خمس قصائد من غابات القهر والثورة     

خمس قصائد من غابات القهر والثورة

بقلم : أحمد عز الدين

في انتظار النسر

يتدافعونَ على خطوطِ الطولِ،
تهتزُّ الخرائط بين أيدينا،
وتُمطِرُ سكّرًا مُرًا،
تصيرُ بيوتنا بُقعًا من الضوء المفتَّتِ،
تحت أرجلهمْ.
تصيرُ حقولنا زغبًا من القشّ المعلَّقِ،
في سماء الله،
تحت بنادق محشوَّة غضباّ وتاريخًا،
ولا يبقى لنا غير انتظار الوقتِ،
والصلواتِ، والدمعِ الدفينْ.
يتدافعونَ على خطوط الطولِ،
نبحثُ في خطوط العرضِ،
عن أثرٍ لأرجلنا،
ولا يبقى سوى رجع النداءِ البكرِ،
فوق شفاهِنا،
ونعود للسوق المعلّبِ،
نستحيلُ بضاعة أخرى، نُسوِّقُها،
ونسقط في التفاصيلِ الصغيرةِ والجنونْ.
لا تكتئبْ،
فدم الغزالة في انتظار النسرِ،
والكلمات تمشي كالهوادجِ،
ريثما يتعانقُ الفولاذُ،
والليل الترابيّ البهيمْ.
لا تكتئبْ..
فقد تذوَّقنا معًا طعمَ الرصاصةِ،
واقتربنا من وجيبِ الأرضِ،
واعتدنا على عادات هذا الموتْ،
اعتدنا على الطقسِ المُضبَّب،
وارتحلنا في بلادٍ أنكرت فينا هويَّتنا،
وجرَّبنا سجونَ الأهلِ والأعداءِ،
جربنا التردُّد، والتمرُّد والخنوعْ.
لا ليس بيتي ذلك الوطن الذي أمشي إليهِ،
مسلحًا بقصيدتين،
وحفنة ناريةِ الكلمات أتْلوها،
وحفنةُ أسبرينْ.
لا ليس بيتي ذلك الوطن الذي أدعوه،
في نومي،
وأطلبهُ من الأحلام،
ألقي وجهه في الأسرِ،
يلقاني ويذهب في بنادقهمْ،
دخانًا باردًا لا يستبينْ.
وطني هو الجرحُ الذي إذا هزَّهُ البارودُ،
أمطرَ ياسمينْ.
وطني هو السيف الذي يستلَّني،
من غمدهم في زحمة الطرقاتِ،
هل أُعطيك حنجرتي،
وتعطيني دماك رخيصة،
أعطيك دمعة مقعد،
وتظل تملأ حجرَ أمْي،
بالسنابلِ والغصونْ،
يا أيها الموت اتخذني صاحبًا
تأوى إليهِ،
ركنتُ عمري كلَّه،
لأصابع الزبدِ المبدّد في يمين البحر،
كان الوقت يسرق في دهاليز المدينةِ.
أو يساوم في دكاكين المدينة
أو يطارد فوق أرصفة المدينةِ،
كلما أعطيتُ عنواني لسيفٍ عابرٍ،
في زحمةِ الأسواقِ
أبقاني على حجرٍ صغيرٍ،
ريثما يأتي إلى الوقت
لا تترك يدي مغلولة بالوقتِ،
فوق أصابع الزبد المبدَّد،
في يمينِ البحرِ،
إن الوقتَ،
يُسرق أو يُساوم أو يُطاردْ.
لا تكتئب فدم الغزالةِ،
في انتظار النسر.
أصفادٌ تباعدُ بين أيدينا،
وأصفادٌ تقرِّب بين أيدينا،
بلادٌ تستكينُ على أصابعِ،
من غثاء السيلِ،
تنتظرُ البنادقُ في أجنَّتها،
رصاصًا ضائعًا في السوقِ،
من يتبادل القبلاتِ،
تحت غصونِ أشجارٍ بلا ورقٍ،
يُداعبُ وردةً مسكونة،
بخريفِ أمنيةٍ.
يلم من فوق المشانقِ،
نبض أطفالٍ تركناهم،
على وتدٍ صغير،
في انتظارِ الوقت.
شمسٌ في رمادِ الحقلِ،
دمٌ غائبٌ في الوحلِ،
لا تحزنْ،
خرجنا من قشورِ الوقتِ،
تحت سنابك الأيامْ.
لا تكتئبْ،
فدمُ الغزالة في انتظار النسر،
أبصرُ في نزيفِ الدمِّ
طيرًا صاعدًا،
لسماءِ أوطانٍ مبدَّدة.
أرى في الأرضِ نافذةً،
يجيءُ إلىَّ منها الأهلُ،
أذهبُ نحوهمْ،
وأقول للشهداءِ كفّوا عن تملمُلِكُمْ،
وأقول للخطباءِ كفّوا عن تردّدكم
خيط من الدمِ الدفيءِ،
يشقُّ أخدودًا،
ويحفرُ خندقًا في العمقِ،
من يمشي وراء الخيطِ،
في صمتِ،
ويتبع نبضةً،
ويقولِ للوقت،
انتظرني أنتَ،
فوق غصونِ قنبلة، وحاوِل أن تقلِّدني،
لأخرج من حجارتهم،
وألتمس السبيل.


ارفع الصوت عاليًا

سوف تبقى على عصرِهمْ،
شاهدًا كالعلمِ.
تشربُ الشمس نورَها،
من دِماك،
لكنها لن تكون لهمْ.
يهبط الليل فوق الشبابيكِ،
مستوحشًا خطوَهُ،
ثم ينسل في الليلِ،
شطًا من القهر.
تعلو على كتفيه الرِممْ.
لن يغيبَ الصدى،
في المدى،
ولا لن يجف الصهيلُ،
بصدر القلم،
كلما أطلقتْ مصرُ أنشودةً،
زادها المجدُ،
معجزةً، في حياةِ الأممْ.
أغرقوا رأسها في الترابِ،
وحطوا على ساعديها الهَرمْ.
كلما أنجبت مصرُ قافلةً،
من النورِ،
تشدو بحبّ الوطنْ،
طاردتها الذئاب السفيهةُ،
حاصرتها بين صخر ويمْ.
أيها المتأمرك قلبًا وروحًا،
رأس أمّي لن تنحني،
ولن أنحني،
مُكرهًا لهذا الصنم.
أرفع الصوتَ عاليًا،
وتغنى بحبِ الوطنْ.
وسوف يبقى في صوتِك الرعدُ،
وفي وجهك البرق،
وإن أمطرتْ،
كالسحاب الظُلمْ.
ارفع الصَوتَ عاليًا،
لم يعد مجديًا،
أن تتآكل كالموجِ،
تحت الجسورِ،
وإن قيل هذا زمانٌ،
أصمْ.
ارفع الصوتَ،
واخرج من القبوِ،
كالريحْ،
إنك أنت الحياةُ الفتيةُ،
وسواك العدمْ.
شعبُ مصر الذي ناطحَ الصخرْ،
وابتنى بيتَه في مضاربِ الشمسْ،
وأضاء المصابيحَ للكونْ،
مستيقظًا، لم ينم.
فإذا لم يقمْ العدلُ في أرضِها،
واستقامت موازينها،
واحتمت بالحقوق، الحقوقُ،
فمن ذا الذي يتوقى،
انزلاقَ القدمْ.
وإذا لم يقمْ العدلُ في أرضِها،
واستقامت موازينُها،
فمن ينزعُ الظلم،
ممن ظلم.
وإذا لم يقمْ العدلُ في أرضِها،
استقامت موازينها،
فكيف لهذي البيوت،
التي رفعتْ شكايتها إلى الله،
من ظمأ القلبِ،
أن تستردَّ الحقيقةَ،
من غير سيفٍ،
ودمْ.
غادرتك المدينةُ،
أم أنت غادرتها،
في الهزيع الأخير
على الرأسِ زنزانة السجنِ،
تمشي بها واجمًا،
دون فم.
أكنت تحاور صمتكَ،
في الصمتِ،
أم توقظُ البرقَ،
في القشَ،
مستوحشًا كالألمْ.
وإذا كان للظلمِ بوابةٌ
يعصمها الفسادُ من النارِ،
فهل للعدالةِ بابٌ،
به تعتصمْ؟!
أما زلت تحلُم حلمَ السنينِ العجافِ،
أسنبلة في يديها،
بسبع سنابل،
كيف لحلمكِ أن يلتئمْ.
أيها العبرونَ على جسرِها،
في الهزيعِ الأخيرِ،
من الليلِ،
عصفورة النار،
تثقبُ قلبَ السماواتِ،
تكشفُ قلبَ الحقيقةِ،
دون كلمْ.
يمرُ بك العابرونَ ثقالا،
وما زال وجهك،
في الشمسِ متَّقِدًا ساطعًا،
وما زال ظهرك
سارية للعلمْ.


كوني مصر!

يأتونَ خلفَ الليلِ،
يلتمسون وجهكِ،
والسماءُ تطلُ من أحداقهمْ،
يتكلَّمُ الدمُ والترابُ الحيُّ،
فوق شفاههمْ،
ويقول: مصرْ
يا مصرُ كوني مصرَ،
كوني مصرَ،
كوني مصرْ.
يذهبُ للربيعِ العشبُ،
يذهبُ للشتاءِ البحرُ،
نخرجُ من مشانقهمْ، عصافيرا مبللة
ونُمطِرُ فوقَ غصنِ الشمسِ،
كوني مصرَ،
تنفتحُ الحجارةُ،
يخرجُ الشهداءُ،
في قمصانِ عمال البناءِ،
ويرفعونَ جسوركَ الأولى،
إلى سيناءْ.
عشاقٌ من الفولاذِ،
يقتبسون من عينيكِ،
أحلامًا على خيلٍ مسوّمة،
تشقّ الأرض،
كوني مصرَ،
تمشي خلفك الأشجار،
تعبُر خلفك الأنهار
تتبع عطركِ الأزهارُ،
تجتمعُ الحقولُ على يديكِ،
وترتدي قمصانها الخضراءَ،
تقتلعُ الشوارعَ من حجارتهم،
أغانيها،
وتضرمُ نارَها،
في الرملِ،
بحرٌ أنتِ،
ننزلُه فنبرأ من جراحِ الروم،
شمسُ أنتِ،
نقطفُها فتحبلُ ريحُنا بالقمحِ ،
سيفُ أنتِ،
نرفعه فتلمع فوق شفرتهِ،
مرايا الكون
كوني مصرَ ،
كوني مصرَ،
نُبصرُ وجهنا في الضوءِ
نمسكُ ظلَّنا في الفيء،
نزهرُ في فيافي الأرضِ،
أغصانًا يزوِّجها الربيعُ،
وجودَه الممتدَّ،
كوني مصرَ،
كي يرتاحَ وجهُ الحقِّ،
من هذا التشرُّدِ،
في صحارى التيه.

آخر الأرض

سوف أسألُها أن تعيدَ الحديقةَ،
فوق سريري،
وسوفَ أقولُ لغيثِ الشتاءِ العفيِّ،
ارتديني.
سوف أسألُها أن تمنحَ البرقَ أفقًا،
والصافناتِ الجيادِ،
مدى،
والصوعقَ عمقًا،
واكشفُ قلبي،لمن يشتريهِ.
آخر الأرضْ،
أم أول الحلمْ،
أم ملتقى الشفتينِ،
على حدِ سيفٍ،
شريدِ.
آخر الموتْ،
أم أول الجرحْ،
أم شهوة الماءِ،
فوق غصن شهيد.
تتبدَّدين تحت ضوءِ المشاعلِ أبهى،
وتحاصرينَ امتدادي،
بعسكرٍ وحديدِ،
لست أعرفُ،
من أين تأتي الهزيمةُ
نحوي،
أو إلى أينَ تمضي،
جنودي.
مرَّت النارُ في القشْ،
خلف جفني المغنّى
والمدينةُ أضحتْ،
طيفَ حلم طريدِ.
أيها الواقفون على قمةِ التلْ،
آن أن ينزلَ التلْ،
عن صهونى وبنودى.
أدخلونى إلى خدرِها،
في المساءِ الغريبِ،
أدخلوني إلى الوطن الذي،
يرفضُ الماءَ،
من شفتىَّ،
ويرفضُ أن يكْترينىِ،
خادمًا،
أغسل رجليهِ،
كلَّ مساءٍ،
وأمسحُ عن وجنتيهِ،
رماد الجليدِ،
أدخلوني إلى خدرِها،
إن قافلتي سدّت الأفقَ،
واستوحشتنِ،
روائحُ أهلي،
واستنبتتْ تحت جلدي،
من نارها السرمديةِ،
شمسًا،
تشعلُ البرقَ،
في عيونِ الوليد.
أدخلوني إلى خدرها،
متعبٌ وجريحٌ،
تنحت إبطي،
كواكبٌ ونجوم،
تلعب النردَ في المساءِ،
وتهذى،
ببلادٍ تستبيحُ لحمَ الغريبِ.
أدخلوني إلى خدرها،
في المساءِ الغريبِ،
آخرُ الأرضْ،
أم أولُ الحلمُ،
أم ملتقى الشفتينِ،
على حد سيف شريدِ،
آخر الموت،
أم أولُ الجُرحْ
أم شهوة الماءْ،
فوق غصن شهيدِ.


مرثية مقاتل عظيم

بيداءُ.. بيداءُ،
هذا الليلُ بيداءُ،
بيداءُ.. بيداءُ،
قلبي ناقةٌ،
قطعتْ منازلَ اللهِ،
أين العشبُ والماءُ،
تبعتُها خاشعًا،
وسهولُ الله واسعةٌ،
وفي لظاها من دمِ العشَّاقِ،
أنداءُ.
أطوي الصحارى،
ولا أطوي سوى زمني،
وأركبُ البحرَ،
والأمواج رمضاءُ.
كأنني ذاهبٌ أبدًا،
إلى وطنٍ،
أفتِّشُ الانحناءَ عن عينيه،
مبتعدًا عن وجههِ،
وتحتَ جلدي منهُ انحناءُ.
كأنني هاربٌ من دائهِ،
أبدًا، إلى البعيدِ،
وفي دمي الداءُ.
تعبتْ خيولُك،
فانتبذ ركنًا ظليلاً،
واسترِح أمدًا،
وأغمض جفونَك،
إن الموتَ إسراءُ
تعبت خيولُك،
والصحراءُ شاخصةٌ،
من حولنا،
قوافلُ من أديمِ الأرضِ،
تطوينا،
منازل ما لها في الكتْبِ أسماءُ.
يا أيها الماضي إلى بلدي،
محملاً بجريدِ النخل مرقدُهُ،
على الجبينِ من الأشواقِ،
أضواءُ.
أوْصلِ خطانا بأرضٍ،
أنتَ قاطِعُها،
واحنو علة العشبِ،
آنِّى دسته وهنًا،
واستمطر الشمس شهبًا،
من أجنَّتها،
وأمهلَ الخطوَ حينًا،
في مفازتها،
فبعضُ العدوِ،
إبطاءُ.
ودعتهُ، وحدودُ اللهِ،
مغلقةٌ علينا،
وحبرُ العاشقينَ،
دمُ،
وبابُ الفجرِ، أنواءُ.
تبقى دمانا لأرضٍ،
سوف تحرثُها الزلازلُ،
ذاتَ أمسيةٍ،
ويرتوي من لظاها،
العشبُ والماءُ.


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :