استقالة فكرية     


استقالة فكرية

راجعت سيلا من الندوات السياسية التي شاركت فيها مراقبا أو معلقا منذ بداية التسعينيات حتى الآن .وقد أصابني الفزع حين تأملت أطروحات أعداد متزايدة من الكتاب والمفكرين والباحثين في إطار هذه الندوات فالحقيقة الساطعة كالشمس في مجرى هذا السيل ،أن الفكر الاستراتيجي العربي قد أصيب بعلة في قلب منهجه وأنه ظل يعانى طوال هذه السنوات تدهورا واضحا وصله إلى شيخوخة مبكرة بدأت ككل شيخوخة بتصلب في شرايين العقل ثم كادت تنتهي إلى ما يشبه السكتة الدماغية.
عندما أطلق (بوش)تعبير النظام الدولي الجديدة في الفاصل الافتتاحي لحرب الخليج جرت فوق الورق انهار من الكلمات وهى تبذل جهودا فكرية حارة لتسويق هذا النظام وتجميل وجهة وتحولت هذه الكتابات إلى شكل من التبشيرية الجديد بسلام دائم وعدل دولي قائم أو قادم بل أن بعض هؤلاء المبشرين رسموا صورا ملونه لهذا النظام الدولي الجديد وقد أعد مجموعات هائلة من عربات الإطفاء ليتم توجيهها على الفور لإطفاء مصادر نيران كل النزاعات الإقليمية في العالم وأكد البعض معززا تصوره بأنه تراجع إجباري في الدور الإمبراطوري للولايات المتحدة تحت ضغط حسابات التكلفة التي تلزمها بتقصير خطوطها العسكرية الخارجية.
وأفاض البعض الآخر في الحديث عن عودة الروح إلى الأمم المتحدة واعتمادها مرجعية قانونية تفرض على العالم بأقاليمه واقانيمه انضباطا شرعيا والتزاما قانونيا بل أن مدير احد مراكز الأبحاث الإستراتيجية بشرنا في ندوة ب"الأهرام"أن العالم ذاهب إلى استقرار عام,لأن النظام الدولي نجح في منع الحروب منذ أن انطفأت نار الحرب العالمية الثانية.
وعندما طرح للدراسة والمناقشة دور إسرائيل ومكانتها مع المتغيرات الدولية كان حصاد تقديرات اغلب الباحثين(وهى لدى مكتوبة ومسجله)أن إسرائيل ذاهبة إلى انخفاض حاد في قيمتها الإستراتيجية،بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية,لأن مصادر التهديد إقليميا ودوليا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي زالت أو في طريقها للزوال ...ولهذا فان إسرائيل ستدخل في أزمة مع نفسها لأنها لم تعد "الكنز الاستراتيجي"للولايات المتحدة في المنطقة,ومع انخفاض القيمة الإستراتيجية لإسرائيل فإن التسوية السياسية سوف تحتل الممر الأمريكي الأمن الأساسي إلى الشرق الأوسط.
وعندما دفعت إلى المسرح السياسي في المنطقة فكرة النظام الشرق الأوسطي تدافعت كتابات هذا الفريق من الباحثين والكتاب تتحدث عن فوائد هذا النظام باعتباره مسحوقا جديدا لإزالة التوترات وإحلال المنافع المشتركة محل الصراعات بل أن بعض أكثر الباحثين إخلاصا للقضية القومية بشرنا بأن إزالة التناقض بين نظام شرقي أوسطى ونظم إقليمي في حينه ممكن ومتاح رغم أنه كان يتحدث عن شئ يشبه (الثلج المسلوق) أما أغلب هؤلاء الباحثين فقد اتشحت أصواتهم بالسواد وكأنهم يؤدون واجب المشاركة في تشييع جنازة النظام الإقليمي العربي.
ولقد طال الأمر نفسه التصور الذاتي للبنيه الإسرائيلية فتدفقت التعليقات التي تتحدث عن متغيرات عاصفة داخل هيكل المشروع الإسرائيلي تنزع معه استراتيجيه توسعية بعد أن تغير جوهرا وتحلل منطقا وأصبح مقيدا في الزمان والمكان بالجغرافيا السياسية الجديدة وبتوازنات المصالح لا القوى ثم تكرر الأمر بشكل أكثر سطحية وابتذالا مع أفكار أكثر عمقا وخطورة كالعولمة وصراع الحارات فقد دبجت مبكرا قصائد المديح في نزعه المركزية الأمريكية الجديدة وانسحب الموقف على الموروث تجاوزا وعلى الوافد اندماجا بل أن واحدا من هؤلاء المفكرين أقام جسورا ذهنيه وهميه بين العلمانية العربية والعلمانية الإسرائيلية،باعتبارها سلالم الصعود إلى سلام الشرق الأوسط حيث يستل العلمانيون العرب الإسرائيليون معا سيفا مشتركا لذبح الأصولية على الجانبين ثم تهدأ العاصفة وتستقر المصالحة.
إنني لا أريد أن اسبب حرجا لأسماء كبيرة لامعة تطل علينا دوما من شاشات التليفزيون وزاويا الصحف السيارة والندوات الفكرية العامة ومؤتمرات البحوث ولكن الحقيقة أنهم زرعوا "حديقة الوهم" الكبير على امتداد هذه السنوات والحقيقة أيضا أن "حديقة الوهم" التي زرعوها بدأب وإصرار سوف تتطاير شظايا حريق وسحب رماد مع أول طلقه توجهها نزعة مركزيه أمريكية إلى قلب العراق والى المشروعية الدولية في وقت واحد.
أن شرف الجندية يفرض على القائد العسكري أن يستقيل بعد أن يقود معركة خاسرة لكن شرف الكلمة للأسف الشديد لا يفرض على احد أن يقدم استقالة فكريه بعد أن يمنى بسلاسل متصلة من الهزائم
أليس ثمة مفكر أو باحث عربي واحد ممن خسروا مرارا وتكرارا رهاناتهم الفكرية أمام الرأي العام يمكن أن يتحلى بشجاعة الإقدام على تقديم "استقالة فكرية"؟!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :