ، بخبرة معارك اتصلت ثماني سنوات ... وعلى حد تعبير " أهارون ليفراند " عضو مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب ...
" فإن الطريقة التي انتهت بها الحرب تبدو وكأنها انتهت والعراقيون منتصرون ، وهذا فال سيئ لإسرائيل " ... وأظنه أيضا فألا سيئا لأمريكا ، لأسباب تتعلق بتوجهه السياسي ، فلم يعد من الممكن تجاهل الوضع العراقي الجديد على خريطة المنطقة ، خصوصا وإن أحدث التقارير الأمريكية الذي أعده في الأسابيع القليلة الماضية مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن لتحديد الخيارات الجديدة المطروحة أمام القيادة الأمريكية في التسعينات ، يتحدث على ذلك بوضوح .
فالخليج أولا – وحسب نص التقرير – سيظل حتى نهاية القرن المصدر الأساسي لاحتياطي البترول والغاز الطبيعي والعالم ... وسيزداد اعتماد الغرب عليه بما فيه الولايات المتحدة كمصدر للطاقة خلال التسعينات ، ووفقا لبعض التقديرات – كما يضيف التقرير – فإن ثلاثة أرباع الكمية التي يستهلكا العالم في أواخر التسعينات سيتم استيرادها من 4 دول خليجية ... هي السعودية والعراق والكويت وإيران .
والخليج ثانيا – لهخ أهمية استراتيجية بسبب قربه من الاتحاد السوفيتي والحدود المشتركة مع إيران .
والخليج ثالثا – مهم جدا بصدد تطورات العلاقات الدولية والمتغيرات في الاتحاد السوفيتي تشجع على إقامة علاقات اكثر تقاربا بين السوفييت ودول الخليج ، وهذه مخاوف يجب أن تضعها الإدارة الأمريكية الجديدة في الاعتبار .
كما أن الاتحاد السوفيتي سيحاول تعويض قدر من خسارة انسحابه من أفغانستان بأن يلعب دور أكبر في مناطق أخرى مثل الخليج ، وفي مجال الصراع العربي الإسرائيلي ..
هذا ما يؤكده التقرير الأمريكي ، وما يجعله يطالب الإدارة الجديدة بأن تتبع سياسة " لا تبالغ من شأن الخطر في الجمهورية الإسلامية " لأن العراق ستتاح له الفرصة " للعودة إلى الطريق نحو السيادة الإقليمية وذلك عن طريق احتياطيه الهائل من البترول ، وعدد سكانه المحدود نسبيا وجيشه القوي " .
• هناك متغيرات إقليمية لا تقل عمقا ، ولا مجال للدخول في تفاصيلها في هذا العرض السريع ، ولكن الوقوف عند بعض عناوينها قد يكون مفيدا في استكمال ملامح الصورة ، التي يواجهها القرار الأمريكي ، أو الذي يمكن أن يعد مقدمة لمواجهتها :

- توازنات عسكرية جديدة بحكم اتساع قاعدة التصنيع العسكري في المنطقة خصوصا في مصر ، ودخول عناصر عسكرية جديدة في مقدمتها الصواريخ أرض – أرض المتوسطة المدى ، التي أعادت تشكيل الميزان العسكري في المنطقة وعلى صعيد المواجهة العربية الإسرائيلية .
- توازنات اجتماعية جديدة ، بحكم عقود اجتماعية جديدة تفرضها القوى الاجتماعية الصاعدة من التنمية الإجبارية التي فرضتها الثروة في بعض الأقطار العربية .
- توازنات فكرية جديدة ، تخلق في العقل العربي العام قاعدة جديدة بإعلان مدوٍ بفشل التسوية السياسية والفكرية مع الغرب ، وهو إعلان ما يزال يبحث أشكال جديدة لأصولية تعتمد على الذات .

• وهناك متغيرات إقليمية أخرى في التخوم المحيطة بالمنطقة العربية ، من شأنها أن تساعد في التعاملات الداخلية في المنطقة وفي إعادة بناء النظام الإقليمي العربي .
- متغيرات في باكستان محفوفة بمخاطر .. يمكن أن تصل تكاليلها إلى دائرة واسعة في آسيا والشرق العربي كله .
- ومتغيرات في أفغانستان يصعب حساب تفاعلتها ونتائجها بدقة .
- ومتغيرات في الوضع الهندي والعلاقات الهندية السوفيتية لا يمكن تجاهلها أو تجاهل أثارها على خريطة واسعة تحيط بها .
- متغيرات في تركيا تؤذن بها قلاقل ومؤثرات اجتماعية ، قد لا يستطيع النظام الحالي ، أن يستوعبها أو يدمجها في سياساته الداخلية والإقليمية . الخ ..الخ.

****
باختصار شديد ، فإن تفاعلات المتغيرات في المنطقة العربية مع التصاعد المنظور في انتفاضة الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة ، ومع المساحات الواسعة التي استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية أن تحررها في الرأي العام العالمي ، اعترافا وتأييدا لقضيتها ودولتها المستقلة ، تؤذن جميعها بمتغيرات أوسع تمس بناء النظام الإقليمي العربي ذاته ..
وهذا كله في النهاية يبدو وكأنه يصوب نفسه نحو المعادلة الأمريكية الأساسية في المنطقة : " احتكار إسرائيل لخيار الحرب ، واحتكار أمريكا لخيار السلام " .. وفي هذا الإطار فقط ينبغي فهم ومواجهة قرار الولايات المتحدة الأمريكية ، بقطع طريق ياسر عرفات إلى ساحة المنظمة الدولية .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :