وجهان في وجه ... ودولتان في دولة !     



تلك المؤامرة الغربية على الإسلام :
(5)
وجهان في وجه ... ودولتان في دولة !

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com
Site: ahmedezzeldin.com

ينثرون في الفضاء المفتوح خطابا سياسيا كأنه أوراق الورد ، لكنها أوراق من الزجاج ، سرعان ما تتحول عندما تصطدم بأرض الواقع إلى نثار من التراب ، وبقع من الرماد ، يتحدثون ديمُقراطية ويتصرفون استبدادا ، يتكلمون عدلا ويتصرفون جورا ، يتحدثون انحيازا للقانون وسيادته ويتصرفون طعنا فيه وهدما لسيادته .

يقولون في الفضاء المفتوح خطابا مرصّعا بجواهر الكلِم ، عن الحرية والديمُقراطية والعدل والتوافق الوطني ، ثم ينصرفون إلى خنادقهم المغلقة كي يضعوا المكائد ، وينصبوا المصائد ، لتكبيل الحرية ، وخنق الديمُقراطية ، واغتيال العدل ، وطرد الخصوم خارج المسرح السياسي ، منتقين أكثر وسائل الترهيب وأدوات القمع تخلفا .

وليس هذا هو الإسلام ، بل هو نقيضه جوهرا وروحا ، فالإسلام لا يعرف ازدواجية في الخطاب ، ولا تحايلا في المنطق ، ولا انفصاما بين القول والفعل ، ولا تضليلا في البيّنة ، وكذبا في الإدعاء ، كما أنه لا يعرف سعيا إلى الاستحواذ ، ولا اكتنازا للسلطة أو رأس المال ، ولا مغالبة إلا مع الأعداء ، بل هو يرفض التمييز ، ولا يجعل فارق الأفضلية بين ناس وناس ، وجماعة وجماعة ، وفرد وفرد ، إلا بالتقوى ، التي هي ليست ظاهر القول ، وليس ما تسوّقه الكلمات ، وإنما ما يعتمر في القلب وتترجمه الأفعال ، صدقا ، وحقا ، وعدلا ، ومساواة .
والمشكلة في ذلك عصية على الحل ، إذ كيف يرى الناس في الفواصل بين الكلمات والأفعال ، ما يمكن أن يرد عن ثوب الإسلام الناصع ، ما قد يعلق به من تصرفات ، من يدّعون الحديث باسمه والانتماء إليه .

وهي كقطع كبيرة من الليل مظلما ، وكيف لا يجد الذين في قلوبهم مرض ضد الإسلام ، في تلك الفواصل ما يشحنون به مشاعر غير المسلمين خارج الحدود ، ليقولوا لهم في النهاية ، تلك هي صورة الإسلام الحقيقية ، كل مفرداتها تسلط واستحواذ وغلبة ، واحتكار ومغانم .

والحقيقة أن أولئك الذين ينعون على الغرب – وأنا من بينهم - ازدواجية خطابه ، وازدواجية معاييره ، فوق تلك اللوحة التاريخية للحضارة الغربية كلها ، صادقون ، ولكنها طلت ازدواجية الغرب ، لا ضد شعوبه وأهله وناسه وسكانه ، بل ضد الآخرين خارج الجغرافيا الحضارية للغرب ، وضد أولئك الذين يرفضون أن يتخذوا من بيوت الغرب الثقافية سكنا لعقولهم ، لكننا هنا نواجه ازدواجية في الخطاب وفي المعايير وفي السلوك ، لأنها داخل نطاق الجغرافيا الثقافية ذاتها ، ليس داخل اللسان الواحد والقلب الواحد فحسب ، بل داخل العقيدة الواحدة ، والإيمان الواحد ، والمذهب الواحد ، قبل الشعب الواحد .

▲▲▲

أكثر ما يستحق التوقف في سلوك السلطة الحاكمة في مصر ، هو محاولة الإجابة على سؤال كبير معلّق هو :
ما هي طبيعة وأدوات وآليات صنع القرار السياسي في مصر الآن ، وما هي المداخلات التي تشكل قاعدة له ؟ وما هي عناصر فقه الأولويات في اختيار توقيته ، ومن هؤلاء الذين يجمعون مفرداته ، ويقومون بصياغته ، وتشكيل صيغته النهائية ، قبل أن يتنّزل من أعلى إلى أسفل ؟
وإذا لم تكن هناك إمكانية للحصول على إجابة واضحة ومحددة ، على هذه الأسئلة الجزئية في إطار السؤال الأكبر ، فإن ما يمكن أن يشي به منتوج القرار ذاته بشكل عام عن عملية صنعه ، أنها غريزية أكثر منها عقلانية ، عشوائية أكثر منها دراسة ، مسطحة أكثر منها موهوبة ، بدائية أكثر منها محترفة ، متعجلة أكثر منها حكيمة ، انتقائية أكثر منها موضوعية ، وإن كان ذلك كله لا ينفي عن القرار ذاته ، ما يتسم به الخطاب السياسي ، الذي يحمله من انفصام وازدواجية .

خذ – مثلا – صورة خطاب الاعتماد الرئاسي الذي حمله السفير المصري الجديد إلى إسرائيل ، والذي ليس كمثله خطاب اعتماد مماثل لمبعوث دبلوماسي إلى أولي القربى ، حدّ أن " شيمون بيريز " نفسه لم يجد ما يعبّر به عن صدى الخطاب في نفسه ، أكثر من أن مادته طردت النوم من عينيه ليلا بعد قراءته ، وحتى أن المفردة التي استخدمها لوصف مشاعره ، والتي تأججت بفعله ، تجاوزت الأعراف الدبلوماسية ، فقد وصف ما تلقاه بأنه " خطاب مرسي " !

لقد انفق المتحدث باسم الرئاسة ، نصف يوم لكي يعترف اعترافا جارحا ، بعد أن تعددت صيغ نشر الخطاب في الصحف والمواقع الإلكترونية الإسرائيلية ، بأن صورة الخطاب صحيحة ، ولكن لم يجد تبريرا لذلك سوى أن الصيغة نفسها ، هي الصيغة البروتوكولية المعتمدة في رئاسة الجمهورية ، في كافة خطابات اعتماد السفراء ، وهو أمر ليس صحيحا .

وإذا لم تكن هذه الصيغة البروتوكولية الرسمية ، فمن الذي أدخل عليها تلك العبارات التي وصفت الرئيس المصري بأنه الصديق الوفي للرئيس الإسرائيلي ، وفي هذا التوقيت ، ولماذا ؟!

أولا : يعكس الخطاب بذاته كل الأوصاف السابقة التي رصدناها في صنع القرار ، وفي مقدمتها الازدواجية ، وإن كانت هنا محصورة بين الظاهر والباطن ، فلست أعتقد أن الرئيس مرسي راض عن أن يوضع في موضع " الصديق الوفي " لبيريز ، كما أنه بالتأكيد لا يعتّد بهذه الصفة ، ولا يسعد بأن تخلع عليه .
ثانيا : أن صياغة الخطاب تعكس بذاتها بعض ما قلناه ، عن شحوب العقلانية ، والموهبة ، والاحتراف ، والموضوعية ، والحكمة ، في عملية صنع القرار السياسي ، فحتى لو كان مطلوبا إضفاء مسحة ودّية مصطنعة على الخطاب ، فقد كانت هناك صياغات بديلة ، أكثر عفة وكرامة واتقانا واحترافا ، وفيما يبدو فقد كان الظن الغالب ، أو الغفلة الغالبة إن شئت ، أن الخطاب سيُطوى في ملفات الخارجية الإسرائيلية ، ولن يتحول الفرح به إلى عرس إعلامي في إسرائيل .
ثالثا : ليس رجما بالغيب أن أقول ، أن إعادة صياغة خطاب الاعتماد على هذا النحو ، كان تعبيرا مباشرا عن تحميل الدولة لأخطاء " الجماعة " في منظور الآخر الإسرائيلي ، وكأن الدولة مسئولة عما تنتجه " الجماعة " من بيانات وتصريحات ، أو كأنهما صارا شيئا واحدا ، فقد قال " مرشد الجماعة " في رسالته الأسبوعية مؤخرا : " أن تحرير القدس لن يتم في مؤتمرات الأمم المتحدة ، وأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة الحرب ، ولذلك فإن تحرير القدس من قبضة الاحتلال الإسرائيلي ، لن يكون إلا عبر الجهاد " .
وقد أثارت كلمات " مرشد الجماعة " ردود فعل واسعة في إسرائيل ، حتى أن صحيفة " يدعوت أحرنوت " اعتبرتها بالنص : " بمثابة إعلان حرب " وهكذا كان مطلوبا من الدولة المصرية ، أن تمتص جانبا مما أثارته التصريحات في إسرائيل ، وأن تخفض من سقف الضغوط الخارجية ، التي وقعت عليها من جراء ذلك .
ولست أعرف من صاحب هذه العبقرية ، الذي هدته إلى أن يحمّل خطاب الاعتماد ، رغم أنه واحد من أرفع أشكال التعبير الدبلوماسي عن العلاقات بين دولتين ، بما لا ينبغي أن يحمّل به ، ليصبح حجة لدى إسرائيل في عواطف مصر تجاهها ، وفي تقدير مصر لسياستها .

خذ – مثلا – ذلك القانون الذي كلّف رئيس الجمهورية حكومته بوضعه على عجل ، تحت اسم يشّع وطنية وثورية ، وهو قانون " حماية مكتسبات الثورة " ثم استجابة الحكومة الساطعة للتكليف ، وانتهائها من إعداده بهمّة مضاعفة ، في أيام معدودة .

• والمدهش – أولا – في التكليف نفسه ، مع حسن الظن الشديد ، بالغاية والهدف ، قبل قراءة مشروع القانون ، ذلك الدافع الغريب ، لوضع قانون لحماية مكتسبات الثورة ، قبل أن تتحقق مكتسبات الثورة حقيقة في أرض الواقع ، فكيف يستقيم وضع قانون لحماية مكتسبات ثورة ما تزال في رحم الغيب ، أو في رحم الصراع السياسي ، الاقتصادي ، الاجتماعي في مصر ، وما تزال سفينة الثورة تحت رحمة العواصف والأنواء والقراصنة ، دون أن ترسي على الجوديّ ، أي ما تزال موازين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية على حالها ، بل أصبحت أكثر جنوحا واختلالا ، وما تزال الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، تنزف عرقا ودما ، تحت صخور أعبائها وأوضاعها ، بل ما تزال مصر نفسها تتحرك فوق منحدر حاد ، مدفوعة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية ذاتها لمدرسة " شيكاغو " ، وكأن " نظيف " و " غال ي" و " محيي الدين " ما يزالون في قلب الحكومة ، أو كأن " جمال مبارك " ولجنة سياساته ، ما تزال تفرض سطوتها على الدولة .
• والمدهش – ثانيا – أن اسم القانون لا مضمونه ، قد تعرض للتغيير مرتين ، فقد قُدم في البداية على أنه قانون جديد للطوارئ ، ثم أنحنى أمام عاصفة الرفض ، فغُيّر اسمه إلى قانون حماية المجتمع ، ثم كان هناك من ارتأى من باب التسويق السياسي ، أن إضفاء اسم الثورة ومكتسباتها ، سوف يقلل من فاعلية عواصف رفضه ، ولم تعد المحاولة على هذا النحو تدخل في باب التسويق ، وإنما في باب الغش التجاري أو السياسي كما تشاء ، حيث يكفي لتسويق سلعة قديمة ، أن تضفي عليها اسما براقا جديدا ، أو أن تعيد تغليف سلعة انتهت صلاحيتها ، بأوراق فضفاضة ، وأوصاف وصلاحيات مستجدة .
• والمدهش – ثالثا – دون تفصيل ، أن مضمون القانون ذاته ، لا يخرج عن كونه ، محاولة لسنّ أسلحة جديدة ، لمواجهة من يطالبون بتحقيق مكتسبات الثورة ، ومن يرفضون حرية الاستغلال ، وفي المحصلة فإننا باسم الحفاظ على مكتسبات الثورة أمام أسلحة قانونية صدئة ومشرعة ، لذبح الحقوق والحريات الأساسية ، وانتهاك معايير المحاكمات العادلة ، أي لإيقاف عجلة الثورة عن الدوران ، أو في الحقيقة أمام توظيف القانون سلاحا لمحاصرة قلب الثورة المحتقن ، وكأن أهداف الثورة جميعها قد تحققت ، وإنجازاتها قد اكتملت ، بأن أحلّت " الجماعة " نفسها محل النظام السابق ، وينبغي أن يُمنع من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه سعيها الجامح ، أن تحل نفسها محل الدولة ، فقد انتقلنا من مرحلة استلاب الدولة إلى مرحلة خصخصة الدولة .

▲▲▲

تشتبك تلك الظواهر السابقة كلها ، مع ذلك السعي الدءوب من قبّل " جماعة الإخوان " ، لتجريد القضاء بأساليب ملتوية من وظيفته ودوره وسيادته ورموزه ، والتي كانت أوضح معاركها ، تلك المواجهة السافرة مع النائب العام المستشار " عبد المجيد محمود " ، والتي استخدمت فيها كل أسلحة الإكراه المعنوي ، والابتزاز الآدمي ، واختلاق الوقائع ، واستخدام أساليب الغش والدس والإدعاء .

والحقيقة أن استغلال المشاعر الشعبية ، التي أحاطت بأحكام قضية " موقعة الجمل " ، لعزل الرجل وإزاحته عن موقعه لا يمكن وصفه بأقل من أنه يعكس حالة من الدونية السياسية ، بقدر ما يعكس حالة مزمنة من الانفصام والازدواجية ، يغلب عليها طابع التلفيق والإدعاء .

لقد خرج المتحدث الإعلامي باسم الجماعة ، في أعقاب إعلان قرار تعيين النائب العام سفيرا بالفاتيكان ، في برنامج تليفزيوني مفسّرا القرار بأنه " كارت أصفر أصدره الرئيس لكل من تسوّل له نفسه أن يفسد في هذا البلد " ، ومعلوماتي الأكيدة أن " عبد المجيد محمود " لم يُفسّد في هذا البلد ، ليوجه إليه كارت أصفر ، حرّض عليه بعض ممن يفسدون في هذه الدولة .

وإذا كان المتحدث باسم الفاتيكان ، قد خرج ليؤكد أن اسم " عبد المجيد محمود " قد أرسل إليهم قبل أسبوعين ، فقد خرج المتحدث باسم الخارجية المصرية ، لينفي ما أكده الفاتيكان ، وهو ما يعني في أفضل الأحوال ، أن الخارجية المصرية ، لا صلة لها بالموضوع ، ولا معلومات لديها عنه ، أما عندما قال الأستاذ " رجائي عطية " – وهو رجل صادق القول والعزم – أن لديه معلومات مؤكدة أن " مرسي " ناقش خلال زيارته لإيطاليا ، إمكانية تعيين النائب العام سفيرا في الفاتيكان ، فقد التزمت الخارجية والرئاسة الصمت معا ، بينما انصرف جهد الفريق الرئاسي ، إلى التراجع غير المنظم ، بتبريرات تشبه تغطية جثمان حادثة في الطريق العام ، باستخدام أوراق الجرائد .

والحقيقة بغض النظر عن تفاصيل أخرى ، تستحضر الضحك ، مع أنه ضحك كالبكاء ، أن أولئك الذين يوجهون أسلحتهم الثقيلة ، نحو المؤسسة القضائية في مصر ، يضعون أنفسهم على الضفة الأخرى من نهر التاريخ الوطني ، وعلى الجانب الآخر من الوجدان الوطني العام ، لأنهم لا يدركون أولا أن القضاء المصري ، قد نشأ في أحضان الوطنية المصرية ، وأنه ولادة ونشأة واكتمالا ، لم يقدّر له أن ينفصل عنها يوما واحدا ، في تاريخه المجيد ، ولا يدكون ثانيا ، أن العدل ظل الضالة الحقيقية للمصريين ، فقد ظلوا عبر تاريخهم الطويل ، يحاذون نيلهم العادل ، ويسيرون إلى جواره ، فلا شئ في ضمائرهم أكثر رسوخا من قيمة العدل ، ولا شئ في وجدانهم أكثر وضوحا من معنى العدل ، ولم يكن ابتكار الميزان في عمق الحضارة المصرية القديمة ، ونحته ووضعه رمزا للحساب في الدنيا والآخرة ، إلا تجسيدا حيّا لنزوعهم الآثر إلى العدل ، الذي لا معنى يعلوه في قلوبهم ، أو يعلو عليه في ضمائرهم .

▲▲▲

فيما أحسب ، فإن هذه الموجات الإخوانية المتتابعة ، التي تسعى إلى إحلال الجماعة محل الدولة ، إنما تقذف حممها في كل مرة ، إلى القواعد التاريخية للدولة الوطنية المصرية ، استنادا إلى قناعات لا تتسم بالعقلانية أو الرشاد ، وهي تسعى في الوقت ذاته ، إلى تصدير هذه القناعات إلى الرأي العام ، مستهدفة خلخلة البيئة السياسية والفكرية في المجتمع ، لفرض استسلام غير مشروط عليها ، وأولى هذه القناعات التي يبدو أنها سكنت عقل الجماعة ، أن المصير الوطني قد تم حسمه بشكل نهائي ، وأن مصر قد سقطت إلى الأبد بين أصابع الجماعة ، وأن بمقدورها أن تعيد تشكيلها كأنها قطعة من الصلصال ، وتأتي هذه القناعات أن المبادرة السياسية قد انتقلت كليا إليها ، وانتزعت من أيدي القوى السياسية والاجتماعية ، وأن بمقدورها بالتالي أن تفرض عليها ، رؤيتها وأهدافها ومناهج عملها ، وأن أقصى ما في مقدور هذه القوى السياسية ، بحكم هشاشة أوضاعها ، وانقسام تياراتها أن تجأر بالشكوى ، أو أن ترضى مرغمة ببعض الفضلات التي تلقى إليها ، أو أن تختار مواصلة النباح على أرصفة الطريق ، وثالث هذه القناعات ، أننا أمام شعب سهل المراس ، رقيق الوجدان ، تطوعه الكلمات الطيبة ، وتهدأه حبات الأسبرين ، فضلا عن أنه شعب متعب ومكدود ، أنفق عامين تحت شجرة الثورة ، ينتظر من يهزها لتتساقط ثمارها في حجره ، وقد طال انتظاره دون جدوى ، ولهذا يكفيه أن يستظل بالشجرة ، دون أن يأكل منها ، ورابع هذه القناعات ، أن خطاب الطمأنة ليس بديلا عن خطاب التخويف ، ولهذا عندما تقل فاعلية الأول ، ينبغي توظيف الثاني بقوة وحسم ، وقد تم توظيف الثاني بقوة وحسم فعليا ، أمام دوائر المحاكم ، وفي ساحة الميادين والتجمعات ، كما تم توظيفه في معركة النائب العام ، وكان وجوده حاسما في معركة انتخابات الرئاسة ، عندما كان التهديد مرسلا بحرق البلد إذا لم تأت النتيجة كما تشتهي الجماعة .

وما زال صدى الخطاب موجود إلى الآن في قاعات المحاكم ، ففي الجلسة الأخيرة لدائرة نظر الطعن في الجمعية التأسيسية للدستور ، كان محامي الإخوان المسلمين يمارس بالهتاف كل ما من شأنه استفزاز القاضي ، ونعت القضاء بالفساد ، بل والتهديد بأن صدور حكم بحل الجمعية التأسيسية ، سيترتب عليه إحراق مصر ، وخامس هذه القناعات ، أنه كلما تم القبض على أدوات السلطة ، وبناء ترسانة جديدة من قوانين الضبط الاجتماعي ، كلما جرت مهمة الاستحواذ والإحلال بسهولة ويسر ، وكلما جرت تحت سقف القانون ، وهكذا أشرعت أسلحة القوانين المسلوقة الجديدة ، من قانون " الأزهري " الذي يكبح جماح الطبقة العاملة ، ويفرغ النقابات المهنية من أهدافها ، إلى قانون حماية مكتسبات الثورة ، الذي يطوق الحركة الجماهيرية ، ويأد روح التمرد والعصيان ، ويطهر الحياة السياسية من المعارضة ، إلى كل المحاولات المبذولة ، أو إن شئت المبتذلة ، في مسودة الدستور ، التي تسلب المحكمة الدستورية العليا اختصاصاتها الجوهرية ، وتنفي استقلالها ، أو على حد تعبير المستشار البحيري رئيس المحكمة ، الذي رأى أن " النصوص التي وردت في المسودة مبهمة وغامضة وملتبسة المقاصد ، وتمثل جورا على اختصاصات المحكمة ، وتعتبر ردّة إلى الوراء " ، والأمر نفسه بالنسبة لهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية ، الذي واصل المستشار الغرياني مساعيه المشكورة وضغوطه العلنية ، بعد أن تلاعب بالتغيير فيما أقرته لجنة نظام الحكم ، لنفي الصفة القضائية عنهما ، وسادس هذه القناعات ، أن التقدم إلى الأمام للاستحواذ على الدولة ، ينبغي أن يتم بقوة و سرعة ، فالحركة إلى الأمام ، قد تغطي على حجم الفشل ، وقد يمكنها أن تدفن قضايا واتهامات ما تزال معلقة ، إضافة إلى أن الحليف الأمريكي ، مشغول بما يجري في داخله ، وغيره مشغول بما يتفجر في تربة الإقليم ، وكل ذلك باليقين مردود عليه ، وإن كان الجهد لا يتسع الآن والمساحة لا تكفي .

▲▲▲

لقد قرأت مسودة الدستور ، التي أخرجت على عجل ، في محاولة ليمتد تأثر إخراجها المتعجل ، على حكم محكمة القضاء الإداري بخصوص الجمعية التي أنتجتها ، وأشهد أمام الله ، أنني لم أقرأ نصا به هذا القدر من الاعتلال القانوني ، والفقر اللغوي ، ومن المؤكد أن هذا النص يحتاج إلى وقفة مراجعة متأنية ، ومن المؤكد أن كثيرا من بنوده ، تحوي ألغاما ومتفجرات ، ولكن أكثر ما أصابني بالفزع حد الانفجار ، هو المادة رقم " 149 " والتي يقول نصها : " يعين رئيس الجمهورية الموظفين العسكريين ويقيلهم " .

إن هذه ليست مادة دستورية ، تستقى منها قوانين تنظيم العلاقة بين السلطة التنفيذية ، وبين المؤسسة العسكرية الوطنية ، ولكنه كمين إخواني غير مسبوق ، في دساتير الدنيا كلها ، يمنح شخصا على قمة السلطة التنفيذية ، صلاحية مطلقة بغير حدود ، لأن يتصرف في أوضاع الجيش وفي مصائر قادته ، وضباطه ، وجنوده ، كيفما اقتدت إرادته ، بل إنه يحول هذه الإرادة إلى سيف مسلط على رقبة الجيش ، من قائده العام إلى أصغر جندي في بنيته ، دعك حتى من تصغير المهمة الوطنية الملقاة على رجال الجيش ، في الدفاع عن الكيان الوطني ، وعن أمنه القومي ، وهي أكثر المهام رفعة وشرفا ، ومن تصغير أدوار أصحابها ، بوصفهم مجرد موظفين عسكريين ، ولكن باب المادة المفتوح من ناحيتيه ، يسمح للرئيس أيا كان بإدخال ميليشياته وعشيرته من هذا الباب ، إلى قلب الجيش ، كما يسمح له بإخراج من يشاء من قادته وضباطه ، وقت أن يشاء ، والشاهد في ذلك أننا أمام نص مفتوح ، يشكل عدوانا صريحا على المؤسسة العسكرية ، يكتمل به العدوان الصريح ، على المؤسسة القضائية ، وكلاهما يشكل معْولا في هدم الدولة الوطنية ، وفي إحلال الجماعة محلها .

لقد كنا نصف محاولات إخراج الجيش من المعادلات السياسية والإستراتيجية للبلاد ، بأنه تخفيض لوضع الجيش إلى مستوى المرافق العامة ، كمرفق المياه والكهرباء ، لكننا مع هذا البند نصل بالجيش إلى مستوى أقل شأنا ، من مرفق الصرف الصحي ، الذي لا يمنح الدستور أو القانون ، رئيسه حق إقالة أو تعيين من يشاء فيه خارج قوانينه ولوائحه الذاتية ، ولهذا وبالمطلق ، فهذا بند لا ينبغي أن يسمح له بالمرور ، أيا كانت التكلفة ، وأيا كانت التبعات .

ولما الدهشة من منهج الإحلال ، إذا كان نائب وزير المالية ، لم يجد ما يعلي به من شأن قرض صندوق النقد الدولي ، إلا أن يصفه بأنه تعبير عن تنويع مصادر التمويل ، لننتقل دفعة واحدة من منطق تنويع مصادر السلاح ، إلى منطق تنويع مصادر الديون .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :