التفسير الكروي لمصر     


التفسير الكروي لمصر

كان بمقدوري –كغيري من المواطنين –أن أتابع بالصورة تفاصيل الحياة اليومية لفريق كرة القدم المصري في بطولة أفريقيا ,وان ارقب كل صباح عشرات التحقيقات والتحليلات التي تتزاحم في مساحات واسعة من الصحف المصرية..بينما لم يكن بمقدوري أن احصل على بعض صور مكبرة,أو كلمات شافية عن جولة السيد عمرو موسى المكوكية في وسط وغرب إفريقيا ,فقد كادت وسائل الأعلام أن تخلو سوى من بضعة سطور قليلة عنها تشبه تقارير شركات الطيران عن خطوط رحلاتها ولا أدرى إذا كان مرد ذلك إلى أن الأعلام المصري قد جبل على تحديد درجة أهمية الفعل السياسي بدرجة أهمية سلالم الجغرافيا التي يصعدها ,حيث لا يحتل الاهتمام بأفريقيا في الأعلام المصري عموما غير هامش ضيق(لا يمثل أكثر من 1%من الاهتمام بأمريكا وأوروبا) أم أن مرده فقر في الرؤية الإستراتيجية التي كان يمكن أن تتبدى فوق خرائطها الأهمية الاستثنائية لجولة وزير الخارجية.
لقد اقترحت على نفسي كمدا وحسرة أن اكتب إلى عمرو موسى راجيا أن يصحب معه في جولاته المماثلة التالية فريق كرة القدم المصري أو بعض لاعبيه البارزين فربما يحفز ذلك وسائل الإعلام لان تنقل صورة يومية أكثر عمقا وحياة لجهود مدرسه الدبلوماسية المصرية وهى تعيد تعبيد احد أهم جسور مصر الإستراتيجية بحكمة وتبصر لذلك حمدت للأستاذ محفوظ الانصارى انفراده بنشر صفحة كاملة مشبعة بالعواطف والعواصف في جريدة الجمهورية عن كتيبه الخارجية المصرية ومحطاتها الإفريقية السبع ،لكنني لم احمد لمقاله ذلك التداخل الذي أورده بين مهمة فريق الخارجية ومهمة فريق الكرة فقد رأى الأستاذ محفوظ الانصارى أن "قذائف حسام حسن هي جسر العبور الإفريقي" وان"نيران حسام الصاروخية استطاعت أن تفتح الثغرة وتمهد الأرض وتقيم الجسور بل لقد اجتهد في الربط بين المهتمين باستخدام الرقم 7 منبها إلى انه قاسم مشترك بينهما" فجولة كتيبه الخارجية المصرية شملت 7دول وقدم اللاعب المصري أحرزت 7أهداف .وقد كان بمقدوره أن يضيف أمرا آخر يعمق من هذا الاجتهاد إذا كان قد لاحظ-كما لاحظت-أن "فريق"الخارجية المصرية قد وجد عند وصوله إلى مطار غينيا أن 11 وزيرا غينيا قد اصطفوا في استقباله فربما اختارت غينيا عددا من الوزراء يماثل عدد لاعبي فريق كرة القدم بما ينطوي عليه ذلك من دلالة عميقة .
أن الأستاذ محفوظ الانصارى يعرف انه قريب من وجداني،ولكنني لم استطع بصراحة أن ازدرد هذا الربط الشكلي بين المهتمين ولست أرى بأيه صورة من الصور إمكانية قيام تقسيم وظيفي كالذي أورده بين فريق الخارجية وفريق الكرة يلعب بموجبه الفريق الثاني دور المدفعية الثقيلة في التمهيد النيران قبل أن يتقدم مشاة الفريق الأول لاحتلال المواقع التي غمرتها النيران وإلا كيف نفسر أم مشاة الإستراتيجية الإسرائيلية فتحو في عمق إفريقيا –خاصة في حوض النيل –عددا من رؤوس الجسور دون أن يستبقهم أي تمهيد نيراني بأقدام لاعبي الكرة الإسرائيليين وكيف نفسر أن مشاة الإستراتيجية الأمريكية يتهيئون بقيادة كلينتون نفسه وبعد عشرين عاما من الانقطاع ،للذهاب إلى جولة افريقية تضم 6 محطات منتقاة (رواندا-بتسوانا- غانا-السنغال-جنوب إفريقيا-أوغندا)دون أن يسبقهم أي قصف كروي خاصة وان مجلس النواب الأمريكي الذي اصدر مشروع قرار غامض .
بأن تندفع أمريكا إلى "النمو الاقتصادي في منطقه جنوب الصحراء" لا علاقة له بالنشاط الكروي حول العالم ثم كيف نفسر أن جولتين سابقتين في شرق وجنوب أفريقيا لوزير الخارجية المصرية (ابريل وأغسطس1997 ) قد أصابتا نجاحا ملموسا عندما كان حال الفريق كرة القدم المصري يستنزل من الجمهور ضحكات كأنها البكاء أن همي في هذه العجالة أن أرد عن جولة عمرو موسى بعض مفاهيم خاطئة تتسلل في ثنايا بعض الكتابات:
أولا :أن دور مصر في إفريقيا لا تحيطه أشباح شبهات في التاريخ ,ولذلك فلسنا مضطرين لان تقدم دفاعا أنيا بأننا لا نذهب فاتحين أو غزاة فمصر لم تذهب إلى إفريقيا التي تنتمي إليها ,غازية في يوم من الأيام ,أننا لم نشارك في تجارة العبيد ,ولم ندخل في ثياب المستعمر,ولم نحول أنفسنا يوما إلى مخلب إقليمي لقوة كبرى ,ولم نشعل حرائق الأثينية أو القبلية هناك,بل عندما تمددت مصر جنوبا بعد أن طرد فيضها من الشمال والغرب مع محمد على استقبلتها قبائل تؤمن بأنها تناسلت من نخيل مصر وان شريان النيل المشترك لم يكن غير تعبير عن شريان الدم الواحد ..ولم يعرض بالوجود المصري في عمق إفريقيا ,سوى المستعمرين أنفسهم وأدواتهم عبر مسالك التجارة الدولية.
ثانيا :أن لدى مصر ركائز ثابتة في إفريقيا تم بناءها بدم وجهد مصري وافر وخالص ..فلقد ظلت القاهرة طيلة أحقاب طويلة تمثل العاصمة الإستراتيجية لهذه القارة البكر وحتى قبل ثورة 23يوليو1952فقد كان صدى الحركة الوطنية المصرية وهى تنازل الاستعمار الفرنسي ثم البريطاني ,,واسعا وعميقا في عموم القارة,ثم كان صدى الثورة المصرية بعد ذلك أوسع وأعمق وهى تتصدى لقطعان الظاهرة الاستعمارية وتضع في مصابيح حركات التحرر الوطني الأفريقية كل ما في جعبتها من وقود وإذا كانت المواقع الحاكمة في الجغرافيا يمكن أن تتآكل فإنها لا يمكن أن تتبدل.
ثالثا: إننا لا نذهب اليوم إلى القارة الأفريقية باسم العولمة لان الشركات المتعددة الجنسية في هذا الإطار أكثر قوة وتأثيرا ولكننا نذهب إلى القارة الأفريقية باسم الخصوصية إننا ذاهبون لنقاوم تأثيرات العولمة علينا وعليهم..ذاهبون باسم الجنوب الذي أصبح يعرف غربيا تعريفا غير جغرافي بأنه ما ليس شمالا ,أي ما ليس غربا وإذا قدمنا أنفسنا باسم العولمة الباسم الخصوصية فسوف نقدم أنفسنا كسمسار عارض في مزاد دولي أما إذا ذهبنا باسم الخصوصية فأننا نتقدم كطرف أصيل يريد أن يعجن خبز رغيف واحد في وعاء أفريقي مشترك.
رابعا:إننا لا نذهب إلى إفريقيا الآن متأخرين عن موعدنا لأننا تأخرنا في بلورة إستراتيجيتنا جنوبا ,ولكننا تأخرنا في تنفيذها ,فقد تراجعنا أحيانا ,وخلطنا بين الأولويات في أحيان أخرى,ونحن لا نذهب تحت ضغط الاقتصاد وحده,مع أن فاكهة المصالح المشتركة في الحديقة الأفريقية ينبغي أن تحظى بأولوية كبيرة ,فلا يعقل أن تكون تجارتنا مع هذه الدول السبع في حدود 2مليون جنية فقط,بينما تصل واردتها إلى 7مليارات .
لكن نجاحنا اقتصاديا رهن بألا ينفصل الاقتصاد عن إستراتيجيتنا العامة,فذلك هو السبيل لأن يحظى بالميزة النسبية فى ظروف تلك الهجمة الدولية الواضحة على إفريقيا أن ميراثنا التاريخي والإنساني في إفريقيا هو الذي يمنح اقتصادنا هذه الميزة النسبية وليس العكس.
خامسا:إن إعادة تعبيد هذا الجسر الاستراتيجي المصري ينبغي أن يحظى بأولوية في الأعلام تتوازى مع أهميته في السياسة تعبيرا عن دور مصري يتقاطع مع غيره من الأدوار ,فقد ظل دورنا الحفاظ على الشرعية الدولية والإقليمية وتقليل إجهاد الدولة القومية واحتواء الصراعات الأثينية ونزع المتفجرات من عمق مسرحنا الاستراتيجي الجنوبي ,أن إفريقيا تدفع إلى الدخول في حقل ألغام,ولهذا فإن دورنا يزداد أهمية ولكننا وحدنا المعنيون بتوضيحه والدفاع عنه!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :