بابا المصريين ... واليسار الكندي     

بقلم : أحمد عز الدين

قبل أكثر من خمسة عشر عاما وسع لي البابا شنودة ساعتين من وقته الثمين، لإجراء حوار مطول غير أنني في الحقيقة دخلت إلى مكتبه وأنا أحمل في عقلي طبقات متراكمة من التقدير والإكبار له موقعا وموقفا ثم صافحته على باب المقر البابوي في نهاية اللقاء وقد أشتعل في داخلي وهج وجداني أليف ،ظل محتفظا يدفئه طوال هذه السنوات.
كان هذا الحوار الأول معه، وكنت اشعر خلاله أنني أواجه قمة سامقة للكنيسة القبطية المصرية لا تعكس فقط روحها التاريخية الدافقة، ولا وجدانها الحي الذي يثبت وطنيه وإنما تعكس فوق ذلك نبضا عقليا يقظا ومتفتحا على متغيرات الدنيا الواسعة من حوله بينما يرتكز على قاعدة راسخة من الخصوصية المصرية.
قبل أن اضغط على جهاز التسجيل ...كانت كلمات البابا شنودة قد أخذتني إلى سماوات بعيدة ...من الذكريات الشخصية والإبداع الشعري وحكمة التاريخ... وكنت منبتها بالقدر الذي أكدت فيه لنفسي انه من الصعب للغاية أن تجد داخل وعاء هذه الروح المتدفقة قطرة واحدة لم تنحدر من مياه النيل ولا نبضه واحدة لا تدرك بعمق ونفاذ أن قدر المصريين هو توحدهم كضفتي نيلهم حول مجراه وإلا تبددوا وتبدد معهم في رمال صحارى التيه التي تحيط بهم من كل صوب.
عندما ضغطت على جهاز التسجيل بعد ذلك... خصني البابا بمقولة ذهبت قانونا للكنيسة المصرية "لن ندخل القدس إلا بين العرب جميعا ".....ثم اكتشفت بعد أن دار نصف شريط التسجيل أن عارضا ما أدى إلى أن ثلاثة أرباع الحوار لم تسجل ....وغصت داخلي في لحظة أسى....ولكن البابا شنودة أسعفني ضاحكا بحل لم أتوقعه أو أنتظره..... فقد قال لي لا تأسى ....سوف تجد شريط تسجيل كاملا للحوار... في انتظارك بعد أن تفرغ منه ...وتصورت انه يخفف عنى وقع الصدمة.....ولكنني وجدت الشريط عند العتبات أكثر صفاء ونقاء مما لو كان جهازي الفاشل قد قام بوظيفته.
وعلى امتداد هذه السنوات كلما كانت قناعتي تزداد رسوخا بأن الحملة الخارجية على مصر، تتسع وهى تعمد إلى أن تتخذ من الطائفية المصطنعة ، رأس رمح لتمزيق عرى التوحد التاريخي للمصريين، كلما ترسخت رؤيتي لسلامة موقف بابا المصريين ، في مواجهة هذه الحملة المفترسة بل قدرت حقا أن موقف البابا شنودة كان هو الأكثر صوابا برفضه أن يستقبل لجان تفتيش أجنبيه أو أن يعزز ذلك السعي المغلوط للحصول على شهادات أجنبيه بحسن سير وسلوك المصريين في المسألة الطائفية وقدرت أنه يدرك بعمق أن من يعطى شهادة حسن سير وسلوك طائفي معتمدة وذات مصداقية اليوم يمكنه أن يعطى شهادة معتمدة وذات مصداقية أيضا إذا كانت تتضمن سوء سير وسلوك طائفي غداً.
من أجل هذا كله استعصى على بأمانه وصدق، أن اركن إلى التعامل مع ما نشر حول مفاوضات البابا مع بعض ممثلي أجهزة الدولة ..لإصدار بيان من الكنيسة بخلو مصر من فتنه طائفيه، على انه يمثل الحقيقة الموضوعية وقد قلت لنفسي ومازلت أقول، إن هذا السيناريو المنشور بمفرداته وصوره ومقاطعة لا يمكن أن يكون متطابقا مع الحقيقة لأنه –أيضا-لا يمكن أن يكون بنسقه وترتيبه ومفرداته متسقا مع تلك الصورة التي احتفظ بها البابا شنودة في عقلي ووجداني والتي لا أشك أن عشرات الملايين من المصريين المسلمين يشاركونني في الاحتفاظ بها ندية بين جوانحهم.
لماذا؟لأن الصور تبدو متناقضة والمفردات متعارضة والمعاني مختلفة.
إن الخبر يصف المفاوضات المذكورة بأنها"مطولة"و"ومكثفه"وصعبه"ويصف المناقشات خلالها بأنها كانت عنيفة ثم يصف موقف البابا بالرفض عدة مرات ويضيف بالحرف الواحد"رغم علم البابا بتفاصيل ما حدث في الكشح وانهه لم تكن هناك أحداث طائفية ولا اضطهاد للأقباط فقد رفض إصدار البيان وقد كان المطلوب.-حسب الخبر-أيضا- بيانا يؤكد بالضبط ، يقول الخبر أن البابا يعلمه عن يقين أي أن يخلع عما حدث وصف الطائفية أو الاضطهاد الديني، فما هو الربط بين بيان ينفى صفه الطائفية
وتحتاجه مصر في وقت عصيب ومأزوم، ردا على حملة مسعورة تصوب مدفعيتها الثقيلة نحو قلوب المصريين جميعا، وبين تجاوز أمنى يقول الخبر-أيضا-إن شمول مواطنين مصريين أغلبهم من الأقباط ، وبعضهم من المسلمين وهل يمكن أن يخضع البيان في هذا السياق ، لمساومة على هذه الشاكلة التي لا أريد أن اكرر تفاصيلها المنشورة والمشهرة.
لقد سمحت لنفسي بواقع ما لدى من فهم ومعرفه ، وبواقع الخبر صياغة ومفردات ومعاني...أن أطعن في متن الرواية صحة ودقة خاصة أن الخبر قد أحاط نفسه في حيز النشر من حوله، بمحاولات مستفيضة للدفاع على الجانب الآخر عن وجوه مصريه في كندا كنت اعلم عن يقين أنها شاركت في تعبئة المدفعية الأجنبية.
التي وجهت نيرانها إلى وحدة الصف الوطني المصري ، بل أنها لم تعمد –فقط- إلى إصدار بيانات مغلوطة عن الاضطهاد الديني في مصر وعن الفتنه الطائفية، بل وسعت إلى إخراج مسرحي يقدم مادة خام لمن أراد أن يطعن وان يتجنى... فقد جمعت صفوفا من المتظاهرين ووضعت حول أعناقهم لافتات مثيرة عن الذبح والتنكيل وأوقفتهم أمام عدسات التليفزيون العالمية، وعلى خلفية من مجلس العموم الكندي والسفارة المصرية لكي تقدم صورا ناطقه وبالألوان ، لمصر التي أصبحت ارض فتنه دينيه واضطهاد .
ولست أعرف بأي معنى ، ولأي سبب يتم تحويل بعض وجوه هؤلاء الذين –أيا كانت طبيعة نواياهم –قد ساهموا في تعبئة المدفعية الأجنبية بذخيرة حية,إلى أبطال وطنيين، يناضلون من أجل حقوق الإنسان المصري، على جبهة كندا.
ثم إنني لست أعرف بأي معنى ودلاله تتحول كندا نفسها إلى مزار جديد لأقلام البعض ....وعقول البعض، وعيون البعض الآخر ، قل لي بربك كم مرة يمكن أن تجد اسم دولة اسمها كندا في صحيفة مصرية؟إذا استخدمت الإحصاء فعلا يمكنك أن تجد اسم كندا في الأهرام –مثلا- مرة أو مرتين في الأسبوع...أما إذا دققت في صحف المعارضة ، فمن المؤكد انك لن تجد اسم دولة كندا أكثر من مرة واحدة في الشهر فإذا خرجت صحيفة في سباق يتناول حادث الكشح ، وأوردت اسم دولة كندا اثنتي عشرة مرة في عدد واحد ، فلا بد أن الأمر يستحق التوقف، لماذا كندا اثنتا عشرة مرة في قضية مصرية خالصة، خاصة إذا كنت تعرف أن أربعة أخماس الصحف التي تصدر في كندا مملوكة لأصحاب "الديلى تلجراف"وإذا كان أكثر من 40% من تمويل"النشطاء"في الجمعيات الأهلية خاصة، حقوق الإنسان"تنحدر من مصادر لا تختفي تحت قبعة كندية لقد وصل عدد جمعيات حقوق الإنسان في مصر إلى 52 جمعية وهو رقم يعطى أكثر من دلالة ..كان أهمها وأخطرها ما لخصه عقل وطني مؤسس في أنشطة حقوق الإنسان هو الأستاذ محمد فايق في كلمتين :"النمو العشوائي "و"المخاطر تأتى من الخارج"!
إن لدينا على هذا النحو ظاهرة سياسيه جديدة اسمها "اليسار الكندي "وكندا هنا ليست موقعا جغرافيا ولكنها موقعة تاريخية لتحولات بعض وجوه اليسار في مصر ولذلك فان ظاهرة "اليسار الكندي" تستحق أن توضع في قترة قادمة على طاولة التشريح!


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :