افتتاحية الحرب الجديدة ضد " الإرهاب " !!     

تلك المؤامرة الغربية على الإسلام(2): افتتاحية الحرب الجديدة ضد " الإرهاب " !!

بقلم : أحمد عز الدين

Email: ezz@ahmedezzeldin.com
Site: ahmedezzeldin.com

تتداخل الخطوط في هذا المشهد المضطرب حد الذوبان ، فلم يعد مشرط الجراح كافيا لفصل ما هو حقيقي فيه عما هو زائف ، وما هو من أعمال الطبيعة الإنسانية عما هو من أعمال الطبيعة الشيطانية ، ولذلك تتعدد التفسيرات ، وهي تطل على هذا المشهد المشبع بالغضب والعنف والكراهية ، والذي يصعب وضع تفسير وحيد له كرد فعل تلقائي وعفوي ، على مقاطع من شريط سينمائي مبتذل الرؤية ، متدني الصنعة ، شاذ القيم ، معاديا ومجرحا لما يدخل في صلب عقيدة الإسلام العظيم ، ومكانة نبيه الكريم ، وكأنه رأس حربة مسمومة ، تم غرسها مع سبق الإصرار والترصد ، في جرح غائر لا يريد له الآخرون أن يلتئم .

مع ذلك فإن المشهد بمجمله هو محصلة تفاعل ، بين عوامل مركبة تتوزع بين جانبين : الولايات المتحدة الأمريكية ، إدارة وتوجها استراتيجيا وبيئة سياسية ، على مشارف انتخابات رئاسية ، والبيئة الجديدة التي أنتجها ما يسمى بالربيع العربي ، قوى حاكمة ، وتوازنات ازدادت اختلالا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا .

▲▲▲

على الجانب الأول المتعلق بالبيئة الأمريكية ، فإن تفسير المشهد يتوقف على شرفة النظر ، وما إذا كانت الإطلالة عليه ومحاولة استبيان عمقه ، تتم من ناحيتنا أو من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية :

أولا : من ناحيتنا ومن زاوية رؤية خاصة ، فإن المشهد يضعنا عنوة في وجه تفسير أولّي محدد ، وهو أننا أمام توجه مخطط ، يكاد أن يكون عنوانه الرئيسي ( إحياء 11 سبتمبر ) ليس بالمعنى الاحتفائي أو المعنوي ، وإنما بالمردود الأمني المباشر ، أي استحضار المخاوف والمخاطر والتهديدات ، التي جسدها حدث 11 سبتمبر ، إلى الذاكرة الأمريكية العامة ، وهو ما يعني وضع الجمهور الأمريكي ، في توجهه الانتخابي ، تحت ضغط الحدث ، بحيث يصبح عامل الأمن هو المحدد الأول لاتجاه التصويت ، بديلا للقضايا الداخلية التي يحتدم الخلاف حولها .

والحقيقة أن فرض العامل الأمني ، كمحدد لاتجاه التصويت ، يصعب تحديد المستفيد الحقيقي منه ، فوق ساحة الانتخابات الأمريكية ، وبالتالي يصعب الاستدلال في حدود الرؤية العامة ، عن الجهة المسئولة عن توظيفه لصالحها ، فإذا كان هذا العامل يبدو عنصرا معززا لخطاب " رومني " مرشح الحزب الجمهوري ، الذي يتحدث عن إعادة احتلال العراق مثلا ، وبالتالي يكون منتجا لأصوات أكثر تأييدا له في صناديق الانتخاب ، فإنه أيضا يبدو محفزا لإعادة انتخاب " أوباما " بالمنطق السائد في الولايات المتحدة ، من أن وجود خطر خارجي داهم ، يستدعي نبذ الخلاف والتوحد حول الرئيس القائم ، ولقد استخدمت إدارة " بوش " هذا المنطق في فرض الميزانية الأمريكية على الكونجرس ، حين عمدت بعد أحداث 11 سبتمبر ، وقبيل الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، إلى إرسال الميزانية إلى الكونجرس ملفوفة في العلم الأمريكي ، في دلالة واضحة على أن مسّ أي من بنود الميزانية يعني مسّ العلم الذي يوحد بين الأمريكيين .

إن هناك من الشواهد والقرائن ، ما يعزز تفسير الأمر برمّته ، في سياق عملية مخططة لإحياء ذاكرة 11 سبتمبر ، وتفعيل عنصر الأمن ، في معركة الانتخابات الأمريكية ، وقد يكون في مقدمة هذه الشواهد ما يلي :

1. إن الفيلم نفسه الذي انتُهيّ من إنتاجه في كاليفورنيا العام الماضي ، لم توضع 13 دقيقة من مشاهده على الإنترنت ، إلا في يوم 2 يوليو الماضي تحديدا ، وهناك بالتالي 9 أشهر فاصلة بين إنتاجه ، والبدء في عرض جانب من مشاهده ، إضافة إلى فاصل زمني بين وضع هذه المشاهد ، وبين إخراج مظاهرات الغضب الدامية ضده ، يصل إلى 69 يوما بالتمام والكمال .
2. إن مظاهرات الغضب الواسعة اختارت أن تعبر عن نفسها تحديدا في 11 سبتمبر دون سواه ، وبعد مرور 69 يوما على عرض مشاهده ، وهو أمر يصعب اعتباره من قبيل المصادفة البحتة ، بينما يفسر جانبا منه ، موجة التصعيد الدعائي للفيلم في الولايات المتحدة ، والتي بلغت ذروتها خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر .
3. إن مظاهرات الغضب الواسعة في يوم 11 سبتمبر ، قد استبقها بثلاثة أيام فاصل افتتاحي دموي ، اختار العراق تحديدا مسرحا له ، حيث شمل محافظات العراق كلها ومدنه جميعها – باستثناء الشمال العراقي – في إطار مجموعة من العمليات الإرهابية ، اتسمت بتزامنها وبتعدد مستوياتها وتميزت بسلسلة متتالية من التفجيرات وأعمال القتل داخل كل محافظة ، مستخدمة القنابل والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة وإطلاق النار آليا بشكل عشوائي ، وهي عملية بدت مخططة بدقة على نحو مركزي ، وذات قدرات عالية على المستويين ، إحداث أكبر قدر من الدمار والقتل ، وشمولها جغرافيا في كل المحافظات والمدن ، وتزامنها في الوقت نفسه ، والمدهش في ذلك أن قوات الأمن العراقية ، والتي بلغ تعدادها على مستوى الأمن الداخلي والخارجي ، مليون وثمانمائة ألف رجل ، لم تستطع أن تمنع هذه السلسلة من العمليات ، في أي من هذه المحافظات أو المدن ، وقد أنجبت بركا غير مسبوقة من الدم ، بلغ ضحاياها نحو خمسمائة عراقي بين قتيل وجريح ، وقد تتبدد الغرابة في ذلك ، إذا كانت وثائق ويكيليكس ، قد أكدت أن القوات الأمريكية ، خلّفت وراءها في العراق عددا من العملاء العراقيين المدربين يربو على 70 ألف عميل ، والشاهد في ذلك كله ، أن هذه الافتتاحية الدامية في العراق ، لم تكن منفصلة عن جريان أحداث الغضب التالية عليه .
4. كان المدهش في كافة هذه المظاهرات على مستوى كل العواصم ، أن علما واحدا ظل في مقدمة الصفوف ، وفي مقدمة المشهد ، هو على تنظيم القاعدة ، وأن الحرص على غرسه على سارية العلم الأمريكي في سفارات الولايات المتحدة ، كان مشتركا وموحدا ، ثم كان تركيز أجهزة الإعلام على أن يتصدر المشهد مرفرفا وعاليا ، وكأنه مضمون الرسالة التي يراد تصديرها إعلاميا إلى الداخل الأمريكي قبل العالم ، باعتباره الرمز الواضح الصريح لأحداث 11 سبتمبر ، وللمخاطر والتهديدات الأمنية الموجهة للولايات المتحدة ، والتي اتسعت دوائرها على هذا النحو ، حتى شملت عددا رئيسيا من العواصم العربية ، بينما لم تخلو الهتافات العالية عند حوائط السفارات الأمريكية هنا وهناك ، من محاولات لتمجيد " بن لادن" ، وكأنه يبعث من جديد ، وهي نقيض الرسالة التي حاول أن يركز عليها " أوباما " في خطابه في ذكرى الحدث ، من أن " بن لادن " قد قتل وقد قبر إلى الأبد
5. إذا كانت موجة الغضب الأولى قد اشتعلت في مصر ، فالشاهد أنها اتسمت بعدة خصائص ، أولها ، أنه إذا كان قوام الموجة الأساسي من السلفيين ، وأعداد محدودة من الإخوان المسلمين ، فإن القوة الضاربة فيها ، اقتحاما وعنفا ، تشكلّت من مجموعات من الشباب اليافع ، تكاد مظاهره أن تكون مشتركة مع المجموعات التي سعت إلى الصدام مع وحدات القوات المسلحة المصرية ، في مواقع مشهودة سابقة ، وثانيها ، أن الموجة التي بدأت عقلانية وهادئة تصاعدت وجنحت إلى العنف ، دون مبرر منظور ، خاصة من جانب قوات الأمن ، فلم يتصاعد العنف بسبب ضغط أمني ، فقد ترك الأمن المتظاهرين يعبرون عن مشاعرهم دون تدخل منه ، وحتى في لحظات الانقضاض على سور السفارة واعتلائه ، ونزع شارة السفارة وعلمها ، وزرع علم القاعدة ، ظل الأمن يغالب الموقف بهدوء ظاهر ، خشية أن يكون التصعيد من جانبه مبررا للتصعيد من الجانب الآخر ، ولكن ذلك لم يحل دون أن يجئ التصعيد قذفا بالأحجار ، وسعيا إلى إحداث صدام تسيل من ورائه الدماء .
6. وإذا كانت موجة الغضب الأولى قد تصاعدت في مصر ، فقد امتد شررها في اليوم التالي لأكثر من عاصمة عربية ، كان أكثرها دموية وعنفا في الجوار الليبي ، وإن كنت أرجو ألا يتخذ البعض من ذلك دلالة على أن مصر قد استعادت دورها وتأثيرها العربي والإقليمي ، لأن السياسة الخارجية للدولة ، هي فائض قوتها الداخلية ، وليس في الداخل المصري ما يعين على ذلك ، مهما تدافعت الخطب ، وتعالت الأصوات ، وتعددت الزيارات ، فضلا عن أن تأثير مصر في محيطها ، لم يقدر له أن يكون سلبا ، حد اقتحام السفارة الأمريكية في بني غازي وتدميرها وقتل السفير " ستفينز " خاصة وأن هناك علامات دالة في الحدث الليبي ، فاستقراء العملية يؤكد أنها لم تكن عشوائية ، أو وليدة غضب جارف ، بل كان مخططا لها مسبقا وبشكل كامل إن ( الإنديبندنت ) هي التي أكدت أن عددا من كبار المسئولين الأمريكيين ، كانوا على معرفة مسبقة بالعملية ، ولكن أحدا لم يقم بتحذير السفير ، الذي كان قد وصل إلى بني غازي قبل يومين ، في مهمة غير معلنة ، وكأن هناك من دفعه إلى هناك ، ليلقى هذا المصير الفاجع ، لقد فسرت الصحيفة البريطانية الحادثة بأنه نتيجة اختراق أمني ، مبررة ذلك بأن الهجوم لم يحدث على مبنى السفارة الأمريكية وحدها ، وإنما طال كافة المقرات السرية الآمنة للبعثة الأمريكية في بني غازي ، كما طال كافة المستندات السرية الأمريكية ، وإذا كانت " الإنديبندنت " قد فسرت الاختراق والعملية بأعداد من الليبيين ، الذين كانوا يعملون لصالح الولايات المتحدة ، ثم خرجوا عليها ، فإن الداخلية الليبية ألقت الاتهام على فلول النظام السابق ، وهو نفس ما فعله الإخوان المسلمين في مصر ، حين ألقوا الاتهام في أحداث السفارة على فلول النظام السابق أيضا ، وبينما ألقى البعض الآخر الاتهام على القاعدة ، انتقاما لمقتل " محمد حسن القائد " أحد زعمائها في باكستان ، كان الاتهام جاهزا من قبل أطراف في الحكومة الليبية ، تم توجيهه منذ الوهلة الأولى بما يسمى " أنصار الشريعة " .
وكما كانت سلسلة التفجيرات في العراق هي الافتتاحية الدامية لما تلاها من أحداث عنف وصدام ، كانت محاولة اقتحام السفارة الأمريكية في القاهرة ، هي الافتتاحية الشعبية لعملية السفارة الأمريكية في طرابلس ، أو كانت بالمفردات العسكرية " الطلقة الإشارية " للقيام بها ، وإذا كانت الأجهزة الليبية قد عادت في الساعات الأخيرة ، لتنقل الاتهام بعيدا عن الداخل الليبي ، مشيرة إلى أن المجموعة المسلحة ، التي هاجمت السفارة ، وقامت بعملية مخابرات نظيفة ومتقنة ، قد قدمت من خارج الأراضي الليبية ، فإن هناك مؤشرات أخرى ترجح هذا الخيار ، بل إن هناك داخل الغرفة المعتمة لهذه العملية ، ما قد يشير إلى المكان والزمان والأسباب .

▲▲▲

من ناحية الولايات المتحدة ، فإن تفسير الموقف لا يخرج عن ثلاثة اتجاهات:
1. من جانب الإدارة الأمريكية ، وفي معمة الانتخابات ، فإن كل ما قدمته هو مزيج من الغضب والارتباك والدهشة ، ومحاولة تخفيف حدة المشهد ، فالمشهد لديها في القاهرة غير مبرر ، أو على حد تعبير أوباما " لا يوجد أي تبرير لهذا العنف " ، ومع ذلك فإن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية رأت أنه " رغم اعتلاء المتظاهرين سور السفارة ، وإنزال العلم الأمريكي ، إلا أنه لا يعني وجود أي مشاعر معادية للولايات المتحدة داخل مصر " أما في ليبيا فإن المشهد يدل على أنه " لا أمن حقيقيا في ليبيا " وأن " الأطراف المسئولة عن كثير من العنف ليست تحت سيطرة طرابلس " ورغم ذلك أيضا ، فإن القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي ، هي التي كانت تتساءل " هل تبدأ واشنطن السير في طريق التصادم مع العالم العربي " .
2. من جانب الحزب الجمهوري ، فقد تم إلقاء اللوم كاملا على الإدارة الأمريكية ، وتحولت أحداث العنف والغضب إلى طلقات في المدفعية الثقيلة لدعاية الحزب الانتخابية ، حيث جرى تفجيرها في وجه الحزب الديموقراطي ، وفي وجه أوباما نفسه ، ولهذا جاء الهجوم مباشرا على إستراتيجية أوباما في الشرق الأوسط ، التي تم ربطها بظواهر الغضب والرفض الأخيرة ، بما فيها مقتل السفير الأمريكي في ليبيا ، باعتبارها جميعها منتوجا مباشرا لهذه الإستراتيجية ، وبألفاظ الجمهوريين ، فإن هذه الإستراتيجية عمدت إلى أن تتخلى أمريكا عن الأقليات ، وأن تتخلى عن الليبراليين ، وأن تلتحم بممثلي الإسلام السياسي وحدهم ، وليس هذا في منطوق أصحاب هذا الهجوم ، تعبيرا عن ضعف قد لحق بالولايات المتحدة ولكنه تعبري عن ضعف وخطأ في التوجه الاستراتيجي الأمريكي ، وفي السياسة الخارجية ، يستوجب التعديل والتصحيح .
3. من جانب عدد من المفكرين الأمريكيين ، فإن هذه النتائج ليست منتوجا مباشرا للإستراتيجية الأمريكية الحالية ، بقدر ما هي منتوج مباشر لما لحق ببنية الولايات المتحدة ذاتها من تغير ، فهي علامة على فقدان الولايات المتحدة لقدرتها على تحريك الأشياء ، فقد ارتدت إلى مواقع أقل تأثيرا في صياغة الأحداث ، بعد أن فقدت الجاذبية كنموذج ، وفقد الفاعلية كقوة .

▲▲▲

إن خناك تفسيرات عديدة ، لذلك الوقود الذي ألقيّ بقوة ، وساهم في إشعال وامتداد حريق الغضب في القاهرة ، على هذا النحو ، الذي وضع مصر في صورة غير صورتها الحقيقية ، وبعيدا عن ذلك التفسير المكرر ، الذي فقد مصداقيته ، وجرى على لسان الدكتور " محمد البلتاجي " ملقيا أثقال الواقعة كلها ، على ما يسمى بالفلول ، وهو تفسير مسطح ومستخف ومبتذل ، فهناك تفسيرات أخرى ليست مسطحة ولا مستخفة ولا مبتذلة ، ورغم ذلك فإنها تبدو لي جزئية الطابع ، أي أنها قد تكون مؤثرة في بعض أبعاد الموقف ، ولكنها ليست كافية ولا قابلة لتفسيره كليا ، منها – على سبيل المثال – أن التيار الإسلامي بكافة فصائله كان يحتاج مع اهتزاز مراكبه ، في مياه الواقع الوطني المضطربة ، غلى أن يسترد في عيون الرأي العام ، صورته القديمة المندمجة في مشاعر الشارع ، والمعبرة عنها ، ومنها – على سبيل المثال – محاولة التيار السلفي ، التعبير عن ذلك الشرخ الذي يتسع بينه وبين الإخوان المسلمين ، في حيّز السياسة العملية ، وفيما صدر عن بعض فصائل هذا التيار ، ما قد يعزز ذلك ، فقد تم اتهام الجماعة بعدم المشاركة في التظاهر ، وبتعاملها مع الأمر على أسس سياسية ، ومن الصحيح ما قاله " نادر بكار " من أنهم عرضوا على الجماعة المشاركة في التظاهرة ولكنها رفضت ، رغم أنها شاركت على نحو يمنحها إدعاء أنها لم تتخلف ، وإظهار أنها لم تشارك ، ومنها – على سبيل المثال – أن هناك حالة غضب عامة في مصر ، تخرج بخارها المكتوم كلما وجدت منفذا لذلك ، فالمصريين ما يزالون يكابدون شظف العيش ، وما يزالون يرممون حلم الثورة في وجدانهم ، وينتظرون أن تشرق شمسها الدافئة بين اليأس والرجاء ، وإن كان الأول قد أصبح أقرب إلى حبل الوريد منهم من الثاني .

كل هذه التفسيرات وغيرها ، قد تزكي جانبا ، وقد تدعّم خيطا ، ولكنها لا تكفي لتفسير حجم هذا الوقود المتفجر ، الذي تم إلقاؤه في إناء لا يتسع له ، ولهذا فإننا أمام دفعات من الوقود الجاهز ، بعضها مصطنع ، وبعضها مصدّر ، وبعضها مأجور ، وقد لعبت في النهاية دورا في مشهد لم تفك رموزه ، لأنه بدوره مشهد لا يماثل ظاهره باطنه .

▲▲▲

ثمة مشهد قديم آخر ، يستحق أن ننفض تراب الزمن عنه ، وهو شاهد على المسافة بين الظاهر والباطن ، وبين ما تجري به المقادير عفوا ، وما يمكن أن يبدو كذلك ، فقد ظللنا أكثر من ثلاثين عاما ، نرى في احتلال السفارة الأمريكية في طهران ، عام 1979 ، مجرد نزوع ثوري أتت به موجة الثورة الصاعدة ، حتى خرج " بني صدر " أول رئيس في أعقاب الثورة الإيرانية مؤخرا ، ليفسر المشهد كله تفسيرا فاجعا ، فحسب روايته ، لم يكن احتلال السفارة الأمريكية في طهران ، واحتجاز الرهائن الأمريكيين ، سوى تنفيذ لاتفاق بين قيادة الثورة ، وبين الرئيس الأمريكي " كارتر " ، أما هدف الاتفاق من الجانب الأمريكي ، فهو خلق معركة وهمية ، تتيح لكارتر تحقيق الفوز للمرة الثانية بانتخابات الرئاسة الأمريكية ، وقد جرت المقادير بعكس ذلك ، حيث تحطمت الطائرات الأمريكية التي ذهبت لاستنقاذ الرهائن في الصحراء ، فيما سُمّي بعملية " لوط " وكما تحطمت الطائرات ، تحطمت فرص " كارتر " في أن يعاد انتخابه رئيسا لأمريكا .
لقد كان هناك تفاعلا محسوبا ، أريد له أن يخرج بنتيجة صالحة ، ولكنه تحوّل في الاتجاه العكسي ، وأخرج نتيجة أكثر ضررا ، هل يستطيع أحد ، أن يجزم بأن التاريخ لا يعيد نفسه ؟!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :