معركة المائة يوم ويوم حول السويس (2)     



معركة المائة يوم ويوم حول السويس

بقلم أحمد عز الدين

الحلقة الثانية


• طلب القائد العسكرى الإسرائيلى وقواته على بعد 8 كم محافظ السويس وقال له : يا خولى عليم أن تحضر ومدير الأمن إلى " الإستاد " لتسليم المدينة وجاء الرد من القاهرة للمحافظ حاسماً لا تسلم وقاوم .

• بدأ الإسرائيليون يمهدّون لإقتحام المدينة بقصف جوى ومدفعى مكثف ، بدا معه أن المدينة تهتزّ حجراً حجراً...


• دخلت القوات الإسرائيلية من شارع الجيش على خط واحد ، بقوة كتيبة دبابات ، وكتيبة صاعقة وقوة مشاة ..

• شهادة ضابط إسرائيلى " أطلقوا علينا النار من جميع المنازل ومن جميع الشبابيك والمنافذ بالأسلحة وقنابل البازوكا والقنابل اليدوية .


• إضطر الإسرائيليون تحت قوة الضربات أن يقذفوا بأنفسهم من المدرعات والناقلات إلى أرض الشارع ، وبدأوا يبحثون عن مهرب.

• كانت المدرعة التى دمرت هى مدرعة ( يوسى ) قائد القوة المهاجمة ، وقد أصيب باصابات بالغة ، كما أصيب فى اللحظة نفسها قائد قوة المظلات المقتحمة بجراح خطيرة .


• توقف تقدم الإسرائيليون بعد أن دمرت مدرعتان تدميراً كاملا، وأصيب ثلاث مدرعات أخرى ، وتناثرت جثث الجنود فوق أرصفة الشارع ، وكان الجرحى يصرخون : "أماه .. أريد أن أعيش " !

• كان بمقدور كل الذين أطلوا على المشهد أن يروا ضابط برتبة نقيب وخمسة جنود يتنقلون على محيط نصف دائرة وهم يستخدمون كل شئ لضرب الاسرائيليين : بنيران الأسلحة ، القنابل ، الصواريخ ، حتى السلاح الأبيض قبل أن يسقط قائد المجموعة – من استطلاع الجيش الثالث – شهيدا ، وهو يصد بلحم صدره جنازير الدبابات


• أعلن الإسرائيليون الذين احتموا بقسم شرطة الأربعين قبولهم بالاستسلام ، شرط أن يضمن المقاتلون المصريون حياتهم

• قررت مجموعة الفدائيين أن تضع خاتمة فاجعة للمعركة ، فكومت كرات مشتعلة من اللهب ، ومرت على المدرعات الإسرائيلية واحدة واحدة ، وألقت فى جوف كل منها كرة مشتعلة ، وتوالت سلسلة إنفجارات حولت الليل إلى نهار ، فقد تم تدمير ثلاثين دبابة فى لحظة واحدة


• هرب ما تبقى من الإسرائيلين وأخذوا يجرون أجسادهم على الطريق حتى الخروج من المدينة مسافة 4 كم ، وحسب شهادة أحدهم " مررنا بالقرب من القوات المصرية ، سرنا بهدوء ، وأخذنا نرتجف من الخوف ".












مع أول ضوء . دخلت عشر دبابات إسرائيلية من طريق آخر الى الكورنيش ، قطعت الطريق كله ، ومرت بمبنى المحافظة ، وانتهت عند بورتوفيق قرب نهاية الشاطئ اصطدمت إحدى الدبابات بلغم مجهول وانفجرت ، انشغلوا بسحب الدبابات المعطوبة ، وخرجوا راعهم صمت المدينة ، فتصوروا إنها رفعت راية الاستسلام .

على أبواب شركة السويس وعلى مسافة 7 كم من المدينة ـ أطلّ العمال والموظفون على مشهد غريب ، فقد فتح الجنود الإسرائليون أغطية الدبابات وأخرجوا رؤوسهم منها وهم يصرخون فى فرح هستيرى .

هكذا أعلنوا سقوط السويس ، وبعد وقت قصير أراد القائد العسكري الإسرائيلي أن يمارس وظيفته كحاكم عسكرى طلب المحافظ على التليفون ، وقال له :

يا خولي عليك: أن تحضر أنت ومدير الأمن إلى الأستاد لتسليم المدينة من كل جانب ، فحافظ على أرواح المدنيين .

رد المحافظ:
لا أستطيع أن أسلم المدينة إلا إذا اتصلت بالقاهرة ، أمهلني بعض الوقت..
قال القائد الإسرائيلي:
• سأمهلك ربع ساعة، وعليك أن تعاود الاتصال، وإذا لم تتصل سأهدم المدينة بالطيران، وأدخلها بالقوة.

مرت الدقائق بسرعة ، لا أحد يعرف على وجه اليقين إذا كان المحافظ قد اتصل بالقاهرة في هذا التوقيت أم بعده، أي في صباح اليوم التالي ، لكن المؤكد أن الاتصال قد حدث، والمؤكد أن المحافظ قد قدّم بالتليفون للقاهرة ، حصرًا بالماء والمئونة التي تتوافر داخل السويس.. وأن هذا الحصر كان يؤكد أن المدينة لا تستطيع الصمود تحت الحصار غير أيام قليلة جدًا ..
جاءه الرد من القاهرة حاسما و حازما : لا تسلّم .. قاوم


مرت الدقائق الخمس عشرة ، التي أعطاها القائد الإسرائيلي كمهلة للمحافظ.. لم يتصل المحافظ، فعاود الإسرائيلي الاتصال. قال:
• ياخولي، أنت كذبت علىّ.. سلِّم المدينة فورًا ..
قال المحافظ:
على أي أساس أسلِّم المدينة ..؟
رد الإسرائيلي:
على أساس أنك والمدينة تحت الحصار.. وحفاظًا على المدنيين.
أغلق المحافظ ، التليفون..، حاول الإسرائيليون الاتصال للمرة الثالثة..،
رد هذه المرة سيد قناوي مدير مكتب المحافظ قال سيد قناوي: المستشار العسكري على إسلام يرفض تسليم المدينة ، ثم انقطع الاتصال .

أثناء ذلك ، وفي تمام الساعة 9.15 رأى الفدائيون المتحصنون في أكمنتهم ، سيارة المحافظ، قادمة من اتجاه الكورنيش، في طريقها إلى قلب المدينة ، أو إلى حي الأربعين..

بعد دقائق كرر الإسرائيليون تهديدهم بقصف المدينة، وتدميرها ، إذا لم ترفع المناديل البيضاء.. لم يرد عليهم أحد.. بدأوا في تنفيذ تهديدهم..

اشتعلت السماء بقصف جوي مركّز، وبقصف مدفعي مكثّف، حتى بدا أن المدينة كلها تهتز حجرًا حجرًا.. كانوا يمهدون للهجوم الكبير بالمدرعات .

عند مداخل المدينة ، كانت هناك ثلاث مجموعات من الفدائيين كل مجموعة تتكون من 3-4 أشخاص، وكان في حوذتهم جميعاً 2 قاذف آر. بي. جي. وعدد خمس طلقات فقط لا غير ، وكان عليهم في تمام الساعة الحادية عشر وعشرين دقيقة. أن يواجهوا كتيبة كاملة من الدبابات الإسرائيلية ، وكتيبة من قوات الصاعقة.. ويمنعوهم من اقتحام المدينة ..


هكذا تحققت المعجزة

على مشارف مدينة السويس في ذلك الصباح الباكر من يوم 24/10. كانت قوة المدرعات الإسرائيلية وقوة المظليين الإسرائيليين . تنهب الطريق الأسفلتي، الذي ينحدر إلى قلب المدينة قريبًا من خط السكة الحديد.


قال أحد القادة الإسرائيليين لجنوده داخل المصفحة:
"أخيرًا نستطيع أن نرى تحصيناتنا على رصيف الميناء من الجانب المصري .. لقد كنت ذات مرة قائد التحصين وكنت أطل على مدينة السويس كل صباح، والآن سيمكنني أن أشاهد الرصيف من داخل المدينة .

كان الصيد يبدو سهلاً وثمينُا في آن واحد. وكانت نهاية الرحلة تبدو دانية ومجزية..
اعتقد الإسرائيليون - حسب وثائقهم – أن سكان السويس هربوا منها خوفًا من اللهيب الذي يطرق أبواب مدينتهم ، وأنهم جرّوا بقاياهم ، واتجهوا إلى قمم جبال جنيفة ، وعتاقة المطلين على المدينة ، وتعلقوا في الفراغ البعيد طلبًا للخلاص.

وكما بدا الطريق إلى المدينة خاليًا ، بدت المدينة مهجورة ، وأحس الإسرائيليون بزهو مضاعف، فقد كانت المدرعات الإسرائيلية التي تتدحرج في اتجاه قلب المدينة ، ملأى بمظليين وصفوهم بأنفسهم أنهم.. "متمرسون في القتال ، بينهم من حرر القدس القديمة ، خلال حرب الأيام الستة. ومن نال النياشين وحظى بشهرة فائقة" ..

اتجهوا جنوبًا، وتحركوا في طوابير ثلاث، كانت الدبابات في المقدمة وفي المنتصف بعض الناقلات التي تحمل المظليين ، وفي النهاية "قول" من ناقلات الجنود.

قبل دخول المدينة تأكد الإسرائيليون أن الطريق لم يكن خاليًا ، فعلى مسافة بضعة كيلو مترات: "ساد هدوء ممتع فعلاً، وفجأة مر صاروخ ساجر فوق رؤوسنا وانزلق فوق رتل المجنزرات على ارتفاع منخفض ، وقد قطعت زعانف الصاروخ ، إصبعين من أصابع أحد الضباط ، وراحت المجنزرات تبحث عن مخبأ الصواريخ وعندما أطلق صاروخ آخر ، رأيناه يمر فوق مجنزرة قائد الكتيبة ويقترب منها . وكان المشهد مخيفًا" ..

اعتقد الإسرائيليون وهم يتقدمون صوب المدينة أنهم طهروا آخر معاقل المقاومة على مشارفها ، وأن المدينة دانت لهم وسوف تنحدر على صدورهم بعد قليل كالثمرة التي أنضجها اللهيب..، وبدت المدينة مع ذلك حسب وصف أحد الجنود الإسرائيليين: "كمدينة أشباح فمن الجهة اليمنى مباني شاهقة، متعددة الطوابق، ومن الجهة اليسرى أرض مكشوفة ، ولم يفصل بين الشوارع والمنطقة الصحراوية سوى خط السكة الحديد ، على الحاجز الترابي كان الشارع الرئيسي الذي دخلنا فيه واسعًا ، وتوازيه حارة على امتداده" قبل ذلك بعدة أمتار ترجّل المصور الذي أحضروه معهم كي يملأ "كاميرته" بصور من استسلام مدينة عربية ، جمع بعض الرسائل، وتذاكر القطار المبعثرة، وحين أدار بصره في كل اتجاه لم يظهر له أي كائن حي..





• المواجهة

كان الفدائيون قابعين في مواقعهم التي انتخبوها على رؤوس المحاور. المتوقعة لدخول الدبابات الإسرائيلية . عند "مزلقان الروضة" كان يكمن أحمد عطيفي. ومحمد سرحان وفايز حافظ أمين.. وعند مدرسة حمد الله، كان يكمن أحمد أبو هاشم وغريب محمد غريب. وعبد المنعم حسن خالد.. وعند سينما رويال يكمن محمود عوّاد، وابراهيم سليمان ، وأشرف عبد الدايم.
دخلت الدبابات الإسرائيلية في المقدمة وراءها عدة مصفحات ثم عدة شاحنات تحمل المظليين ، وفي المؤخرة مصفحة أخرى وقبلها أتوبيسان محملان بالجنود .. ودخلوا من شارع الجيش ثم مروا بمقدمة الأحياء السكنية لحي الأربعين. كانت كلها مهدمة ، وبعد قليل كانوا يواجهون كمين سينما رويال (محمود عواد، ابراهيم سليمان، وأشرف عبد الدايم) وانهمر وابل من الرصاص والقنابل على المهاجمين من كل جانب . حتى أنهم اعتقدوا أن المدينة كلها تطلق النار عليهم في وقت واحد..

"أطلقوا علينا النار من جميع المنازل. ومن جميع الشبابيك والمنافذ بالأسلحة الخفيفة . وقنابل البازوكا والقنابل اليدوية ..
مع ذلك كانت الخسائر في الأفراد قليلة فقد وضع الإسرائيليون على الدبابات . دمى من البلاستيك، ليكتشفوا مواقع الكمائن التي تنتظرهم إن كان لها وجود"..

بدأ محمود عواد يتعامل مع الدبابات مستخدمًا الـ آر. بي. جي.. أطلق الصاروخ الأول فأصاب الدبابة الأولى، ولكنها لم تُدمَّر أطلق الصاروخ الثاني على الدبابة الثانية في اللحظة نفسها تقريبًا فأصابها، ولكنها لم تُدمَّر أيضًا.

أحس ابراهيم سليمان أن القوة المهاجمة كبيرة ، وأنها قادمة في خط واحد، وحين أحصى أكثر من ثلاثين دبابة إسرائيلية مهاجمة ، قفز من مكانه في اتجاه كمين أحمد عطيفي وميمي سرحان طالبًا العون قال لهما:
تعالوا بسرعة لقد جاءوا من شارع الجيش ونحن نقاتلهم.. قالوا له:
اضربوهم أنتم.. كل منا مسئول عن منطقته ..
قال ابراهيم:
بسرعة. لقد جاءوا في خط واحد.
قفزوا وراءه ، ووجدوا أنفسهم قد أصبحوا فوق الخندق، بجوار سينما رويال . كانت الدبابتان الإسرائيليتان المصابتان . قد غيرتا خط سيرهما وعادتا إلى الخلف . وأعقبت موجة الدبابات الأولى ، وكانت من طراز (باتون 48)موجة أخرى من طراز (سونتريون- 7).

هكذا وجد أحمد عطيفي دبابة سونتيريون في مواجهته ، أنشد كالقوس، ةأطلق قذيفة آر. بي. جي. لكن الدبابة الثالثة أُصيبت أيضًا، ولم تُدمَّر..
أحس أحمد بالحزن والقلق ، فقد قذفوا ثلاثة قذائف أر. بي. جي. في ثلاث محاولات ، لم تنجح بالكامل ولم يبق معهم سوى قذيفتين فقط.

كان ابراهيم سليمان ما يزال يلهث عندما خطف الـ آر. بي. جي. من يد أحمد عطيفي، وقذف الدبابة الجديدة ، بالقذيفة الرابعة، وتهلل وجهه ووجه أحمد عندما وجداها وقد تدمرت تدميرًا كاملاً .

حاول طاقم الدبابة - أو من بقي منه - رغم ذلك أن يتعامل معهم ، باستخدام الرشاشات. فلم يمكنوهم حصدوهم بالأسلحة الصغيرة من أعلى إلى أسفل .
في نفس اللحظة كان مدفع الدبابة التالية يكاد ينحني إلى الأرض، ليضرب الخندق الذي يواجهه على بعد أمتار. لكن محمود عواد قفز فوق الدبابة في خفة غريبة وفتح غطاء البرج ، وأسقط قنبلة في جوفها سرعان ما انفجرت وأحدثت دويًا هائلاً..

لكن مفاجأة الإسرائيليين كانت أقوى كثيرًا من أي انفجار وواضح من أي دوي.

اضطر الإسرائيليون إلى أن يقذفوا بأنفسهم من المدرعات والناقلات إلى أرض الشارع . احتموا بجدران البيوت، والتصقوا بالحوائط، ثم بدأوا يبحثون عن مهرب ومنجى داخل بعضها. وتحت جدرانها ، وهم ينتشرون في حالة فزع..
"جرح منا البعض على الفور ، أمكن انتشال أول جريحين بسيارة جيب ، وانتشل آخرون بالمجنزرات والدبابات التي كانت تقذف أتونا من النيران نحو المنازل".



تحت مطر الرصاص التي تداخلت أقواسه ، سقط الجندي اليافع أبيض اللون، الذي يتكلم بسرعة والذي لم يعرف أحد اسمه شهيدًا ، انحنى في هدوء إلى جانب الطريق كانت أمنيته فيما يبدو قد تحققت فقد ساعدهم على سرقة "سلاحليك" المستشفى العام، شرط أن يشترك معهم في القتال ، ضد الدبابات الإسرائيلية . وها هو القتال قد بدأ ، والدبابات قد دمرت، والسلاح مستيقظ يصرخ في قلب الشارع.


• قتال متلاحم

أخذ الفدائيون بدورهم في الانتشار .. دخل أحمد عطيفي إلى صالة قطع التذاكر في سينما رويال المجاورة . سمع تحت الحائط هدير دبابة ، كانت يده أسبق من عينيه. وحين قذفها بقنبلة وجدها من طراز "طوباز" السوفييتي. لو سبقت عينه يديه. لتردد، لكنه أدرك أنهم استخدموها كدمى الجنود البلاستيك، حيلة أخرى للتمويه..

انفجرت الدبابة بسرعة كبيرة ، واحترق طاقمها في داخلها ما عدا اثنين، تمكنا من الهرب من حريق الصلب، حاول أحدهما بدوره أن يختبئ في صالة قطع التذاكر ، كانت المسافة بينه وبين أحمد عطيفي لا تزيد عن متر واحد، أطلقا نيران رشاشهما في وقت واحد، وحين جاءت طلقات الإسرائيلي في اتجاه باب صالة العرض، تمكنت دفعة طلقات أحمد من حفر دائرة من الثقوب المتداخلة في صدره، بعد أن مزّقت خزينة رشاشة ، كان قريبًا جدًا لدرجة أن سقوطه كان قويً ومباشرًا على صدر قاتله البطل..

واصل الإسرائيليون انتشارهم، واحتجز أحمد عطيفى ، في صالة قطع التذاكر ،تحت الحائط كان هناك عربة إسرائيلية برمائية (طراز أمل 90)، تحاول اصطياده داخل الصالة بمدفعها النصف بوصة..

حاول هو أن يفك حصاره بأن يمزق بالرصاص قفل صالة العرض لكي يقفز خلال إلى الناحية الأخرى ، حاول لكنه لم ينجح..

رأى من زاويته ابراهيم سليمان متواريًا خلف كشك سجائر، لم يكن ثمة بديل سوى أن يطلب منه أن يستره بالرصاص حتى يخرج، فعلها واستجاب ابراهيم، لكنه بدلاً من استخدام رشاشه استخدم قذيفة الـ آر. بي. جي. الخامسة والأخيرة. استطاع أحمد أن يراه بوضوح. جلس ابراهيم علي مؤخرته وأطلق مقذوفه الرائع في اتجاه المدرعة، دوى انفجار هائل، فقد دمرت مدرعتين متتاليتين بقذيفتين متتاليتين أيضًا. وهكذا رآه كعادته في لحظات الفرح الطاغي، يقفز في الهواء ، ويرسم بجسده في الفراغ نصف دائرة (فقد كان لاعب جمباز) ثم يصفق بقدميه وهو يصرخ بصوت متوهج:

"يا أبا خليل يا جن.."!
كانت المصفحة الأخيرة التي أصابتها قذيفة ابراهيم إصابة مباشرة هي مصفحة (يوسي) قائد القوة الإسرائيلية المهاجمة نفسه. والذي أصيب إصابات بالغة ، بينما قتل طاقمه ، ولم يكن نصيب قائد قوة المظلات المقتحمة ، أحسن حالا ، فبعد أن قسّم قوته إلى جزئين، واحد إلى يمين الطريق والآخر على يساره ، أصيب بجراح خطيرة ، عندها "خرج مصريون من المنازل، رافعي الأيدي متظاهرين بالاستسلام لكنهم ألقوا قنابل يدوية ، عندما اقتربنا منهم"- حسب نص شهادته.


اعتقد الإسرائيليون أن ثلاث كتائب من الكوماندوز المصريين يتولون الدفاع عن مدخل المدينة ، لم يكن يدور بخلدهم أن تسعة فدائيين ، وعددًا من الجنود والمتطوعين، هم الذين يصلونهم بكل هذا الفيض الهائل من الرصاص ، ويفتحون عليهم أبواب الجحيم.

"أطلقوا علينا النار من كل نافذة ، ولم يكن هناك منزل لم يطلقوا منه النار.. وكان الجرحى ممددين على الطريق يستغيثون ، وسمعنا أيضا صرخات استغاثة من داخل الباصات المصابة ، والتي ألقى الجنود المصريون الذين تحصنوا داخل المنازل ، قنابل يدوية عليها دون أي جهد .. وتمدد الجرحى في وسط الطريق . وأخذوا يتلقون الرصاص تلو الآخر .وكانت أجهزة اللاسلكي تولول دون انقطاع نطلب مساعدة .. لم نعد نحتمل أكثر من ذلك "..

اضطروا إلى أن يطلبوا مساعدة المدفعية الإسرائيلية وعاد القصف الإسرائيلي، مركزا فوق رأس المدينة ، لعلها ترخي يدها عن صيدها الإسرائيلي المحاصر ..
كان تقدم الإسرائيليين قد توقف بعد أن دمرت مدرعتان تدميرًا كاملاً ، وأصيب ثلاث مدرعات أخرى ، وبعد أن جرح قائد كتيبة الدبابات وقائد كتيبة المظلات في وقت واحد تقريبا .

أما بقية الجنود فقد احتموا بالجدران ومداخل البيوت ، وتناثرت جثثهم فوق أرصفة الشوارع ، وكان الجرحى يصرخون لعل أحدا ينقذهم من حفرة النار التي وقعوا فيها .
عندما سرت فى المدينة شائعة تدمير الدبابات الإسرائيلية ، وكانت التفاصيل تنتقل في أنحاء المدينة أسرع من أصوات القذائف والانفجارات . بدا للبعض أن المدينة تنتصب على قدميها . وأن رأسها يرتفع حتى السحاب .وكان هواء الخريف المبلل بالدم في ذلك اليوم المضمخ بالنار والبارود ، يحمل في ثناياه ، ايقاع النشيد الوطني ، ويسري بها في أنحاء المدينة لترددها الأحجار والجدران في ثبات وقوة ..

هكذا عندما نفذت ذخيرة المجموعة الفدائية تماما لم يجدوا للمرة الثانية بديلا عن الذهاب إلى المستشفى العام لإحضار مزيد من القنابل والطلقات ، لم يجدوا هذه المرة من يسألهم أو يمنعهم عن " العودة" وجدوا جنودا كثيرين يسألون عن تفاصيل الموقف في الخارج . قالوا لكل من قابلهم بسرعة :

لقد ضربنا اليهود ،وما زالوا يلعقون جراحهم على الرصيف ، لكننا نحتاج إلى المساعدة .
أخذت المدينة تخرج من جوفها كل البنادق والرجال ، وبعد أن كان الفدائيون يعانون من قلة عددهم ، في مواجهة كتيبة مدرعات وكتيبة مظلات ، أصبحوا يعانون من كثرة أعداد من معهم .
أصبح الضرب مباشرا ، وعلى مرمى البصر ، وتداخلت أقواس النيران بشكل فريد
اكتشف المدافعون عن المدينة ، أن الشائعات التي سبقت القوة الإسرائيلية إليهم عارية تماما من الصحة . فقد قفز جنود الجيش الذي لا يقهر من مدرعاتهم واحتموا بالأحجار والحوائط . عندما دمرت لهم أول دبابة .

"دخلنا أحد المنازل .فتبين لنا أنها أسوأ مصيدة .. ألقيت علينا القنابل اليدوية من الطابق الثاني والثالث ومن المنازل المجاورة على الجانب الآخر من الشارع . أطلق القناصون نيرانهم صوب الأبواب فكان خروجنا منها مستحيلا .. ويقينا محجوزين في بعض المنازل حول المفترق "..

اختبأنا في صالون حلاقة في الطابق الأسفل من منزل مهجور . وبقينا محجوزين هناك ساعتين تقريبا .. حاولنا الخروج فأطلقوا علينا النار مرة أخرى .. انفجرت شاحنة محملة بالذخيرة كانت واقفة بالقرب منا ففرقتنا شدة الإنفجار .. سمعنا شخصا على سطح المنازل ، خرجت زاحفا ثم شاهدت جنديا مصريا يحاول إطلاق قنبلة يدوية علينا . فأطلقت عليه النار .. فجأة نسف صالون الحلاقة .. بأسره ، ولم أعرف سبب الانفجار ، ربما كان بسبب شاحنة الذخيرة أو بسبب صاروخ أو قذيفة مدفع ".. أصيب محمود عواد بطلقة في يده من عوزي إسرائيلي ، نقل إلى المستشفى قال له الطبيب : لابد وأن تبقى كي تُعالَج.

قال محمود : لا بسيطة أربطها وأعود.. في طريق عودته قابل بالمصادفة العقيد فتحي قائد المخابرات العسكرية في السويس، وقائد المجموعة المقاتلة .. لم يكن قد رآه منذ يومين، قال العقيد فتحي أنه يتمركز في منطقة كذا.. وعليهم أن يتصلوا به هناك أولاً بأول..

هبط محمود عواد بذراع واحد يصلح للقتال وكانت الطلقات تُزمجر في كل مكان من ساحة المعركة المتصلة. كانت المواجهة تتم داخل عمق واسع وعلى حدود تشبه نصف دائرة كبيرة، وكان بمقدور كل الذين يطلون على المشهد. من أي زاوية أو مدخل أن يروا ضابطًا برتبة نقيب وخمسة جنود يتنقلون بين كل نقطة على محيط نصف الدائرة بسرعة هائلة استخدموا كل شيء لضرب الإسرائيليين: نيران الأسلحة الصغيرة ، قنابل يدوية، صواريخ ، حتى السلاح الأبيض.. التحموا معهم أكثر من مرة .. طهروا مداخل بعض البيوت ، وتسلقوا الأسطح والحوائط بسرعة وخفة ، تنقلوا بسرعة الطلقات نفسها من مدخل إلى آخر . حتى تصور الذين تابعوهم أنهم يحملون أجنحة على ظهورهم، ثم توزع دمهم بالقسطاط عند مداخل المدينة ..

وفي قلبها وقرب قسم الأربعين سقط قائد المجموعة النقيب البطل سعيد حسنين من استطلاع الجيش الثالث الميداني ، شهيدًا وهو يصد بلحم صدره جنازير الدبابات الإسرائيلية عن بيوت السويس .

حين سألت عنه عرفت أنه من أبناء المدينة وحين سألت عن عنوانه تلقيت إجابة غامضة سجلتها كما هي :
"كان يسكن فوق زكي الحلواني"..

اقتحام قسم الأربعين

كان مركز المعركة قد أصبح حول قسم الأربعين ، وكانت الطرقات المحيطة بالمنطقة قد أصبحت مكتظة ببقايا كل شيء : أشلاء جود المدرعات والمظلات الإسرائيليين ، صناديق طلقات ، خوذات فارغة ، شذايا قنابل ، وفوارغ طلقات..
كان القتال حول قسم الأربعين ملحميًا مستميتًا ، أطلقت النيران من مسافة سنتيمترات واستخدمت حتى أكعاب البنادق، وأحجار البنايات .

بدأ المساء يهبط مقتربًا من بعيد كان مساء غريب اللون والصوت والرائحة..
مزيج من روائح البارود واللحم والحديد المحترق وظلال مشبعة بحمرة داكنة وأصوات جرحى تختلط بانفجارات ، ورصاص ، وصرخات شجاعة، وأنين يأس .
يقع مبنى قسم الأربعين عند مفترق الطرق ، وعلى ناصية خطي السكة الحديد، والمبنى مستطيل الشكل، يتكون من فناء واسع يطل عليه طابقان، ويمثل مكانًا جيدًا للدفاع حيث يحيط بسوره الذي يرتفع عدة أمتار ، مساحة فراغ تفصله عن أي مبنى آخر ..

كان بعض الإسرائيليين قد لجأوا إلى التحصن داخل القسم: "في تلك اللحظة بينما كان إطلاق النار في ذروته، توقفنا بالقرب من مبنى بدا وكأنه محصن ، وقررنا القفز إلى داخل ساحة المبنى لكي نحاول تحديد مصدر النيران، وازداد إطلاق النار ، بدأنا الانقضاض وإذ بالذخيرة تنفذ، وبقى المريون في الطابق الثاني من المنزل ، واستولينا نحن على الطابق الأول ، ثم دخلت مفرزة أخرى لمواصلة المهمة. لكن المصريين لم ييأسوا فحاولوا تنظيم هجوم مضاد لاحتلال مبنى الشرطة من جديد"..
أحس الإسرائيليون داخل القسم بالحصار الخانق من حولهم فأخرجوا أحد جنود الشرطة من فتحة سور القسم ليتفاهم مع المقاتلين ، حمل الجندي إلى المقاتلين رسالة محددة:
الإسرائيليون داخل القسم يعلنون استعدادهم للاستسلام وتسليم أنفسهم شرط أن يضمنوا لهم حياتهم، وأن يعود جندي الشرطة إليهم ليخرجوا معه..

قرر المقاتلون أن يتصلوا بقيادتهم .. أخذ محمود عواد جندي الشرطة وركض إلى العقيد فتحي قائد المخابرات العسكرية بالمدينة وأخبروه بالقصة فقال له: وافقوا شرط أن يلقوا أسلحتهم ويرفعوا منديلاً أبيض ويخرجوا ..

بحثوا عن جندي الشرطة ليدفعوه مرة أخرى إلى داخل القسم كي يعلمهم بقبول استسلامهم لكنه ذاب وسط ضجيج المعركة.. لم يكن ثمة بديل عن اقتحام القسم..
قال ابراهيم سليمان سوف أقفز في الهواء لأعلى ثم أسقط داخل القسم .. كان رياضيًا ولاعب جمباز ويستطيع أن يرتفع هذه المسافة ، طلب منهم أن يحموه بالطلاقات استدار والتوى حول نفسه ، وارتفع في الهواء أعلى من سور القسم بالفعل عند أقصى نقطة لارتفاعه قابلته دفعة رصاصات من رشاش إسرائيلي، هبط المسافة الباقية في الفراغ بقوة الجاذبية الأرضية ، وسقط على قمة سور القسم هامدًا.
لم يكن من الممكن استعادة جسده ، فترك كالعلم فوق السور حتى اليوم التالي ، قرروا محاولة اقتحام القسم رغم ذلك قال أشرف :
سأقتحم القسم من الأمام بينما يقتحمه فايز من الباب الخلفي الخاص بالسجل المدني ، وعلى أن يكون دور بقية المجموعة سترهم بالنيران.

نجح أشرف في اقتحام القسم من الأمام ، ونجح فايز في اقتحامه من الخلف في لحظتين متتاليتين، ولكنهما استشهدوا على درجات السلم الداخلية.
هكذا استشهد ثلاثة فدائيين داخل القسم: ابراهيم سليمان فوق سوره، وأشرف عبد الدايم، وفايز أمين فوق درجاته الداخلية .

روى الإسرائيليون المحتجزون داخل القسم ما حدث بعد ذلك:
"تطايرت علينا أجزاء من الجدران واستطاع جندي مصري التسلل إلى داخل المبنى وإلقاء قنبلة فرآه داني عودى وأطلق عليه النار من مدى قريب فأصابه"..
"دحرج جندي مصري قنبلة يدوية على السلالم الداخلية طلب الجنود من قيادتهم المساعدة طالبوا بإخلائهم بسرعة ، تصاعدت من على الطريق صرخات الجرحى الإسرائيليين ، أماه.. أريد أن أعيش.. أماه.. ضاعت الصرخات وسط أزيز الرصاص ، وصوت الانفجارات ، بحثنا عن منفذ في قسم الشرطة للتخلص من الحصار.. حاول المصريون احتلال المبنى مرة أخرى ، ثم بدأت معركة قنص.." دخلت إلى منطقة الأربعين بعض المدرعات الإسرائيلية بهدف التقاط الجرحى، وتأمين انسحاب بقية الإسرائيليين المحاصرين، واجه أحمد أبو هاشم واحدة من هذه المدرعات لم يكن يملك قذيفة آر. بي. جي. فاستخدم رشاشة تمكنت الدبابة منه ، وأصابته. كانت إصابته شديدة وبدا أنه يحتضر دون أن يغمض عينيه أو يترك رشاشه..

كانت الأصوات والأشياء ما تزال متداخلة ، والطلقات ما تزال تدوي في أنحاء المدين كلها ، والانفجارات تتوالى . ورغم ذلك كنت تستطيع عندما تنصت بعمق أن تحس بالصمت .. صمت غريب وعميق ، ومدو.. كان لابد من إبادة بقية القوات الإسرائيلية ، والقتال ما يزال متواصلا داخل البيوت ، وتحت الجدران ، والمدرعات ما تزال واقفة على الطريق بعد أن هجرها جنودها وفروا .. بحث محمود عواد ومحمد طه عن (بنزين) وأخيرًا أحضروه.. قررت المجموعة أ ن تضع خاتمة فاجعة وموجعة للمعركة .. كومت كرات مشتعلة من اللهب ، ومّرت بنظام وهدوء على المدرعات الإسرائيلية كات مواتيرها ما تزال دائرة ن صعدوا إليها واحدة واحدة. وألقوا بقنبلة لهب مشتعلة في جوف كل واحدة. توالت سلسلة من الانفجارات ، وتحول الليل الدامي من جديد إلى نهار متقد..

• الشهداء يعودون

" في الظلام شاهدنا اللهب يتصاعد من المصفحات الإسرائيلية ، وفجأة سمعنا انفجارًا شديدًا لخزانات الوقود، وانطلقت صرخة قوية لجندي داخل المصفحة التي تلتهمها النيران واستطاع القفز في اللحظة الأخيرة من المصفحة المشتعلة .. وكان المصريون يطلقون النار من فوق سطوح المنازل المجاورة ".
في أسفل - كما تضيف شهادة الإسرائيليين " اشتعلت المصفحات وانفجرت الذخيرة التي كانت داخلها ، وركض إيلي شفارتس قائد الفصيلة على الطريق وهو جريح"..
بقيت القوى الإسرائيلية محاصرة داخل مبنى قسم الأربعين وانضمت إليها شراذم من القوات التي أنهكها القتال والخوف ، تحت أنقاض البيوت المجاورة ، ولم يتوقف رغم ذلك إطلاق النيران .

تمكن الفدائيون في وقت متأخر من اقتحام قسم الأربعين ، لكنهم لم يجدوا شيئًا واستطاعوا أن يلمحوا على الأرض آثار أسهم فوسفورية مرسومة فعكسوا اتجاهها حتى لا يُعاد استخدامها وتتبعوها حتى انتهت عند مركز "بيوت الشباب" خارج حي الأربعين.
تبين بعد ذلك أن القوة الإسرائيلية المحاصرة داخل القسم قد تم توجيهها باللاسلكي لاتخاذ طريق تخرج منه :

"كان من الواضح أنه إذا لم يتم إنقاذ القوة من داخل المدينة خلال ساعات الليل، فسيتقرر مصيرها ، أمر الجنرال جوبين قائد السرية المحاصرة "دوديك" بالصعود إلى سطح القسم ليصف باللاسلكي ما تشهده عيناه ، وفي غرفة العمليات - الإسرائيلية- وبعد ساعات من متابعة أوصاف دوديك لما يحيط به فوق صور جوية حديثة للمدينة ، ثم توجيههم باللاسلكي للهروب .. وفي الساعة الثانية ليلاً انطلقوا في الطريق".
أخذوا يجرون أجسادهم عبر الطريق الرئيسي حتى الخروج من المدينة مسافة أربعة كيلو مترات ، وكان من المستحيل السير على الطريق الرئيسي فقد كان مليئًا بالقوات المصرية .

"بدأنا السير ومررنا بالقرب من القوات المصرية ، سرنا بهدوء ، وطأنا على صفائح وقطع من الحديد وحدثت ضجة هائلة ، وأخذنا نرتجف من الخوف" ..
وعندما كان الفدائيون يجمعون شهداءهم من مدخل المدينة ، من فوق سلالم قسم الأربعين ، كانت أضواء الفجر البعيد تهبط هادئة على صدر المدينة كأنها عالم جديد..
كان كل شيء في المدينة يبدو منتصبًا على قدميه ، محلّقا بجناحيه ، وكانت وجوه الشهداء مغسولة بندى الفجر وأضواء النهار الجديد..

جمعوا الشهداء وأسندوهم على أكتافهم كأمهات يحملن أطفالهن إلى نزهة فوق الجبل البعيد..
كانت الطلقات مازالت تنهمر من كل جانب ، وأصوات الانفجارات تمزق السكون
مر ركب الشهداء .. كانت أضواء الفجر تتساقط لامعة كفوارغ الطلقات .. وكان الرصاص ينهمر كالمطر فوق الرؤوس .. تحية للرجال!



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :