تفجير مصر     

بقلم أحمد عز الدين

عندما تدافعت أنظار المراقبين نحو "تل أبيب"تترقب,انفجارا أمنيا, تطوع بيان أمريكي ,بدفع هذه الأنظار إلى التوجه , نحو "القاهرة" بعد أن نسب إلى الحكومة الأمريكية , معلومات "أكيدة"بتوقع وقوع موجة انفجارات إرهابية في مصر .

ولا شك أن د.أسامة الباز قد كفانا مؤنة الرد على هذا البيان بقولة:"أن أطلاق شائعات على غير أساس صحيح ثم اتخاذ موقف حيالها,أمر لا يجب أن تتخذه دولة كبيرة مثل أمريكا"....فالبيان أطلق شائعة كاذبة ,ثم صدرها إلى العالم كله,ممهورة بتوقيع الحكومة الأمريكية.
ومع أن تعبئة شائعة كاذبة في غلاف حقيقة , ثم إذاعتها ونشرها هو أمر اعتيادي كممارسة أجهزة المخابرات الدولية يوميا , ويدخل في صميم أدوات الحرب النفسية إلا انه من غير الاعتيادي أن يكون ذلك هو سبيل "الحوار الاستراتيجي "من جانب إحدى حكومتين تتمدد بينهما مفردات كبيرة مثل الشراكة أو الصداقة أو التعاون ,بل ومن غير الاعتيادي عموما ,أن تسند الشائعة إلى قوة الدولة رسميا,إلا في حالات خاصة من مواجهات "تكسير العظام"سياسيا أو عسكريا خاصة في وجود بدائل متوفرة,أولا,لأنه إذا كان الهاجس هو الحرص على أمن مصر ,,فإن القنوات مفتوحة لضخ ما يراد من تحذير أو معلومات ,وثانيا لأنه إذا كان الهاجس هو أمن الأمريكيين في مصر,فأن الأجهزة الأمريكية تستطيع أن تضع في أذانهم ما تشاء من تعليمات ,وثالثا لأنه إذا كان الهاجس هو الرغبة في إعطاء انطباع عام بأن الأمن في مصر يمكن أن يقع تحت التهديد, فأن وسائل إشهار ذلك معروفة ,دون أن تورط دولة كبيرة نفسها ,بوضع خاتمها عليه,وإذا ما أصرت هذه الدولة على ذلك فلا بد أن له لديها ما يبرره.

1- أظن أن هناك في أمريكا كما في إسرائيل ,من يعتقد بحساباته الخاصة أن مشكلة الشرق الأوسط ,باتت تتلخص في مصر وحدها ,لا في إسرائيل ,أو غيرها,لان كل ثياب الحلول التي تفصل على مقاس المشكلة,كما يراها الإسرائيليون والأمريكيون,لا تتناسب مع مقاس مصر , ولذلك فهي تبادر بإقناع غيرها,برفض ارتداء مالا يتناسب معها ,وباختصار فأن مصر تفرض حاسة التناسب لديها,على رؤية سواها للمشاكل القائمة والحلول الممكنة سواء أصدرت ذلك فعلا عمليا أو صدر عنها إشعاع تلقائي.
2- وأظن أن هناك في أمريكا وفى إسرائيل من يعتقد أن مصر تستثمر وقتها الآن بشكل أفضل وان نمط هذا الاستثمار في جانبه العسكري المباشر يعمد قدر الطاقة والجهد إلى تقليل الخلل في موازين القوى ,وهو ما أطلق عليه "زئيف شيف"مؤخرا في إثناء رصده من الجانب الأخر "الاختلال بموازين القوى في المنطقة"لان الشرط الإسرائيلي المركزي هو ديمومة موازين القوى ولان ذلك الأمر ككل عمليات البناء ذو رصيد تراكمي , فأن هناك من يرى أنه ينبغي إلا يترك لمداه وتفاعلاته.
3- وأظن أن هناك في أمريكا وفى إسرائيل من يرى مصر,وكأنها تركب جوادين مسرعين فوق اتجاهين مختلفين في وقت واحد ,أنها تقبل بالتكيف مع المتغيرات ,ولكنها مازال حريصة على خصوصيتها الوطنية وهى تقبل بمبدأ التجديد ,ولكنها ترفض عمليا تبديد ميراثها,وهى تؤمن حقا بالسلام ولكنها غير مستعدة لتنزيل درجة أهمية درعها العسكري أو قواتها المسلحة ,وهى لا تمانع في بناء شرق أوسط جديد ,ولكنها لتتنازل عن نظام إقليمي عربي,يشكل مركزه الحيوي ,وهى لا تستطيع أن تحكم بقوة التاريخ , وطاقة الجغرافيا.
4- وأظن أن هناك في أمريكا وفى إسرائيل من يبدى عدم ارتياح دائم,لمحاولة فهم مصر,فهي تبدو لغزا بطبيعة استجابتها وبردود أفعالها غير المنتظرة.
هذا الشعب صوروا له أن العروبة هي سبب الأمة وخسائره ونزيفه الدائم ,وهذا شعب وجد أغلب أفراده شظفا في العيش عندما تنقل في بلد عربي إلى أخر ,وهذا شعب أدركته الفاقة بغير عدل ,بينما أدرك الغنى سواه بدون جهد,وتحمل فوق كاهله جانبا من كل خسارة لحقت بجيرانه ولكنه ظل يدفع نبضة الحي في أنحاء المنطقة كلها ليسد الفجوات ,ويلحم الحدود ويرمم الجسور ,مدركا بأن هذا هو انتماؤه الصحيح ,ودورة الأصيل ورسالته الخالدة ,لان مكانته في الدنيا كلها أنما تترتب تلقائيا على مكانته داخل حدوده القومية.
ثم أن هذا الشعب ظل قادرا على أن يبنى حلما جديدا كلما تحطم حلمه القديم ,وكان أحلامه تتناسل من روحه ,فقد قدر لأحلامه الكبيرة أن تتحطم بالتناوب دوما ,مدفوعة كأنها قوارب خشبية في ملعب الصخور والعواصف.
أن مصر لم تكمل مشروعا تاريخيا واحد,حتى حدوده الأخيرة ,بل قدر لكل مشروعاتها العظيمة أن تجهض سواء بفعل عوامل ذاتية أو خارجية..من على بك الكبير إلى عبد الناصر ..مرورا بمشروع مدرسة الليبرالية المصرية,لكن مصر مع ذلك ظلت موصولة بأحلامها مدركة أنها عاصمتها من التفكك والانهيار.
5- وأظن أن هناك في أمريكا وإسرائيل من بات يعتقد أن الحل الوحيد لازمات المنطقة ومشاكلها هو تغييب مصر عنها ,أي دفع مصر للانكفاء على ذاتها,بحجة أن مشاكلها الداخلية أولى بالعناية والرعاية.
ونستطيع أن نجمع من كتابات إسرائيلية وأمريكية عديدة ما يجلى هذا المعنى بوضوح سواء ,بالحديث عن أن مصر لم تعد خارجيا في موضوع تهديد يستأهل تقوية جيشها ,وأن الانخفاض في درجة التهديد الخارجي يصاحبه ارتفاع ملحوظ في درجة التهديدات الداخلية ,ولعل البيان الأمريكي الأخير ذاته لا يخلو من إيحاء ,بان على مصر أن تركز عيونها واهتمامها على الداخل لتحاصر مشاكلها الحقيقية ,وانفجاراتها المحتملة بدلا من أن تلعب دورا في حل مشاكل جيرانها والغريب أن هذا الاتجاه قد وجد لنفسه مسربا في الصحافة المصرية.
وما يزال عدد من الكتاب يحاولون تعبيد مجراه بنصائح شيطانية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .
6-أنهم لا يريدون أن يدركوا أن مصر دولة فيضية,ليس بمعنى بيئة النهر التي تفيض كل عام,لكن بمعنى أن طاقتها الداخلية أوسع بكثير من حدود جدرانها الوطنية ,ولذلك إذا لم يتمدد فيضها خارجيا ,انفجرت على نفسها داخليا ,وذلك واحد من أهم وأخطر دروس تاريخ الجماعة الوطنية المصرية!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :