تعرية مصر بتغطية تركيا     


تلك المؤامرة الغربية على الإسلام :
(4) تعرية مصر بتغطية تركيا

بقلم : أحمد عز الدين
email: ezz@ahmedezzeldin.com
web: ahmedezzeldin.com
لا أعرف كيف سمح فريق من السياسيين المصريين لنفسه ، بأن يرى في دعوة قطر لتدخل عسكري عربي في سوريا ، يقوم بالضرورة على أكتاف الجيش المصري ، وهو ما تبقى متماسكا من جيوش العرب ، موضوعا قابلا للطرح أو البحث ، وإذا كان مرد مثل هذه الرؤية ، سوء فهم ، فأقل ما توصف به أنه تنطوي على عمى استراتيجي كامل ، أما إذا كان مردها سوء نية ، فأقل ما توصف به أنها تعكس امتدادا طبيعيا لظاهرة الاختراق الأجنبي ، وقد اتسعت دوائرها في مصر إلى حدود غير مسبوقة .

أقول ذلك لأن أهم عناصر القوة في صياغة سياسة وطنية ، هو إدراك قيمة الأمن القومي على جانب ، ووضوح مفاهيمه على الجانب الأخر، ويبدو لي في كثير مما يقال من فوق منابر عالية ، أن هذا الإدراك ما يزال غائما ، وأن ذلك الوضوح ما يزال غائبا ، غير أن المسألة برمتها تثير عدة قضايا غارقة في التجهيل والضباب ، ربما عن قصد وربما عن غفلة ، حتى أن الوضع يبدو وكأنه مقلوب نظرية " كلاوزفيتز " أستاذ المدرسة البروسية في علم الحرب ، فلم تعد الحرب امتدادا للسياسة بوسائل أخرى ، وإنما غدت السياسة امتداد للحرب بوسائل اخرى .

وأول هذه القضايا على سبيل التحديد ، هو قرار الحرب ، وموقعه في نظرية الأمن القومي ، وبالتالي في بنود الدستور الجديد ، وثانيها الحالة السورية ، واستشراء جرثومة التفكك ، في إطار الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم ، وثالثها الوظيفة الإقليمية التركية الجديدة ، تحت صيحة وشعار العثمانيين الجدد ، المندمجة حد التوحد في الاستراتيجية الأمريكية ، وهي تترنح في الإقليم .

▲▲▲

أما عن وضع قرار الحرب في نظرية الأمن القومي ، وفي الدستور ، فحسبنا أن نستعيد عملية صنع قرار الحرب ، في عام 1948 ، أدواتها ووسائطها ونتائجها الفاجعة ، التي أنجبت زلازل غيرت من خرائط الإقليم كله ، ثم تفاعلات هذه النتائج الفاجعة ، التي ما تزال ممتدة بعد أكثر من ستة عقود متصلة ، ولم يكن للجيش المصري أي دور في عملية صنع قرار الحرب في عام 1948 ، فقد كان القرار بحكم ما احتواه الدستور يكاد أن يكون ملكا خالصا للملك ، باعتباره القائد الاعلى للقوات المسلحة ، مشفوعا بعد ذلك بموافقة البرلمان الذي لم يخرج دوره بحكم عوامل عديدة ، عن إضفاء مشروعية شعبية ناقصة عليه .

لم يكن تدخل الجيوش العربية ممكنا بدون أن يتدخل الجيش المصري ، بينما كانت مصر قد قررت عدم الزج بالجيش في الحرب ، وأبلغت الدول العربية بذلك ، وبدا النقراشي رئيس الوزراء المصري في اجتماع اللجنة السياسية للجامعة العربية في بيروت ، أشد المسئولين العرب حماسا لعدم اشتراك الجيوش في القتال ، والاستعاضة عنها بمتطوعين مدربين ومسلحين ، وعلى الجانب الداخلي كان النقراشي مصرا ألا يلجا للقوة المسلحة ، حتى لا يدفع الجيش المصري إلى حيث تكون القوات البريطانية المرابطة في منطقة قناة السويس وراء ظهره ، بل كان توجيه الحكومة المصرية لمندوب مصر الدائم في الامم المتحدة ، الدكتور محمد فوزي ، حسب وثائق الخارجية المصرية ، 18/2/1948 بالنص : ( إن الحرب الأهلية في فلسطين تشتد يوما بعد يوم ، فغذا تدخلت أية قوة أجنبية في النزاع ، فإن دول الجامعة تتدخل فيه هي الأخرى بكل وسائلها العسكرية والاقتصادية ) وظل القرار المصري حتى يوم 11 مايو 1948 ، يعبر عن نفسه في إطار قناعة راسخة بعدم تدخل الجيش المصري ، لكن المفاجئة كانت حاضرة في صباح اليوم التالي 12 مايو ، حين دخل النقراشي على الدكتور حسين هيكل رئيس مجلس الشيوخ ، طالبا منه عقد جلسة سرية للمجلس ، كي تعرض الحكومة عليها قرارها بدخول القوات المصرية إلى فلسطين لقتال اليهود ، وعلت الدهشة وجه رئيس المجلس ، وتدافعت أسئلته قبل أن تنعقد الجلسة السرية في صباح اليوم التالي 13 مايو 1948 ، لمناقشة موضوع دخول الجيش المصري فلسطين ، بينما كانت قوات الجيش قد اجتازت الحدود المصرية بالفعل ، بأوامر مباشرة من الملك دون علم رئيس الوزراء ودون انتظار لقرار البرلمان ، وفي تلك الجلسة السرية ، أكد رئيس الوزراء على أتم استعداد لمواجهة الموقف ، وأنها ستنتصر على اليهود لا محالة ، وتمنع بذلك قيام الدولة اليهودية ، وتدخل بعض أعضاء اللجنة محذرين من أن المسئولية جسيمة ، وأنه بذلك يدفع المجلس إلى إتخاذ القرار ، وذكر بعضهم أن عتاد الجيش ليس بالقدر الذي يخوض به المعارك ، ولكن رئيس الوزراء نفى كل سبب للتردد ، مؤكدا أن الجيش المصري وحده بجنوده وعتاده قادر من غير حاجة إلى أي معونة من الدول العربية الأخرى ، على أن يدخل تل أبيب في خمسة عشر يوما ، وإذا كان إسماعيل صدقي في هذه الجلسة ، هو أكثر المعارضين لدخول الجيش الحرب ، مستندا على رؤية قريبة له كرئيس وزراء سابق ، فإن فؤاد سراج الدين وقد حضر الجلسة كممثل للمعارضة الوفدية ، كان أكثر المتحمسين خارج صفوف الحكومة ، غير أن السؤال : ما الذي تغير خلال ساعات ليتغير القرار المصري والعربي على هذا النحو ، إن رئيس مجلس النواب نفسه وهو يبحث عن تفسير لاستحصال رئيس الوزراء على موافقة البرلمان ، على دفع الجيش إلى الحرب ، بعد أن عرض عليه معلومات غير دقيقة قد انتهى إلى أحد أمرين : أن رئيس الوزراء أراد بذلك تغطية الملك ، أو أنه أراد بذلك اعتبارات أخرى تتعلق بالوضع الداخلي في البلاد الذي يدعو إلى كثير من القلق والحذر والتفكير ، ووفق شهادة عبد الرحمن عزام ، فإن إنجلترا لجأت إلى موقفين متناقضين ، او ظهر في الحقيقة أنهما كذلك ، تخويف على الورق للدول العربية من دخول الحرب ، لاستخدامه إذا تمت الحاجة إليه في المستقبل ، وتحريض بكلمات مباشرة ومن خلال اتصالات مباشرة على دفع القوات المصرية لدخول الحرب ، مع وعود مبذولة بالمساعدة ، غير أن الأهم في ذلك كله أن قرار الحرب ، قد تم تمريره بمعلومات غير دقيقة ، وبخلفية غير شفافة ، في مجلس النواب ثم كان ما كان ، والدلالة الواضحة التي ينبغى ألتقاطها من عملية صنع قرار الحرب في عام 1948 بالزلازل التي أنجبها والنتائج التي ما تزال تفاعلاتها تتحرك بقوة في بيئة الإقليم ، تحتم أن تمر عملية صنع قرار الحرب في الدستور الجديد ، من خلال رؤوس مثلث متساو الأضلاع ، هي الرئيس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والبرلمان ، حماية لعملية صنع القرار من أي متغيرات في بنية السلطة السياسية ، وفي توجهات نظام الحكم ، وفي قواعد ومفاهيم الأمن القومي ، وهو أمر لا يقتطع من صلاحيات أحد ، ولكنه يحمي المركَب التاريخي المصري من الانزلاق ، نحو مغامرة مفروضة أو غير محسوبة .

▲▲▲

أما بشأن الحالة السورية والدور التركي ، فهما متداخلان إلى حد أصبح فض الاشتباك بينهما أقرب إلى الاستحالة ، حيث أصبح مستقبل المشروع التركي كله ، ومستقبل الحزب الحاكم في تركيا ، بل ومستقبل الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم ، معلقون جميعا بحسم الصراع في سوريا ، أو على وجه أدق الصراع على سوريا ، أي إسقاط النظام السوري ، أيا كان الثمن وأيا كانت الأدوات .

والحقيقة أنني لا أعتقد ، ان وراء هذا الإصرار الجامح على إسقاط النظام في سوريا ، وهو إصرار يطل بوجه إنساني عطوف ، وديمقراطي عميق ، وإسلامي أصيل ، ولكنه لا يشف عن نزعة إنسانية أو انحياز ديمقراطي أو عن عقيدة إسلامية ، وإنما يشف عن نزعة إمبريالية تركية ، تحركها مصالح استراتيجية إقليمية ودولية ، تلعب تركيا فيها الدور التنفيذي الميداني ، أو قل رأس الرمح إذا صح التعبير ، ولا مراء في أن الخطاب التركي ، يحمل ظاهرا وباطنا في كل ما يصدر عنه ، والأمثلة ليست معدودة ، ولكنها ليست محدودة ، فعندما اعترضت تركيا على سبيل المثال على انتخاب " راسموسن " أمينا عاما لحلف الأطلنطي التي هي عضو فيه ، صدر الاعتراض في خطاب علني ، مستندا إلى أنه ينتسب إلى دولة الدنمارك ، اليت سمحت لصحفها بنشر رسوم مسيئة للنبي الكريم ، ثم تبين أن مصدر الاعتراض على راسموسن كدنمركي ، لا علاقة له بالنبي الكريم ولا بالرسوم المسيئة له ، وإنما كان سببه الوحيد هو سماح الدنمرك لحزب العمال الكردستاني بقناة تليفزيونية تبث من فوق أراضيها ، وعندما وافقت تركيا على نصب درع صاروخي أمريكي على أراضيها ، بررت ذلك بأن موافقاتها تمت لأن الدرع موجه لحماية اليونان وبلغاريا ورومانيا ، بينما كان في الواقع العملي موجه لحماية القواعد الأمريكية من الصواريخ السورية والإيرانية .

وحتى على المستوى التطبيقى العملي ، لما هو معلن فإن التنافر صفة أصيلة بين الأقوال والأفعال ، فعندما أعلنت تركيا أنها تسعى إلى تخفيض الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها ، وقررت إدارة أوباما إغلاق قاعدة أزمير على بحر إيجة ، توفيرا للنفقات ، سرعان ما تقدمت هي بطلب إلى الإدارة الأمريكية لاستمرار عمل القاعدة ، كي تستمر في الحصول على أجر أستئجارها ، بقدر ما شاركت في جمع مفردات نشيد الحرب على ليبيا ، بقدر ما تراجعت في اللحظات الأخيرة عن المشاركة الفعلية في أعمال القتال ، رغم عضويتها في حلف الأطلنطي ، بعد أن تبينت أن مصالح 600 شركة تركية تعمل في ليبيا قد تعاني من الأضرار ، إذا انتهت نتائج الحرب دون أن تحقق أهدافها ، وقد دفعت بعد ذلك الثمن بتقليص نصيبها من الكعكة الليبية إلى الحدود الدنيا ، وقد يكون ثمة جانب في ذلك هو الذي جعل موقفها أكثر جموحا تجاه سوريا .

في 3/4/2006 كان أردوغان يتحدث لنا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير ، وعن دور تركيا فيه قبلها بعام واحد كانت أمريكا حسب موقع ويكيليكس والواشنطن بوست ، قد أخذت في تمويل المعارضة السورية بعدة ملايين من الدولارات ، وفي التوقيت ذاته كانت بعض التقارير الغربية تشي بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أعطت تركيا تعهدا بمنحها دورا في المشرق العربي ، وبالتحديد على صعيد أنظمة الحكم الجديدة ، التي سيجري تهيئة البيئة لولادتها في سوريا ولبنان والدولة الفلسطينية المفترضة ، لكن اللافت للنظر حقا أن العام ذاته 2005 كان جسرا للتحول في العلاقات التركية السورية ، فقد أخذت تركيا في تعميق علاقاتها جذريا مع النظام السوري ، حتى وصلت إلى صيغة أقرب إلى التحالف سياسيا واقتصاديا ، وفي العام نفسه ، كانت هناك إشارات قوية إلى أن النظام السوري قد تغاضى عن مسألة حقوق سوريا التاريخية في الأسكندرونة ، موجب اتفاقية خاصة غير معلنة ، وبموجب التحالف الجديد ألغيت الحدود بين البلدين وتدفقت التجارة ونشطت حلب ، ووصل النبض إلى قلب دمشق القديمة ، وقد ادى هذا التحالف بصيغه الاقتصادية إلى عميق الشروخ الاجتماعية في سوريا ، فقد ترتب عليه الإغالة في سياسة اقتصادية ليبرالية مجحفة ، أدت إلى بناء طبقة رأسمالية متخمة ، من خلال المضاربات والأرباح التجارية والتهريب ، بينما لحقت أضرار واسعة بالطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، كما انهارت معها قطاعات بعينها من بينها الزراعة ، وهي مصدر الحياة في درعا وحوران ، وعموما فقد أصبحت الضغوط الاقتصادية عاملا خانقا للقواعد الشعبية خاصة في التخوم والأطراف .

وفيما أحسب فقد كانت تلك أول صنارة تمسك برأس النظام بعد أن تم جره على اقتصاد السوق ، بما يتناقض فعليا مع دوره وشعاراته عن المقاومة وعن الاشتراكية ، فقد تم تقزيم دور الدولة ، وتراكمت أعداد العاطلين عن العمل دون سن الثلاثين ، حتى شارفت نسبة الخمسين بالمائة وانطوى ثلث السكان تحت خط الفقر ، وهكذا بأدوات طبيعية تم خلق بيئة قابلة للغضب والرفض والتمرد ، وهكذا أيضا كانت بداية التظاهرات الغاضبة بمضاعفات التأثيرات السابقة في الأطراف ، وفي أكثر المواقع فقرا ، وتضررا وحاجة ، وفي مناطق يتصادم فيها نمو السكان مع انكماش رقعة الزراعة ، ثم كانت الصنارة الثانية بعد الانفجار السلمي في البداية ، هو انغلاق العقل الأمني ، الذي أطفأ اللهب بإلقاء مزيد من الوقود عليه ، لتتسع الدائرة وتصبح قابلة لتوظيفها صنارة ثالثة بشحنها عبر الحدود ، ليتحول التظاهر السلمي إلى تمرد مسلح .

▲▲▲

في المرحلة التالية بعد أن تم خلخلة البيئة في الأطراف السورية ، أصبحت البوابة التركية هي أكثر الجسور تأهيلا لعبور صنوف عديدة وصفوف طويلة من المقاتلين الأجانب إلى داخل سوريا ، ولم يعد الأمر في وجهه المباشر أمر ثورة وطنية تريد إزاحة نظام لا تريده ، وإنما أمر تحالف إقليمي ودولي غير معلن له مصالح استراتيجية ، تتجاوز النظام إلى الكيان السوري ذاته ، ووفق التقديرات الغربية فإن أعداد المقاتلين المنتسبين إلى تنظيم القاعدة وحده داخل سوريا ، قد بلغ قبل شهرين 27 ألف مقاتل ، بينما يتواجد في الدائرة ذاتها 12 تنظيما إسلاميا جهاديا ، تقوم بعمليات عسكرية سرية داخل المدن والبقاع السورية ، رغم ما بينها من خلافات عقائدية ، حتى باتت هذه التنظيمات عاملا أساسيا ولاعبا مركزيا في الأزمة وفي تداعياتها وفي مستقبلها ، إلى جانب تنظيمين سلفيين جهاديين سوريين هما " جبهة النصر " و " كتائب أحرار الشام " وكلاهما دعم قوته بأعداد كبيرة من العناصر الجهادية التي تدفقت عبر الحدود ، من العراق والأردن ومصر ومؤخرا من الكويت .
وفي الواقع فقد تشكلت حول الأزمة السورية شبكة دولية ، متعددة الأذرع والأطراف ، هدفها توفير ودفع أكبر عدد من المجموعات الإرهابية المسلحة والمنظمة التي تعمل تحت أمرة الجهاد العالمي وتسليحها وتوظيفها للعمل داخل الساحة السورية ، وهي شبكة تضم ضباط مخابرات متعدد الجنسية على الحدود ومعسكرات وخبرات عسكرية أجنبية للتدريب ، ووحدات لشراء السلاح من السوق السوداء ، ومصادر تمويل مفتوحة الأبواب ، أما العمل في الداخل فهو متشعب بين وحدات مختصة لتوفير الدعم للمقاتلين مهمتها تهريب الأفراد والسلاح والعتاد ووحدات مدربة على حرب العصابات ، وتوجيه الضربات إلى وحدات الجيش وقوات الأمن ، وأخرى مسئولة عن القيام بالتفجيرات والسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية ، وحسب بعض التقديرات فقد ارتفعت نسبة الهجوم بالمتفجرات منذ بداية العام إلى الشهر الماضي 160% ، بينما ارتفع معدل التفجير بواسطة السيارات المفخخة إلى تفجيرين في الأقل أسبوعيا ، وعلى العموم فإن الصورة العامة داخل سوريا وعلى تخومها وحدودها ، باتت أقرب إلى الصورة الأفغانية ، خلال فترة تنظيف الجماعات الجهادية لدفع الجيش السوفييتي إلى الخروج من أفغانستان ، والتي كانت إحدى مساهامتها التاريخية التالية على الخروج السوفييتي ، هو زرع طالبان فب البيئة الأفغانية وانبثاق تنظيم القاعدة ، الذي تم تحويله إلى عدو بديل تحت اسم الحرب على الإرهاب ، لذلك ليس دقيقا ما قاله "ديفيد أجناشيوس " في الواشنطن بوست من أن الهدف هو فتح بؤرة مواجهة في المنطقة تخفف الضغط على الأنظمة التي تعادي التغيير ، أو التي تريد أن تصدر أدوات التغيير إلى خارجها ، أو أن الممولون في الخليج يريدون قتال الشيعة على مسافة أبعد من البحرين أو القطيف ، رغم أنه قد يكون صحيحا أننا بصدد معركة طائفية سامة من النوع الذي دمر العراق ، لكنني أعتقد أن هذه العناصر السابقة هي مجرد بقع جزئية في لوحة استراتيجية أوسع حدودا وأهدافا ، تتطابق حوافها مع تخوم الإقليم كله .

غير أن المتغير الحقيقي الذي يوسع دائرة حسابات الاحتمالات في الوضع الإقليمي ، والذي يمكن أن يقود غلى تحولات مفصلية ، هو فشل هذا النمط من نقل الحروب بين الدول ، إلى الحروب داخل الدول ، في إحداث التغيير الذي ينشده الغرب وحلفاؤه في سوريا ، رغم توسيع دوائر المواجهة ووسائط القتال وأعداد المقاتلين المبعوثين .

لقد كان يوم التفجير الكبير في دمشق الذي أودى بحياة عدد من القادة العسكريين والسياسيين ، في مقر الأمن القومي السوري ، هو ساعة الصفر للإجهاز على النظام ، وقد كان إلى جانب مجموعة الاقتحام والتفجير ثلاثة ألاف مقاتل وزعوا في دوائر متتالية داخل دمشق وحولها ، وقد كان الهدف المباشر بعد التفجير وماتلاه من تفجير تال ، ثم ما تلاه من إعلانات تليفزيونية سابقة التجهيز ، عن تمرد فرقة من الحرس الجمهوري ، وبث حالة فوضى شاملة في دمشق ، تنتهي على نحو طبيعي بسقوط النظام ، ومع أن تفجير مقر الأمن القومي السوري ، بلغ درجة عالية من التخطيط والحرفية ، إلا أن دمشق ظلت على حالها ، فخلال ساعتين بعد التفجير كانت وحدات الجيش السوري قد تمكنت من قتل 2700 من القوة المسلحة ، ولم يتمكن من الفرار غير 300 من أفرادها .

من أجل ذلك وغيره ، تبدو تركيا أكثر عصبية وأضيق صدرا ، ومن أجل ذلك وغيره ، ارتفع صوت قطر في الامم المتحدة ، مطالبا بتدخل عسكري عربي يطيح بمعادلات الأمن القومي العربي إلى غير رجعة ، ومن أجل ذلك وغيره جرى الحديث سجالا عن تدخل الجيش المصري ، ولعله صنف غير مسبوق من الجنون ، أن يتقاتل جيشان عربيان على مذبح استراتيجية غربية ، تلعب فها قطر دور الراعي الرسمي ، وتلعب فيها تركيا دور رأس الرمح المسموم ، ومن أجل ذلك وغيره ، صدر قبل أيام قرار الخارجية الأامريكية بإخراج منظمة مجاهدي خلق من قوائم المنظمات الإرهابية ، تأهيلا لدفعها لتحسين الموقف المتزعزع للمقاتلين المبعوثين ، وهو أمر ستكون له لو كانوا يعلمون مخاطر جسيمة ، وتداعيات إقليمية كبيرة ، وتفجيرات جديدة أوسع من حدود سوريا ومن حدود تركيا .


▲▲▲

يظل الحديث موصولا بعد ذلك بتفتح تلك الحاسة العثمانية التركية ، ودورها في إطار الاستراتيجية الأمريكية ، التي يجري العمل على وضعها بالقوة الجبرية موضع التطبيق ، لكنه ليس صحيحا ولا مقبولا أن يوضع الإسلام في تناقض مع الأمن القومي ، ولا أن يوظف الإسلام قناعا لتمرير نزعة إمبراطورية للهيمنة والسيطرة ، فالشام إيها السادة إذا كنتم لا تعلمون هو العقدة الاستراتيجية ، التي تلتقي فيها جميع المخاطر المتجهة إلى مصر. .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :