معركة المائة يوم ويوم حول السويس (3)     


معركة المائة يوم ويوم حول السويس

بقلم أحمد عز الدين

الحلقة الثالثة



• جمع الفدائيون بقايا شهدائهم من شقوق مداخل حىَ الأربعين ، وأراحوهم فى جوف الثرى ، ثم استعانوا بالشيخ حافظ سلامة للحصول على أسلحة جديدة .

• فى الصباح ورغم تدمير ثلاثة وثلاثين دبابة وكتيبتيّ مدرعات وصاعقة ، كرر الإسرائيليون طلبهم للمحافظ ، بإعلان استسلام المدينة ولم يرد عليهم أحد ..


• صوّب الإسرائيليون هزيمتهم حمما من القصف الجوى والأرضى المكثف ، وكأن هدفهم أن تدفن المدينة كلها حية لتتمكن المدرعات الاسرائيلية من دخولها فوق الأنقاض.

• كانت المدينة تدرك وفى جوفها خمسة الاف مدنى ومؤخرات بعض الوحدات أنها محاصرة من الجهات الأساسية ، وأنها مقبلة على حرب تجويع وتعطيش وأنها لا تملك خبزاً ولا ماء الإ لأيام قليلة ..


• حاول وزير الداخلية ممدوح سالم أن يدفع بمائه شاب متطوع ومائة بندقية لدخول السويس ، وأخرج من السجن مهربى مخدرات ، ليمكنوا قافلة المتطوعين من دخول السويس عبر ممرات خاصة ، وكان المهربان مثالا فى الشجاعة والشهامة !

• قبل محاولة اقتحام السويس بثلاثة أيام ، كانت القوات الاسرائيلية قد أتمت ردم ترعة الإسماعيلية التى تنقل مياه النيل الى المدينة ، لكى تموت المدينة تحت الحصار عطشا.


• نجت السويس من حرب العطش بفضل قرار لعبد الناصر بعد قصف "الزيتيّة "عام 1968 بتنظيف خط مواسير البترول من القاهرة الى السويس ، وتحويله لنقل المياه العذبة .

• لم يتجرأ الاسرائيليون بعد خسائرهم الهائلة على محاولة إقتحام المدينة مرة ثانية ، ومع ظلام ليلة 25 أكتوبر كان الجيش الثالث الميدانى قد أقام جسرا مؤقتا ، يبسط كل ليلة ويرفع كل صباح ، وتلاحم الجيش والشعب تلاحماً تعمّد بالدم فى الدفاع عن المدينة


• على إمتداد مائة يوم ويوم توحدت المدينة شعبا وجيشا كسبيكة من الصلب ، وارتدى المدنيون فى المدينة 4800 ( بلوفر ) هدية من الجيش الثالث ، وإقتسم جنود الجيش الثالث معهم الماء والدقيق والملح .
















كان الفدائيون قد جمعوا بقايا شهدائهم . من شقوق مداخل حي الأربعين . وواروهم التراب ، قبل أن تخضل أوراق الأشجار القريبة بندى الفجر .
وكان كل شيء في المدينة يحدقّ بعيون مفتوحة في الفراغ دون أن يهتز له جفن .. بالأمس دمروا كتيبة مدرعات وكتيبة قوات خاصة.. وأحرقوا ثلاثة وثلاثين دبابة، عندما حاول الأعداء الإسرائيليون .. اقتحام المدينة . فماذا سيحدث اليوم . كيف سيكررون محاولتهم، وماذا ستكون النتيجة هذه المرة ؟

لم ينعس حجر واحد في المدينة ، التي شقت ثيابها ، وتطلعت إلى أضواء الفجر، مترقبة، ومنتظرة أن تصب الجهات الأربع عليها . حمم انتقام الإسرائيليين من مذبحة الأمس المباغتة.
لم يكن ذلك هو هاجس الفدائيين الباقين ، فلم يستعيدوا تفاصيل الأمس، ولم يحسبوا نتائج اليوم.

كان هاجسهم الأول بعد أن أراحوا شهداءهم في جوف الثرى ، أن يحصلوا على زاد لا ينفد من أسلحة المقاومة، في جامع الشهداء ، سأل أحمد عفيفي الشيخ حافظ سلامه إن كان يعرف طريق بعض الأسلحة المخزّنة .
قال الشيخ: إنه هناك أسلحة بالفعل لكنه لا يعرف عنها أو عن وظيفتها شيئًا .

تعالوا وانظروا وخذوا ما تحتاجون إليه..".
ذهبوا ونظروا وناظروا ، وغطوا أجسامهم المنهكة باحمال ثقيلة من الأسلحة . في الطريق اكتشفوا ، ربما للمرة الأولى . أنهم جوعى بشكل لا يحتمل التأجيل أو الانتظار.

لم يكن ثمة بديل عن تحطيم أحد مخازن الطعام وأحد مخازن السجائر، حصلوا على ما يشاءون وبعد أن وزعوا فائض الطعام والسجائر على من قابلهم من الموظفين والجنود، تسلقوا سلالم منزل محمود عواد.. ورموا بأنفسهم وأحمالهم على الأرض.
كانت الانفجارات وأصوات الطلقات ما تزال تتوالى عشوائيًا في أنحاء المدينة ، ولكنهم أحسّوا بصمت عميق خاليا من كل صدى ، إلا من رجع أنفاسهم اللاهثة..

• الشهداء يغسلون المدينة

لم يمر وقت طويل قبل أن يكرر الأعداء الصهاينة طلبهم للمحافظ باستسلام المدينة من جديد . لم تكن المرة الأولى في تاريخ السويس، التي يُطلب من محافظها أن يرفع راية الاستسلام ، ففي 29 يوليو 1882 عندما احتل الانجليز السويس بحرًا ، طلبوا من مديرها أن يعلن ولاءه للخديوي توفيق، لكنه أصر على أن ولاءه لأحمد عرابي وحده، ثم غادر المدينة ، قبل أن يرفع الانجليز أعلامهم فوقها.

كان المحافظ منذ صباح اليوم السابق قد غادر مبنى المحافظة بصحبة مدير الأمن ، حيث قرر بوصفه الحاكم العسكري للمدينة أن يفتح مركزًا قياديًا تبادليًا في جوفها ، واختار لهذه المهمة دورًا ارضيًا في أحد المنازل المغروسة في شارع جانبي ، لا يسمح إلا للأفراد بالمرور.

وفي صباح يوم 25 تكلم المحافظ من موقعه الجديد ، وطلب من بقية موظفي المحافظة أن يخلو المبنى تمامًا ، وأن ينتشروا داخل تلافيف المدينة ، ولم يبق في المدينة سوى عامل التليفون ، الذي كان ما يزال يمثل نقطة الوصل الوحيدة مع العالم الخارجي ، وعندما كرر الأعداء في الصباح ذاته طلبهم بأن تعلن المدينة استسلامها ، وأن يذهب المحافظ ومدير الأمن بصحبة مناديلهما البيضاء إلى ألأستاد الرياضي ، لم يكن هناك نبض حي واحد في المدينة يمكن أن يقبل بالاستسلام.

كانت المدينة قد اختبرت قدرة رجالها جيدًا ، وبرهنت لنفسها أن حرفتها الوحيدة الممكنة ، هي المقاومة والصمود ، وبدأ قصف الحمم .. موجات متتابعة من الضرب الجوي المكثف الذي يكاد أن يكون "ضربًا مساحيًا" هدفه أن تدفن المدينة كلها حية ، حتى تدخل المدرعات الإسرائيلية هذه المرة فوق الأنقاض ، دون مقاومة.

ومدفعيات من كل نوع وعيار ، تقذف المدينة بجحيم مستعر من النيران.
كانت الأوامر واضحة: دكوا المدينة حجرًا حجرًا ، وأجبروا كبرياءها على الانحناء .

لكن روح تحدٍ عظيم ، كانت تحلّق بجناحين كبيرين في سماء المدينة .. التي غسلها الشهداء بدمائهم في الليلة السابقة ! كانت المدينة تدرك . وفي جوفها خمسة آلاف مدني ، ومؤخرات بعض الوحدات ، إنها محاصرة من الجهات الأساسية ، وأنها مقدِمة على حرب تجويع وتعطيش.. وإنها لا تملك ما تسد به رمقها ، أو تطفأ ظمأها ، سوى لأيام قليلة، فماذا إذا أحكم الحصار من حولها وطال أمده، كيف تأكل وتشرب، وتعيش ، لكي يكون بمقدورها أن تقاتل ؟! ومع أن الحصار قد تم ، والأمد قد طال ، فقد عاشت وقاومت مائة يوم ويوم .


• الصورة من بعيد

في القاهرة كانت صورة ما يحدث في السويس وحولها ، تبدو – فيما يبدو –أقل دقة ووضوحا . وعندما حاول قدري نصر أمين شباب المدينة أن يجتاز طريق القاهرة السويس عند غروب يوم 23/10/73 ليصل المدينة قبل أن يحل الظلام . لم يستطع أن يعبر الطريق بعد علامة الكيلو 101 .

كان قد سبقه على الطريق ببعض الوقت (علاء الخولي ) مدير التموين . وكان اخر الذين تمكنوا من دخول المدينة بالفعل وكان قد سبقه بوقت أقل ( محمد أبو المجد ) أمين الاتحاد الاشتراكي بالمدينة . لكنه فوجئ به يعود في الاتجاه العكسي بسرعة مذهلة .

دخل بسيارته في جوف الصحراء، واحتمى بوحدة مدفعية، قالوا له إن هناك 7 دبابات إسرائيلية تحوم حول المنطقة وأنهم تمكنوا من تدمير 3 دبابات من بينها. أما بقيتها فهي تظهر وتختفي .

وقالوا له: لا سبيل إلى المدينة .. وعليك أن تعود.
حمل في سيارته بعض الجنود المصابين ، وعاد إلى القاهرة وعند الكيلو 4,5 تركهم في رعاية الشرطة العسكرية .

بعد ساعة واحدة من وصوله إلى القاهرة فوجئ بالنبوي إسماعيل مدير مكتب وزير الداخلية ، يقول له أن وزير الداخلية ممدوح سالم في انتظاره .
ذهب إلى وزير الداخلية ، وفوجئ بالوزير في غرفة العمليات ، أسفل المبنى بلاظوغلي .

قال له ممدوح سالم :
هل لديك شبابا مدربا على حمل السلاح ؟
قال : نعم .. بالطبع
سحب وزير الداخلية ورقة وكتب عليها أمرا بأن يتسلم مائة قطعة سلاح من مخازن الجبل الأحمر. إضافة إلى كمية من قنابل (حسام) اليدوية . على أن تصحبهم 3 سيارات خاصة.
في المساء المتأخر نفسه ذهب وتسلم الأسلحة والذخائر، لكنه شعر بالأسى لأن الأسلحة التي تسلمها كانت متخلفة جدًا ، إضافة إلى أن الوزير قد صدق على منح كل مقاتل متطوع 100 طلقة فقط لا غير .

كان عليه أن يأخذ هذه القوة .. لينضم إلى المدافعين عن السويس ، أعطى تعليمات بأن يذهب أولا إلى كوبري القبة ، ليقابل المسئولين في مكتب مخابرات الحدود . داخل المكتب وجد خريطة هائلة يتحلق حولها بعض الأشخاص .

سألوه : أنت الذي ستدخل بالشباب إلى السويس ؟
قال نعم
سألوه : وهل تعرف الطريق ؟
قال أستطيع أن أستعين بالخرائط ، بعد أن توضحوا لي بالضبط أماكن إختراق الإسرائيليين .

قالوا له بعد فترة صمت مندهش :
على كل وزير الداخلية أمر بأن يصحبكم اثنان من مهزبي المخدرات . الذين يعرفون تضاريس ودروب المنطقة جيدًا ، وقد أخرجا بالفعل من السجن .

بعد قليل انضم المهربان الخارجان من السجن إلى القافلة وكان بمقدور الذين اشتركوا في هذه المهمة المستحيلة . أن يشهدوا بعد ذلك بان هذين المهربين كانا في غاية " الشجاعة والشهامة " تحرك الركب فوق طريق السويس . لكنه سرعان ما أوقف .. قيل لهم أن التعليمات تقتضى بألا يسمح بالدخول إلى عمق الطريق من أي جانب إلا بتصديق خاص من وزير الدفاع المشير أحمد إسماعيل شخصيا .

احتجزوهم حوالي ثلاث ساعات بينما كانت المشاورات والاتصالات مستمرة . لكن القرار الذي ابلغوا به بعد طول انتظار كان مخالفا .

" سوف تغيرون خط السير . وتذهبون إلى الإسماعيلية . ثم تسلمون أنفسكم إلى الجيش الثاني الميداني الذي سيتولى تسليمكم إلى الجيش الثالث . الذي سيقوم بنقلكم إلى داخل المدينة لتنضموا للمدافعين عنها ".
وذهبوا إلى الإسماعيلية واحتضنوا أسلحتهم وانتظروا لكن الأحداث الجسام التي تدفقت بعد ذلك لم يكن متاحا لها أن تتوقف . لتحمل مائة شاب متحمس ، ومائة بندقية محشوة ، عبر جيشين . ومائة وثمانين كيلوا مترا . حتى قلب المدينة الملتهب .

ولم تكن السويس بدورها مستعدة لأن تنتظر أحدا ..!
في صباح اليوم نفسه 25/10 كان كل شيء قابل للاستخدام الآدمي في المدينة . يتعرض لعملية حصر دقيق . البنزين – الدقيق – الكيروسين الشحوم – المعلبات – الأرز.. إلخ .

ولم تكن نتائج الحصر تطمئن بطول اعتماد على الذات . فلن يمر أسبوع من واقع هذا الحصر . قبل أن تبدأ المدينة تشكو الجوع والعطش بل لقد كان يمكن أن يكون الظمأ حالاً .. وسابقا على الحصار الإسرائيلي ذاته .
بدت المهمة صعبة . والأيام شاقة .. خصوصا وأن السويس كانت مسئولة قبل الحصار عن تموين الجيش الثالث الميداني بالمياه .. لكن لم تكن ثمة مساحة للخيار !

ولم يبدد الإسرائيليون وقتهم . فقد كان واضحا قبل ثلاثة أيام من ذلك التاريخ .. أن سقوط السويس كان يشكل قمة الهدف الاستراتيجي لعملية اختراق مفصل الدفرسوار . فقبل أن تطرق المدفعية الإسرائيلية أبواب السويس . وقبل أن تقوم الوحدات الصهيونية بأية عمليات عسكرية مباشرة ضد المدينة كان الإسرائيليون قد أتموا منذ يوم 22 صباحا ردم ترعة الإسماعيلية التي تنقل مياه النيل إلى السويس ( غربي المدينة )

وكانت ترعة الإسماعيلية التي حفرها عام 1863 مائة ألف فلاح وعامل مصري تحت سياط السخرة . والتي وصفها على مبارك في الخطط التوفيقية بأنها " من أكبر أسباب عمارة السويس " هي مصدر المدينة الوحيدة للمياه العذبة .. لكن قرارا كان قد صدر في أعقاب قصف الزيتية ، بتنظيف خط مواسير البترول من القاهرة إلى السويس وتحويله لنقل المياه العذبة . وكان هذا القرار الذي ألصدره عبد الناصر نفسه فى عام 1968 ينطوي على رؤية إستراتيجية ثبت بعد خمس سنوات مدى عمقها وحكمتها .

وعندما ردم الإسرائيليون ترعة الاسماعيلية . يوم 22/10 تمكنوا بالفعل من قطع المياه العذبة مبكرا جدا عن السويس ، لكنهم لم يمارسوا شيئا مبتكرا ، بل كان تكرارا لما نفذته القوات المسلحة المصرية قبل ذلك بنحو قرن من الزمن ، ففي عام1882 عندما نزل الإنجليز لاحتلال السويس ، حاولت القوات المصرية أحكام الحصار حولها ، بردم الترعة نفسها لمنع وصول الماء العذب إليها ، وهو أيضا ما فعله الجيش المصري الباسل عندما أقام سدا على ترعة المحمودية في التوقيت نفسه عند كنج عثمان . ليمنع وصول الماء العذب إلى الاسكندرية بعد أن احتلها الإنجليز وقبع فيها الخديوي توفيق .

هكذا نجح الإسرائيليون مبكرا في قطع شريان المياه العذبة عن السويس ، وفي مساء يوم 22 اتصل سيد قناوي مدير العلاقات في المحافظة ، بفوزي يوسف وقال له :

ليس لدينا ماء ، ويبدوا أن اليهود ردموا ترعة الإسماعيلية أن الموقف خطير ، وقد اضطر الناس إلى تسلق ماكينات الديزل في محطات توليد الكهرباء ليشربوا الماء العكر في تنكات التبريد .

كانت المستودعات الموجودة في المنطقة الزيتية على مسافة 8 كم خارج المدينة ، ترتفع عن مستوى المدينة مائتي متر ، لذلك فقد كان مجرد ملئها بالماء ، يعني أن المدينة يمكن أن ترتوي دون مضخات .

كانت المشكلة أن صنابير ملأ هذه المستودعات وراء خطوط الإسرائيليين . ولذلك فإن الوصول إليها وفتحها يتطلب اختراق مرابض مدرعاتهم .

جمع فوزي يوسف عددا من العاملين في المستودعات ، وشرح لهم الموقف . قال لهم لا بديل عن أن نفتح صنابير المياه ، وإلا ماتت السويس عطشا . لكن ذلك يتطلب مغامرة غير محسوبة .. وذلك يتوقف على استعداد كل واحد .. فوجئ بأنهم جميعا يتحمسون للذهاب دون تردد .. اتصل فوزي بسيد . وحدد له مكانا يهشمّون عنده مواسير المياه تحت الأرض ، كي يحصلوا على المياه المتدفقة .

وفي الفجر بدأت المغامرة .
تجرد المتطوعون للمهمة من ملابسهم الخارجية .. واكتفوا بالملابس الداخلية .. وحمل كل منهم دلوا فارغا . وكانت حجتهم المنظورة . إذا ما أقتنصهم الإسرائيليون إنهم ذاهبون ليملئوا أوعية الاستحمام .

يتذكر فوزي زميله سامي سمعان الذي كان في مقدمة الطابور . وأصر على أن يخلع الصليب الذي كان يلفه حول عنقه .حتى لا يبدو شيئا يميزه أو يفصله عن الباقين . عبروا وساروا طويلاً .. ولم يعثروا على أثر لمدرعة إسرائيلية واحدة ، استغرقت الرحلة ثلاثة أرباع ساعة . فتحوا بعدها الصنابير وامتلأت المستودعات وتدفق الماء إلى السويس .. ( 40 ألف طن) .

اكتشفوا بعدها الدرس الأول الذي طبقوه في التعامل مع الوحدات الإسرائيلية . فعندما يأتي الليل ، ينتاب الإسرائيليين فزع رهيب . ولذلك يخلون المنطقة تماما من أثارهم ومن بقاياهم . ويسحبون وحداتهم قبل أن يخيم الظلام تمامًا . ويصعدون إلى القمم الجبلية العالية ويأوون أليها لعلها تعصمهم من المصريين .

لم تمثل هذه المياه التي دخلت السويس فجر يوم 23/10 قبل أن تحاول دخولها المدرعات الإسرائيلية المصدر الوحيد للمياه تحت الحصار . فقد اكتشف الناس أيضا بعد الآبار القديمة . وعند حلقات السمك ، تذكر الناس أكثر آبار المياه الجوفية في المدينة قدما . وكان بئرا أسطوريًا ، فقد كان قادرا على أن يعطى وحدات الجيش الثالث وحدها مائتي (جركن ) ماء يوميا أما مشكلته الوحيدة ، أنه كان لا يمنح ماءه إلا مقابل كميات من السكر تلقى فيه . وبقدر ما يعطونه من سكر . بقدر ما يهبهم من ماء .. قد يكون ذلك جزءا من أسطورة الصمود نفسها ، لكنهم أعطوه ما يطلب فقد كان الماء أثمن من أي شيء سواه .. وكان نصيب الفرد يوميا بالعدل والقسطاط لترًا واحدًا !


• تلاحم الشعب والجيش

رغم القصف الجوي والمدفعي المركز والمتصل ، فوق المدينة ورغم تكرار إنذارات الاستسلام على امتداد يوم 25/10 لم يتجرأ الإسرائيليون بعد خسائرهم الهائلة، على محاولة اقتحام المدينة مرة ثانية ، ومع ظلام الليلة نفسها ، كان الجيش الثالث الميداني قد أقام جسرا مؤقتا قدر له أن يبسط كل ليلة بعد ذلك ، وأن يرفع كل صباح . ودفع ببعض وحدات قوات المشاة . للمشاركة في الدفاع عن المدينة . وأخذت قبضة المدينة تزداد تماسكا وقوة .. وتلاحم الشعب والجيش في الأيام التالية . تلاحما تعمد بالدم والحقيقة .

ورغم أن الإسرائيليين لم يكرروا محاولة اقتحام المدينة ألا أنهم خلال يومي 25 و26 سعوا بشكل محموم ، إلى شن هجمات شرسة ، لتوسيع الرقعة التي يحتلونها من مشارف المدينة . واتصل قتال وحشي مستميت خلال الساعات التالية . وكان الشهداء يتساقطون كالثمار الناضجة في كل مكان ، وهم يزودون عن أشبار قليلة من تراب المدينة .

والأمثلة لا تنتهي ، فمن شباك صغير في غرفة البنك الأهلي كان بمقدور الموظفين في ذلك الوقت ، أن يشاهدوا صبيا يافعا يضرب العدو بالقنابل ، ثم يعود بسرعة ليقفز متواريا خلف جدار الكنيسة المجاورة .

وتكررت الضربات والقفزات عشرات المرات ، قبل أن يختفي الصبي فجأة ، وبحثوا عنه دون جدوى ، ولم يدلهم عليه ، بعد يومين ، سوى رائحة غريبة ، تنبعث من ناحية الكنيسة ، وحين تسلقوا السور ، وجدوه جسدا شهيدا يسند ظهره . هادئا إلى الناحية الأخر من الجدار .

وعندما تقرر وقف إطلاق النار في اليوم نفسه (26) وجاءت قوات الأمم المتحدة إلى مشارف المدينة لتحديد خطوط القتال لم يجد الفدائيون بديلا عن أن يلعبوا دور ضباط الاتصال المصريين . ورسموا بالإشارات . وبكلمات إنجليزية لقيطة الخطوط التي تفيد أوضاعهم القتالية .

لم يكن شكلهم العام يدل على أنهم عسكريون لكنهم تمثلوا الدور . ومثلوه . واصطحبوا عشرات الفلاحين معهم . رضوا قانعين بأن يتوزعوا هنا وهناك تحت دخان الخطر . ليتأكدوا أن هذه المساحات ما تزال في أيدي المصريين .

بهذه الطريقة العزيزة . وبهؤلاء الأفراد المجهولين وقعت خرائط وقف إطلاق النار حول السويس لكنهم أنفسهم لم يسمحوا لوقف إطلاق النار أن يتحول إلى حقيقة . فقد استمروا ينظمون عمليات المقاومة . وشن حرب استنزاف ليلية ضد أجناب العدو .

دربوا الفلاحين على القتال ، وأمتزج الجيش والشعب في وحدة قتالية لا تقبل الانفصام ، فوق أنها أمدت حرب إستنزاف لم يتوقف بوقود أشعلها مائة يوم وواحد بالتمام والكمال .

وفى وهج الحصار والنار ، كانت السويس تكتشف أن معدنها أصلب ، وأن ملامح وجهها أجمل وأروع .


• العدل أساس الحياة

كان لزاما على المدينة أن تمارس حياتها الاعتيادية ، تحت سقفها القديم الذي يحتل رقعة فوق الأرض تمتد 1700 متر طولا و 500 متر عرضا . على لسان البحر الذي يكاد أن يكون شبه جزيرة تسبح بين البحر وقمة الخليج الضحلة. واقتسم الآلاف في هذه المساحة كل شيء الماء ، والهواء والدقيق ، والخشب ،والخطر ، بالعدل والقسطاط المستقيم .

في يوم 6/11/73 بدأ الطعام يدخل إلى السويس ، بموجب اتفاقية البنود الستة . لكن الشروط الإسرائيلية كانت تمنع دخول السلع الإستراتيجية التي اعتبر الوقود والزيت والبطاريات من بينها .

كانت قوات الشرطة تتسلم صفائح العسل التي مزقتها " سناكي " البنادق الإسرائيلية وأجولة الدقيق التي هرستها ، عند الكيلو 114 ثم تحملها على ظهورها إلى المخازن لتخضع بدورها لتقسيم عادل وصارم . فتحت بعض الحملات أبوابها داخل المدينة خصوصا تلك التي لديها مخزونا من السجائر خصوصا بعد أن كادت السجائر أن تصبح العملة الرسمية في المدينة.


لم يكن من الممكن أن تعيش المدينة دون نقود. فلم يكن هناك ما يقايض الناس بغيره .


كان البنك الوحيد داخل المدينة هو البنك الأهلى ، وكان ينظم عَمله ثلاث مجموعات متناوبة المدير ونائب المدير ومدير الحسابات .

استبدل مدير الحسابات يوم 21 أكتوبر أجازته مع نائب المدير حتى يتسنى له أن يقضى اجازة عيد الفطر مع أسرته فى القاهرة ، وهكذا دخل الحصار باختياره كما دخلت فى اليوم التالى ( 22 ) كميات من النقود الى البنك قادمة من القاهرة باختيارها ايضا ، فقد كانت السويس تصرف رواتبها يوم 29 من كل شهر .

بعد فترة كان لابد من صرف رواتب رمزية للناس ، وهكذا تقرر أن يصرف كل الناس فى السويس راتبا شهريا موحدا قدره 5 جنيهات ، كما تقرر أن يصرف افراد الجيش الثالث راتبا شهريا قدره جنيهان .

كانت المشكلة أن النقود الموجودة فى البنك سوف تتآكل باستمرار ، وسوف تنفذ بالتالى وسوف تبدو الدولة عاجزة عن أن تدفع رواتب موظفيها.

كان لابد من البحث عن وسيلة لإعادة ضخ الأموال الى البنك مرة ثانية ، أى اعادة دورة رأس المال من جديد .

اتفق عادل رئيس الحسابات مع التجار على أن يتعامل معهم بالشيكات المصرفية كبديل للنقود التى يجمعونها من المواطنين ، كانت الشيكات مسحوبة على فروع أخرى للبنك ، وصالحة لمدة عام وقابلة للتجديد ، وقبل بعض التجار أن يعطوا البنك حصيلة تجارتهم نظير شيكات كانت تبدو فى ذلك الوقت مجرد قطع من الورق الملون .

أصبحت هذه الدورة هى مصدر التمويل الذاتى لكن الاحتياطى مع ذلك أخذ يتآكل وكان الخوف بعد الشهر الرابع من أن دفع رواتب الشهر الخامس سوف يكون صعباً .

عندما انتهى الحصار بعد مائة يوم ويوم سأل أحمد زندو محافظ البنك المركزى عادل مدير الحسابات فى السويس .
ماذا كنت تفعل إذا طال الحصار أكثر وتآكلت النقود تماما ؟
قال : كنت افكر يوما بيوم
قال زندو : الحل بسيط كان عليك أن تعتبر نفسك بنكا مركزيا ، وأن تصدر نقودا لا تحمل سوى توقيعك وخاتم البنك على قطعة من الورق الأبيض .


• سبيكة الصلب


فى يوم 29 يناير 1974 فتح طريق السويس ، وخرجت المدينة من الحصار مرفوعة الهامة وضاحة الجبين .

كانت المدينة كلها قد توحدت كأنها سبيكة جديدة من الصلب ، لقد ارتدى المدنيون فى المدينة 4800 ( بلوفر ) من الصوف هدية من الجيش الثالث الميدانى وشرب جنود الجيش الثالث ماء السويس واقتسموا معها الدقيق والملح .
ولم يكن ذلك كله مدهشا ولا غريبا ، فقد رصف نصف طريق القاهرة السويس جنود سلاح المدفعية ونصفه الآخر العمال والفلاحون من أيام ، أنها أقدم وحدة وطنية ، ولذلك فهى لا تقبل الانفصام .





 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :