جرثومة التفكّك ...!!     

جرثومة التفكّك ...!!

بقلم : أحمد عز الدين
Email : ezz@ahmedezzeldin.com
Site: ahmedezzeldin.com


قال لي صاحبي وهو يحاورني :
كيف وقر في قلب هذه الحكومة ، واستقر في عقلها أن تخرج على الناس وتبشرّهم بأنها ستلقي على كواهلهم التي تنوء بما تحمل ، مزيدا من الصخور التي تطول ظهور الفقراء بالأساس ، وتشمل رفع أسعار أكثر من خمسين سلعة استهلاكية ، وذلك قبل أيام معدودة من استفتاء قسريّ على دستور اصطنعته السلطة لنفسها ، ألا يبدو لك الأمر وكأنها عمدت إلى أن تسحب من صدور الناس ، ما تبقى فيها من بقايا هواء تتنفسه وتنتزع من قلوبها ما تبقى فيها من بقايا صبر تغالبه ، بعد أن أصبح الغضب نارا موقدة ، سائلة في لشوارع والميادين فأي غلظة تلك التي ذهبت بهذه الحكومة حد أن تتحرك بنفسها ضد نفسها ؟!

قلت لصاحبي وأنا أحاوره :

لست في جانب ذلك التفسير ، الذي نعى على الحكومة غفلتها ، ذلك أنني أرى أن إعلان القرارات لم يكن مصدره الغفلة ، وإنما كان مصدره حسابات أخرى ، لا تنم عن غفلة وإنما يفصح بعضها عن نزعة استحواذ وتربص ، وما هو أخطر منهما :

أولا : إن توقيع رئيس الجمهورية على هذه القرارات ، قد تم بترتيب استبق إعلانه بأيام ، ليصور في ظل إعلان دستوري يمنحه حصانة عامة ، تسقط من أيدي المضارين وهم أغلبية الشعب المصري ، حقوقهم المشروعة في اللجوء إلى القضاء ، وهكذا فإنه يعكس توجها كاملا لإبقاء السلطة وقراراتها معصومة ومحصّنة ، وفي هذه الحالة فقد انتقلنا من إكراه سياسي يمثله تشكيل لجنة الدستور ، والدستور ذاته ، ثم فرض الاستفتاء الشعبي عليه ، إلى إكراه اقتصادي واجتماعي تمثله هذه القرارات ، بما تضمنته من توجه اقتصادي واجتماعي ، لا يناقض مصالح القاعدة الاجتماعية العريضة فحسب ، ولكنه يناقض جوهريا أرفع أهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير ، وهكذا فإن إصدار هذه القرارات مع ما استبقها وتلاها من إعلان دستوري ، يفصح عن حقيقة واحدة هي أننا أمام سلطة محتكرة ، تمثل مصالح أقلية سياسية واقتصادية واجتماعية ، تسعى إلى فرضها بكافة وسائل الإكراه ، سياسيا كانت أو اقتصادية أو اجتماعية .

ثانيا : إن الإعلان عن هذه القرارات في التوقيت الذي تم به ، لم يكن ينطوي على رسالة إلى الداخل الوطني وإنما إلى الخارج ، وبالتحديد إلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي رسالة أرادت أن تؤكد في لحظات عاصفة ، يمكن أن تختلط فيها الحسابات وتتضارب التقديرات ، أن السلطة الجديدة في مصر جادة ومصّرة على أن تفي بكافة الالتزامات التي قطعتها على نفسها تجاه الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما ، وهي رسالة لطمأنة اقتصادية واجتماعية ، مكملة لرسالة الطمأنة السياسية التي حملها " الحداد " مندوبا عن القصر الرئاسي ، وألقاها على مسامع الرئيس الأمريكي ، في جلسة قصيرة لم يعلن عنها .

وإذا لم يكن هذه هو مجال استطراد بنود الرسالة الأولى ، فإن الرسالة الثانية تشي تماما بالتوجه الاقتصادي الاجتماعي الذي وعدت السلطة الجديدة بتبنيه كاملا ، وهو توجه يتطابق مع أبجديات مدرسة " شيكاغو " التي كان يمثلها في مصر وزير المالية الأسبق " بطرس غالي " ، ومع نمط من الرأسمالية المتوحشة التي ستدفع الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، إلى مزيد من الانهيارات والسقوط فوق درجات السلم الاجتماعي ، وتدفع المجتمع كله إلى مزيد من الانقسام والصراع والاحتراب .

غير أن المهم في ذلك دون تفصيل ، إن إرسال رسالة علنية وعملية بالانصياع إلى شروط الصندوق ، كان من وجهة نظر أصحابه ، فارقا في أن تبتبلع الولايات المتحدة شعاراتها المعلنة عن الديمقراطية والتعددية وسيادة القانون ، وأن تكتفي بأن ترى فيما يحدث في مصر من غضب ورفض وصدام ، ومن عدوان على القضاء وحصار للمحكمة الدستورية العليا وإرهاب الإعلام ، مجرد شأن داخلي لا يمس الديمقراطية من قريب أو بعيد ، والحقيقة أن الولايات المتحدة كانت عند حسن الظن بها ، فلم تكتف بابتلاع أسلحتها الديمقراطية المثلومة ، وإنما أسكتت محاولات الاعتراض في الغرب ، بعد أن بدا أن البرلمان الأوربي والاتحاد الأوربي عموما ، نتعجل اتخاذ موقف يعبّر عن القيم الإنسانية ، التي ما تزال بقاياها تتنفس في ضميره العام .

ثالثا : إذا كان اختار لحظة الإعلان عن القرارات ، كان قد تم لتوجيه رسالة طمأنة إلى الغرب ، بأن قطار الحكومة مصمم على مندفعا فوق القضبان المحددة سلفا ، بغض النظر عمن ستدهمهم عجلاته الحديدية من أجساد ملايين المصريين ، فقد رأى أصحاب القرار أن اللحظة نفسها قد تكون مواتية على مستوى الداخل ، لتمرير القرارات دون ردود فعل واسعة بحكم أن الداخل كله غارقا في محيط واسع من الغضب والرفض ، منشغل بمعارك عالية الصوت واسعة الجلبة والضجيج ، وبالتالي فإن سقفها صوتا وجلبة وضجيجا وتحفزا وصداما ، سيكون أعلى مما يمكن أن يحدثه القرار من صوت وجلبة تحدث انتباها ، يحدث بدوره غضبا ورفضا .

وقد كان هذا الفهم العقيم في كل ما سبق ، هو الذي عكس تقدير موقف غير صحيح ، فقد بدا بعد سويعات قصار ، أن القرار نفسه لم يكن أكثر من إلقاء مزيد من الوقود القابل للاشتعال على وقود مشتعل ، ولهذا لم يتحمل القرار الرئاسي القدرة على الصمود حتى الصباح ، فتم الإعلان عن تجميده في الهزيع الأخير من الليل ، لكن هذا الفهم لم يعكس فقط تقدير موقف غير صحيح ، وإنما عكس قبله أعراض تلك العلة المزمنة ، التي عانت منها كافة الأنظمة العربية التي تداعت والتي ظلت ترى أن إطالة عمرها رهن بأن تعمل على تخفيض التناقضات مع الخارج غير الوطني ، ولو على حساب تصعيد التناقضات في الداخل الوطني ، وكما عكس نظرة استعلائية في أوضاع الناس المتداعية أصلا ، والتي تحتاج إلى ترميم لا تتحمل معه مزيدا من الأعباء ، عكس ذلك انفصاما كاملا بين الوقائع الساخنة الحية على الأرض والحلول المستوردة التي تجمدت في العقول .

وهكذا في ظل كل الأحوال فلم يكن الأمر أمر غفلة من السلطة والحكومة ، بقدر ما كان أمر تدبير وترتيب وتقدير ، أفلت منه فحسب ، ما يتعلق بتقدير ردود أفعال الناس ليلا ، فأوقفت التدبير في ارتباك ، والترتيب في تناقض ، جعل التراجع المؤقت ضروريا ، لا بمنطق حماية الشعب مما يكره ولا يطيق ، وإنما بمنطق حماية صناديق الاستفتاء مما لا ترغب فيه السلطة ولا تريد.

▲▲▲

• قال لي صاحبي وهو يحاورني :
لكن قرار التجميد نص على إخضاع القرار بكل مفرداته إلى حوار مجتمعي ، وهو ما يعني قبوله أو رفضه ، أو قبول بعضه ورفض بعضه الآخر ، مما لا يتوافق مع مصالح الناس ، وهو ما يعني أن التراجع ليس مؤقتا ، والتجميد ليس تخوفا بشأن الاستفتاء على الدستور ، وإذا كان القرار خطأ في المضمون قبل التوقيت ، فإن التراجع عنه وإخضاعه لحوار المجتمع ، فضيلة يجب أن تحمد .

• قلت لصاحبي :
لقد كان جزءا من العوامل الضاغطة لإعلان القرار ، أن اجتماع الصندوق سيتم في التاسع عشر من الشهر الحالي ، للإعلان عن الموافقة على القرض ، وهو ما يتحتم أن يسبقه إعلان حكومي رسمي في إطار قانوني ملزم ، بقبول هذه المرحلة الأولى من شروط الصندوق التي ظل الضباب يلفها ، وكأن الاتفاق قد تم توقيعه في غرف مظلمة ، لكن اللجوء إلى امتصاص الغضب بالإعلان عن تجميد القرار ، تلاه في الساعات التالية غضب من نوع آخر في داخل الصندوق ، فقد اعتبر ما وُصف بأنه مصدر مقرب من الصندوق ، أن تأجيل هذه الإجراءات سينتهك بصفة مبدئية ما طرحه صندوق النقد الدولي ، كنوع من الشروط المسبقة للمضي قدما ، ولهذا اضطر المتحدث باسم رئاسة الجمهورية أن يخرج صباحا ، ليعيد التأكيد على أن ما حدث ليس تراجعا عن القرارات ولكنه تجميد لها ، ولم يكن الخطاب في هذه المرة أيضا موجها إلى الداخل ، الذي تمت محاولة تهدئته في آخر الليل ، وإنما كان موجها إلى الخارج ، ليؤكد التزام الحكومة بتنفيذ شروط الصندوق ، رغم أن رئيس الوزراء خرج بعد ساعات ليعيد تأكيد ما أكده ، وما أكده بدوره المتحدث باسم الرئاسة ، من أن القرارات التي تم تجميدها أو تأجيلها لا علاقة لها بقرض الصندوق ، بينما كانت الاتصالات من جانب الصندوق بالحكومة مستمرة ، تعكس قلقا وشكوك لم تتبدد ، رغم التأكيدات المتتالية بأن القرارات ستوضع موضع التنفيذ ، وأن المطلوب فسحة من الوقت لا تتجاوز شهرا واحدا ، رثيما تجنح الأوضاع الداخلية المشتعلة في الداخل إلى الهدوء .
ورغم التأكيدات ، لم تتوقف مصادر الصندوق عن إبداء قلقها ، وكأنها هي التي تنتظر أن تحصل على قرض من الحكومة المصرية ، فحتى مع تأكيد الموافقة والتنفيذ من جانب الحكومة المصرية ، " ستستمر الشكوك بشأن ما إذا كانت الحكومة قادرة على الإصلاح ، نظرا لأن الإجراءات التي نراها الآن هي الأكثر سهولة " .

وإذا كانت قرارات زيادة الضرائب على هذا النحو ، هي الأكثر سهولة ، فما هي القرارات الأكثر صعوبة ، وما هو توقيت تنفيذها ؟ إنها الإجراءات الخاصة بترشيد الطاقة ، والتي من المفترض وفق الاتفاق المضي فيها قدما في إبريل القادم ، والمقصود هنا هو خطة إعادة هيكلة دعم الطاقة ، أو قل خطة رفع الدعم عن الطاقة ، والتي ستؤدي وفق تقديرات دقيقة إلى رفع أسعار السلع الأساسية بنسبة تصل إلى 100% وهو بدوره ما سيرفع التضخم بنسبة 5% دفعة واحدة ، وهو بدوره ما سيجعل العملة الوطنية في مهب ضغوط متزايدة ، لن تقدر على مقاومتها لتكون مجبرة على انحناء مذل كبير أمام العملات الأجنبية ، يطول جانبا ملموسا من قيمتها ، وهو ما سيؤدي بدوره إلى مضاعفة أسعار السلع الأساسية مرة ثانية ، ليدخل الاقتصاد المصري في دائرة جهنمية ذات تداعيات خطيرة غير محسوبة ،خاصة وأن تأكيد الحكومة على أن الاتفاق لم يتضمن تخفيض قيمة الجنيه المصري ، نصفه صحيح ، لكن نصفه الآخر تضمن بوضوح كامل تعهد الحكومة ، بألا تدخل عمليا في الأسواق لحمايته من الانخفاض أو الانهيار .

لقد كان على الحكومة وفق كلام الصندوق أن توفر غطاء مجتمعيا لتنفيذ البرامج الذي وقعت عليه ، فهل ستستطيع أن توفر الغطاء خلال ثلاثة أسابيع قادمة للمرحلة الأولى فقط ، التي شملت القرارات المؤجلة التنفيذ ، أم أن هذا الحوار المجتمعي لن يوفر غطاء مجتمعيا للقبول ، وإنما سيوفر إيهاما إعلاميا بالقبول ، وإكراها إجرائيا بالتنفيذ ؟ لن ننتظر إذا سوى حملة مكثفة من التبريرات الزائفة ، لإقناع الناس بأن هذه الضرائب تستهدف الأغنياء وتنحاز إلى الفقراء ، وإنها التطبيق الحي للعدل الاجتماعي ، باعتباره واحدا من أهم أهداف الثورة ، مع أن الحقيقة الموضوعية من أولها إلى آخرها هي نقيض ذلك ، وبعيدا حتى عما نشرته بعض الصحف من أن المهندس خيرت الشاطر ، هو الذي اختار لوزارة المالية السلع التي ترفع ضرائبها ، وفي مقدمتها المعسل والسجائر والخمور ، لتمتين تحالف الجماعة مع الجماعات السلفية ، فالواقع أن رفع الضرائب على الخمور – أولا – يعكس مشكلتين ، الأولى أن توقيع رئيس الجمهورية على ذلك القانون بانتسابه إلى الجماعة وموقعه فيها ، إنما يعني إضفاء الجماعة رسميا وللمرة الأولى مشروعية بإباحة إنتاج وبيع وتداول الخمور في مصر ، وهو أمر يضحد تماما كل الإدعاءات التي تصور المعركة السياسية والاقتصادية في مصر من أولها إلى آخرها ، على أنها معركة حول تطبيق الشريعة الإسلامية ، أما الثانية ، فإن رفع الضرائب على الخمور كان يتحتم أن يخضع لحسابات أكثر تعقيدا ، تتعلق بسوق الإدمان في مصر ، فالعلاقة بين المواد المخدرة عموما ، تشكل عوامل تفاعلية يحددها عنصر الطلب بالأساس ، فالطب يخلق عرضا ، والعكس بالعكس ، ولكن السعر الذي يحدد طبيعة الطلب ، ولهذا دون أن أدخل في دراسة مطولة لي في ظاهرة المخدرات بعمق ثلاثة أرباع قرن مضى ، استطيع أن أؤكد أن رفع أسعار الخمور بالمعدلات التي تمت ، سوف تساهم مساهمة كبيرة في اتساع سوق المواد المخدرة الأخرى ، وزيادة الطلب عليها ، ومن ثم العرض خاصة الحشيش والبانجو والأقراص المخدرة ، وربما ابتكر فقراء المدمنين كما فعلوا أثناء الحرب العالمية الثانية مواد جديدة ، أكثر رخصا لإطفاء حاجتهم إلى الانفصال عن الواقع .

أما زيادة الضرائب على السجائر – ثانيا – فهي تعكس ما إذا كانت القرارات تستهدف الأغنياء وتنحاز إلى الفقراء ، وبعيدا حتى عن التحليل الاجتماعي لظاهرة التدخين في مصر يؤكد على تركز الظاهرة في أوساط بعض شرائح الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، فإن القرارات حمّلت المدخنين الأكثر فقرا الذين يدخنون السجائر المحلية ، أعباءا إضافية أكثر مما حمّلت الذين يدخنون السجائر الأجنبية ، ففقراء المدخنين يتحملون عبئا إضافيا بنسبة 78% ، أما الأحسن حالا من مدخني المستورد فيتحملون عبئا إضافيا بنسبة 65% ، والأمر لا يختلف في كافة السلع الاستهلاكية الأخرى ، ففي الكهرباء تم رفع 6 شرائح إلى الضعف ، أما الأسمدة ، فإنها تشكل أزمة مستعصية بالنسبة للفلاح وحده ، وإنما ستشكل أزمة عامة للشعب كله ، وفي المقدمة فقراؤه ، بحكم ما سيترتب عليها من ارتفاع أسعار كافة المحاصيل الزراعية ، والأمر لن يختلف بالنسبة للحديد والأسمنت ، وانعكاسها على أسعار الوحدات السكنية ، وانعكاس ذلك كله على الناتج الصناعي الذي لم يعد يحقق نموا ، حيث تشهد الصادرات تراجعا ، والواردات زيادة مطردة ، فقد بلغ حجم الواردات هذا العام 60 مليار حق مقابل 48 مليار في العام الماضي .

والمدهش أن الذين يفترضون إن رفع الضرائب على المبيعات والتي يتحملها الجانب الأكبر منها الفقراء بالضرورة ، سيزيد حصيلتها بنحو 17 مليار ، لا تتسم حساباتهم بالدقة ، لأنها تقوم على افتراض غير صحيح ، بأن المبيعات ستبقى على حالها ، ولن تتأثر بما سيلحق بالقدرة الشرائية ، خاصة مع انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار من تراجع مؤكد .

غاية القول ، أننا أمام قرارات ، لم تبنى على قاعدة هندسة اقتصادية أو اجتماعية صحيحة ، فهي تحمل الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا بأعباء جسيمة ، تنوء بحملها ، وهي تجعل سد الحاجات الأساسية لعموم الناس صعبة ، إذا لم تكن مغلقة وهي فوق ذلك ، قرارات مناهضة للصناعة مشجعة على الاستيراد والتهريب ، وهي تدفع المواطن كله إلى بركة آسنة من التضخم والإفقار والركود ، ففضلا عما يمكن أن ينتجه ذلك من آثار بعيدة في مجرى الصراع الاجتماعي والجريمة المنظمة .

▲▲▲

• قلت لصاحبي وأنا أحاوره :
تذكر أنني كتبت هنا في عدد سابق عن أن واحدا من الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها السلطة القائمة في مواجهة الغضب الشعبي ، وهو التشبث بنمط " المباراة الصفريّة " وأن مشكلة هذا النمط الذي عفى عليه الزمن حتى في المباريات ذات الطبيعة العسكرية ، هو أنه يدور في إطار خيارين ، إما فوز مطلق ، أو هزيمة مطلقة ، ولقد أدهشني أن واحدا من العقول الفقيرة ، التي تنسب نفسها إلى الجماعة ، قد قام بعملية سطو على التوصيف بألفاظه ، ثم حوّله إلى سلاح لاتهام المعارضة ، وهو اتهام ملفّق بالطبع ، لأن المعارضة – أولا – ليست صاحبة قرار يوقف الصدام ويبدد الغضب ، ولأن المعارضة – ثانيا – قد تكون واجهة لحالة شعبية ، ولكن الحالة الشعبية التي يتطاير منها الشرر ، ليست المعارضة فهي كتلة أكبر وأوسع من أن توضع في إطار ضيق ، ولأن المعارضة – ثالثا – لا تبدو في مقدمة صفوف الغضب ، وإنما تجاهد لكيلا تتسع شقة المسافة بينها وبين مقدمته .

غير أن الشاهد في ذلك أننا أمام أمواج عالية متتالية من الغضب الشعبي ، ، إذا تركت لحالها بدوّاماتها وعواصفها تحت دعوى أنها ستأكل نفسها في النهاية ، فلن يكون إبحار كافة المراكب السياسية أمنا ، ذلك أننا أمام حالة من الغضب تتعدد أسبابها وعواملها ، ولكنها تتداخل على نحو فريد ، لتشد إليها طاقات جديدة ، وشرائح اجتماعية جديدة بحكم مخاوف وإحباطات جاهزة ، في انتظار لحظة مواتية للتعبير عن نفسها ، وهي لحظة إذا لم تكن قائمة ، فهي قادمة بالضرورة .

إن ما يستوجب القلق العميق في ذلك – أولا – أننا أمام غضب سائل على الأرض ، أصبحت قوة دفعه الأساسية تتولد تلقائيا دون ترتيب أو تعبئة ، وأمام حالة من الغضب لا ينطبق عليها غير قانونها الخاص ، ساعد على اتساع وارتفاع موجها ، ما تغذت عليه من إحباطات ، ومن غفلة السلطة عن إدراك الخطر ، ومن استعلائها واستهانتها ، بما يتخلّق حولها من تحديات ، في مناخ عام مشبع بعوامل اليأس والاحتقان .

وما يستوجب القلق العميق في ذلك – ثانيا – أننا أمام حالة مصرية تشكل قطيعة مع التراث الحي للجماعة الوطنية المصرية فلم تشهد مصر لا في تاريخها المعاصر أو الحديث ، قدرا هائلا من الضغوط الجانبية المتصادمة القابلة لإحداث شرخ يصعب جبره في بنية الكتلة الوطنية ، اللهم إلا في فترات الاضمحلال في التاريخ المصري القديم ، عندما تشققت السلطة المركزية ، وتفجّر الصراع الداخلي حول الدين والإقطاع ، وهبط بمصر من إمبراطورية إلى مستعمرة .

وما يستوجب القلق العميق في ذلك – ثالثا – أن هناك بنية جوفية لدولة بديلة يجري العمل على تخليقها بالأمر الواقع ، وهي بنية تضغط على البنية الفوقية للدولة المصرية ، وتفرض عليها شروطها ، وتسعى بقوة إلى أن تحل نفسها محلها .

وما يستوجب القلق العميق في ذلك – رابعا – أن أكثر ما كنا نأخذه على النظام السابق ، من تسلط في الداخل واستضعاف في الخارج ، لم يكن منفصلا عن زيادة المكوّن الأجنبي في القرار الوطني ، وأحسب دون مبالغة أن هذا المكوّن الأجنبي في القرار الوطني ، قد لحق به قدر ملموس من التغيّر ، ولكنه لم يجيء بالسلب والحذف ، وإنما جاء بالإضافة والجمع .


▲▲▲

قلت لصاحبي :

سأحيلك إلى رمز واضح الدلالة لما أسعى إلى تأكيده ، ولعلك تابعت بأسى مثلي ، واقعة أولئك الذين تسلقوا بالعشرات إحدى الشجرات ، في مليونية جامعة القاهرة ، فسقط من بينهم قتيل ، وأربعة وعشرين مصابا ، وكانت الشجرة نفسها هي الضحية الأولى ، لقد اندفعوا بغير حساب ، لا أوزانهم ، ولا لقدرة احتمال الشجرة ، التي تجاوزت المائة عام ، ولا تأثير السقوط من أعلى فوق أسفلت خشن وصلب ، وكانت النتيجة الفاجعة في النهاية ، محصلة للاندفاع الأعمى في غيبة العقل والحكمة ، وتقدير الموقف ، أخشى أن أقول أن شيئا من ذلك قد حدث ، وأن شيئا من ذلك قابل للحدوث .!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :