عمى استراتيجي     


بقلم : أحمد عز الدين

فركت عيني دهشة وأنا أراقب مقدم برنامج "صباح الخير يمصر"يستدير ليسال واحدة من المتابعات لجولة كلينتون الأفريقية في صالة الأخبار فقد قيمت الجولة "بأنها توجه محمود في السياسة الأمريكية"وحين تحولت في اللحظة التالية إلى جريدة "الأهرام"صفعني عنوان مقالة تلخص جولة عمرو موسى التي استبقت الجولة الأمريكية في كلمتين:"دبلوماسيه العولمة"وإذا كانت هذه الرؤية الغالبة في الإعلام المصري لدلالة الجولتين استراتيجيا فإنها لا تنم –فقط-عن ضيق في زاوية الرؤية،أو ضمور في أعماقها ،أو تسطح في أبعادها ولكنها تفصح عن غفلة تكاد تبلغ حد العمى الاستراتيجي وهو ما يصدق عليه وصفا شعريا لأبى الطيب :( أعمى يقود بصيرا ..قد ضل من كانت العميان تهديه).
إن أول انطباع يخرج من باطن هذه الرؤية الغافلة أن جولة وزير الخارجية المصرية, وجولة الرئيس الأمريكي قد تحركتا فوق قاعدة واحدة وأن بينهما أواصر صلة فكلتاهما تمت باسم العولمة وتحت رايتها لتعبد نفس الدرب وتمهد نفس الجسور وهو انطباع خاطئ بالضرورة أما الانطباع الثالث فإن كلتا الجولتين أرادت أن تقطف نفس الثمار المشتركة من الحديقة الوارفة وهو بدوره انطباع خاطئ بالضرورة أيضا:
1. من علامات قصور الرؤية ألا تتجاوز أبصارنا حدود تلك القشرة الخارجية التي طليت بها جولة كلينتون في إفريقيا وهى قشرة سميكة تتداخل فيها ألوان مختلفة من القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية بدءا من اعتذارية تاريخية عن شراكة في الرق وانتهاء بالضغط على مفردات الديموقراطية والمصالحة وحقوق الإنسان مرورا بصور دعائية بعضها لكلينتون وبين ذراعيه وليد أفريقي أعطوه اسمه وبعضها له بين بعض الناجحين من مذابح التوتسي والهوتو وبعضها لوجوه أمريكية سوداء وضعت في مقدمة ركبة الرئاسي الأخير. لقد كتب "نيكسون"في كتابه الأخير "ما بعد السلام"يزكى في أعقاب حرب الخليج اعتماد ذلك الأسلوب الناجح الذي يعمد إلى تطعيم التدخل الأمريكي الخارجي (بما في ذلك استخدام القوة المسلحة)بالقيم الأخلاقية والإنسانية النبيلة كما يتم تغليف حبوب الدواء بطبقة من السكر وتماما كما يتم تطعيم محاولة التدخل الرزيل في الشئون الداخلية المصرية بقشرة إنسانية من حقوق الأقباط المصريين ولهذا دون أن نفصل طبقة السكر عما تحتها من أهداف التدخل الأمريكي الخارجي بشكل عام وجولة كلينتون بشكل خاص فلن يبقى في أفواهنا غير حلاوة الغلاف الإنساني الكاذب.
2. ومن علامات قصور الرؤية أن تظل عيوننا مغلقة بهالة من المناخ المباشر المحيط بشخص كلينتون فننظر إلى جولته كغيرنا من نافذة غرفة نومه فنتصوره هاربا من سرير الفضيحة الضيق إلى غابات أفريقيا الواسعة متجاهلين أن السيدة زوجته قد عبدت منذ عام نفس المحطات الإفريقية تقريبا وأن السيدة أولبرايت قد عبدت قبل أشهر نفس المسالك وان السيد كوهين قد انفق السنوات الثلاثة الماضية يتحرك في أحراشها ويدق أوتاد خيمته في أنحائها كأنه طليعة نشطة لأحدى فرق الكشافة وأن الكونجرس أعطى الجولة ومقابلها وما بعدها بعدا استراتيجيا جديدا بالغ الوضوح والدلالة.
3. ومن علامات قصور الرؤية أن ننظر من زاوية واحدة إلى جميع المحطات الأفريقية التي سارت فوقها خطوات الجولة بدءا من الساعات الثلاث التي اعتصم خلالها كلينتون بطائرته في مطار كانومبى في كيجالى برواندا عبورا باختياره الاجتماع مع روالينجزا في غانا بقلعة أوسوا التي كانت مقر للسلطة الاستعمارية البريطانية ومرورا بالقمة السباعية التي أريد لها أن تمثل منطقه البحيرات العظمى في كمبالا ثم انتهاء بتوقفه قرب كيب تاون عندما أصر حراسه على قطع أعناق الأشجار المحيطة بفندق مونت نيلسون أن ثمة معنى يوجد مابين رواندا و غانا وأوغندا وإثيوبيا والكونغو وكينيا ولكن المعنى جد مختلف في جنوب إفريقيا بدليل أن أول ترحيب بطائرة كلينتون في الجو صاغه كابومبيكى –الذي سيتسلم السلطة من مانديلا –بتشككه في سلامة الصيغة التي أطلقها الأمريكيون لاختزالهم سياستهم في إفريقيا إلى تجارة وليست مساعدة.
4. ومن علامات قصور الرؤية ألان توقف طويلا وعميقا أمام قمة السبعة التي كادت تكون قمة خاصة بالبحيرات العظمى وهى في النهاية غاية الجولة وقبلتها المقصودة وألا نشكك بدورنا –على الأقل- في سلامة الصيغة الأمريكية لأن منطقه البحيرات تشكل –أولا-عمق المسرح الاستراتيجي الجنوبي لمصر،ولأن الدولتين من منابع النيل –ثانيا- قد أضيف حضورهما إلى القمة دون أن يكون على مسار الجولة وهما إثيوبيا والكنغو الأمر الذي يعطى قناعة بمحاولة إيجاد إجماع استراتيجي (أو قل خنق استراتيجي) ولأنه لم يبق خارج السور -ثالثا- غير مصر والسودان وإذا كان ثمة تبرير لتغييب السودان فأي تبرير لاستبعاد مصر من الجولة (لا القمة) مع أنها المصب النهائي للمنابع ثم أنها من قبل ومن بعد العاصمة الإستراتيجية للقارة قبل الإقليم.
5. ومن علامات قصور الرؤية أن نتوقف عند غلاف السكر في قمة البحيرات أو عند إصدار وثيقة مشتركة بالخصخصة أو الديموقراطية وحقوق الإنسان لأن نظرة واحدة إلى الخلف يمكن أن تؤكدانها وثيقة طلاق لأزواج هدفها ضبط التفاعلات وماداتها فتح الباب لمزيد من التوتر والانقسام أليس بمقدورنا أن نتساءل :أنحن بصدد مشروع للنهوض الأفريقي أم بصدد مشروع للفوضى الأفريقية؟ وهل ما يتم هو إخماد للصراعات العرقية أم مزيد من دعم البنية الصراعية في إفريقيا خاصة أن إيقاظ هذه البنية في منطقه حوض النيل وعلى الخصوص في قطاعها الأفقي ومحورها الأوسط أشد وأوضح من سواها طالما بمقدورنا أن نلاحظ أن التحولات في إثيوبيا والصومال واريتريا ثم الكونغو مؤخرا تمت كلها بقوى دفع قبلية خالصة وكأنها صراعات ما قبل الدولة القومية فقد حولت الدولة إلى أداة للانقسام ثم الاحتكار بعد أن كانت أداة للتحرر والوحدة الوطنية . من المؤكد أن دفع ظواهر الخصخصة الاقتصادية مؤخرا في إفريقيا قد أدى إلى اتساع ظواهر الخصخصة الاجتماعية ثم السياسية والثقافية فصعدت موجات عالية من الصدام القبلي والعرقي في أحشاء الدولة الواحدة وعلى حدودها وفى أحشاء جارتها المتاخمة ومن المؤكد –أيضا- أن نمط الاستغلال الجديد سيعيد تقسيم الحدود والنفوذ وفقا لحاجاته متقاطعا مع مصالح الدولة القومية وشبكة التعاون الإقليمي في وقت واحد
6. علينا أن نفهم أن العاصفة في عمق مسرحنا الاستراتيجي الجنوبي قادمة لا ريب فيها ,وعلينا أن نقرر ما إذا كان من الأفضل لنا أن نخرج للقائها في منتصف الطريق!



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :