من يتوضأ بدم الشهداء ؟!     

من يتوضأ بدم الشهداء ؟!

بقلم : أحمد عز الدين
Web: ahmedezzeldin.com
Email: ezz@: ahmedezzeldin.com

فور أن انتهى الإرهابيون المتواطئون والمستأجرون من عمليتهم الغادرة والجبانة ، وقبل أن يجفّ دم الشهداء من الضباط والجنود فوق رمال موقع " الحرية " في سيناء ، بادرت جماعة الإخوان المسلمين بتوجيه مدفعيتها الثقيلة ، صوب جهاز المخابرات العامة .

كان المشهد ما يزال غائما ، والتفاصيل غائبة ، وملامح الصورة غارقة في الضباب ، وكأن الاتهام كان مجّهرا ومعدّا في انتظار لحظة الإعلان ، لذلك كان طبيعيا أن يخرج رئيس جهاز المخابرات العامة عن صمته المزمن ، لينفي عن الجهاز الذي يحمل جانبا من سماوات مصر فوق كتفيه ، اتهامه المدوّي بالتقصير .

وبقدر ما انشغلت أصوات عدة ، من الجماعة ومن السلفيين ، بتوجيه الاتهام تارة إلى جهاز المخابرات وتارة إلى المؤسسة العسكرية ، انشغلت أصوات أخرى من بينها ، بمنح حركة حماس صكوك تبرئة كاملة ، شارك فيها د. هشام قنديل رئيس الوزراء بنفسه ، الذي تكفّل بالرد على اتهام " حماس " بقوله أنه " ينبغي أن ننتظر نتائج التحقيقات قبل أن نعمل على توجيه الاتهامات " ، وكأن توجيه الاتهام إلى مؤسسة وطنية بعينها ، واستئصال رئيسها من موقعه ، استباقا لنتائج التحقيقات ، هو من أعمال الوطنية والعقلانية والمنطق ، أما اتهام تنظيم غير وطني قبل ظهور النتائج ، فهو عمل مجاف للوطنية وللعقلانية والمنطق ، وإذا لم تكن القسمة عادلة بين الموقفين ، فإن كلاهما يشي في الحد الأدنى بحالة من الانحياز ، وحالة من التربص ، بغض النظر عن الأسباب ، اندفاعا عاطفيا ، أو ارتباطا أيديولوجيا ، أو العكس.

▲▲▲

لقد كان المعنى الذي ساقه قرار إنهاء خدمة اللواء مراد موافي رئيس المخابرات العامة ، بالتوقيت والشكل الذي تم به ، لا يحمل غير دلالة واحدة ، لا تخرج عن دمغ الرجل والجهاز الذي كان يجلس على رأسه ، بجريمة التقصير في أداء الواجب الوطني ، وبغض النظر عن النتائج المباشرة لمثل هذه الدلالة ، وتأثيرها في وجدان الناس تجاه جهازهم الوطني ، الذي يصنّف على أنه واحد من أكبر وأقدر خمس أجهزة مخابرات على مستوى العالم ، وبغض النظر – أيضا - عن الإشعاعات السلبية التي تحملها هذه الدلالة على البنية المعنوية لمنظومة القوة في الدولة ، وعلى رأسها جهاز المخابرات نفسه ، والذي يؤدي عمله في ظروف شدة وعسر ، ووسط تهديدات قائمة ، وأخرى بازغة ، تتربص بمصر من كل حدب وصوب ، بغض النظر عن ذلك ، فإن جماعة الإخوان المسلمين ، أكدت بنفسها لاحقا ، أن إزاحة رئيس الجهاز من موقعه ، كان مجرد استثمار للواقعة ، ولا شأن له بوقوع التقصير أو عدم وقوعه ، هكذا خرج علينا الدكتور عصام العريان بالحقيقة الغائبة أو المغيّبة ، بقوله نصا : " على خفافيش الظلام الذين لم يستمعوا إلى نداء المصالحة الوطنية ، أن يلتزموا الأدب ، فمن تولى حمايتهم أصبح خبر كان ...." .
إذن فإن استئصال الرجل من موقعه ، وإخراجه منه بهذه الصورة غير المسبوقة في العالم ، لم يكن مرجعه اتهاما معلقا بالتقصير في أداء واجبه ، وإنما اتهاما من منظور جماعة الإخوان المسلمين ، بأنه كان يتولى حماية من أطلق عليهم د؟ عصام العريان بأدب جم " خفافيش الظلام " والذين عليهم أن يلتزموا الأدب ، لأن حاميهم قد أصبح في خبر كان ، ولأنهم لم يلتزموا بنداء المصالحة الوطنية ، أي بالانقياد لجماعة الإخوان المسلمين ، والانضمام إلى صفوف المهرولين المتحولين ، والجالسين تحت مقام الإخوان العالي ، ينتظرون الرحمة والهبات والمغفرة ..
وبغض النظر عن تعبير " خفافيش الظلام " الذي يطول الأغلبية المطلقة من الشعب المصري ، وعن التزام الأدب الذي هو بدوره تعبير يحتاج إلى التزام الأدب من وعن الحماية التي أصبحت في خبر كان ، فإن ما حدث وفق التأكيد الإخواني ، كان استثمارا سياسيا لواقعة مصطنعة على الحدود ، نحو تطبيق نظرية التمكين بطرد الخصوم من قواعد الدولة بغية الاستحواذ عليها .

وإلا كيف تفسر بقية تصريح د. عصام العريان ، الذي كان نصه " إن القرارات خطوة على طريق استكمال أهداف الثورة " ، أي أن الإطاحة بخمس قيادات عسكرية وأمنية على رأسها رئيس المخابرات العامة ، شأنه شأن قرار الرئيس محمد مرسي قبل أسابيع قليلة ، والذي قضى بالعفو عن حوالي 600 مجرم جنائي ، وكان بدوره خطوة على طريق استكمال أهداف الثورة ، وربما كان شأنه شأن قرار الرئيس بالعفو عن شقيق زوجته المدان بجريمة الرشوة المخلة بالشرف ، والمحكوم عليه بالسجن ثلاث سنوات ، وإعادته إلى وظيفته ، والذي كان بدوره خطوة على طريق استكمال أهداف الثورة ، ليصبح السؤال مشرعا ومشروعا : أي أهداف يستكملون ، وعن أي ثورة يتكلمون ؟!

▲▲▲

إن كل ما توصل إليه الطب الشرعي من نتائج بعد قيامه بتشريح جثث ستة من منفذي العملية ، حتى كتابة هذه السطور ، يتلخص في أن جميع الجثث ترتدي أحذية عسكرية صناعة فلسطينية ، وأن الجثة السادسة ترتدي زيا عسكريا مموها كاملا ، وإذا لم يكن ذلك صالحا لتقديم دليل دامغ على هوية هؤلاء الإرهابيين ، ولا على تحديد لطبيعة التقصير الأمني ، وحجمه ، والمسئولية عنه ، فإن مسح مسرح الجريمة وما أحاط به من عوامل وظواهر ، قد يكون مدخلا صحيحا إلى ذلك :

أولا : إن كمين الحرية في منطقة الماسورة ، الذي نالت من قوته يد الغدر ، يقع على مسافة 3كم من الحدود المصرية الإسرائيلية ، وهو بعدد أفراده وتسليحهم ، لا يخرج عن كونه نقطة " مراقبة وإنذار مبكر " وهي بالتالي تكاد أن تكون موضوعيا مقيدة النيران ، شأنه شأن بقية المواقع والأكمنة والقوات المتواجدة في شمال سيناء في حدود المنطقة (جـ) والتي كانت تضم أربعة سرايا مجهزة بأسلحة خفيفة ، بإجمالي 750 جنديا ، وفق الملحق الأمني لاتفاقية كامب دافيد ، والتي جرى تعديلها بملحق إضافي في أغسطس 2005 ، عبارة عن بروتوكول عسكري أضيف إلى اتفاقية كامب دافيد ، أي أنه محكوم بمبادئها العامة ، ونص على أن تتولى قوة من حرس الحدود ، الحدود المصرية ، منع العمليات الإرهابية ، وتهريب الأسلحة والذخائر ، ومنع تسلل الأشخاص ، واكتشاف أنفاق التهريب .
وأن تنتشر على امتداد 14كم هي طول الحدود المصرية مع قطاع غزة بقوة 4 سرايا ( 750 جنديا ) .
وقد نصت اتفاقية فلادلفيا المذكورة ، على أن يكون تسليح هذه القوة على النحو التالي ( 504 بندقية – 9 بنادق قناصة – 94 مسدسا – 67 رشاشا – 27 آر بي جي – 31 مدرعة شرطة – 44 سيارة جيب – 4 زوارق لمراقبة الحدود البحرية – 8 مروحيات غير مسلحة للمراقبة الجوية – 3 رادارات برية – رادار بحري )
كما نصت الاتفاقية على أنه يحظر على هذه القوة إقامة أي تحصينات ، أو خنادق دفاعية ، أو مواقع حصينة ، أي أن تبقى مكشوفة في العراء .

ثانيا : يلي المنطقة السابقة (جـ) المنطقة ( ب ) التي تتواجد فيها حسب الملحق الأمني لاتفاقية كامب دافيد ، 4 كتائب لحرس الحدود و3 كتائب أمن مركزي وشرطة مدنية ، بإجمالي 4 آلاف جندي يحملون أسلحة خفيفة ، ومركبات على عجل .
أما المنطقة ( أ ) فتضم 22 ألف جندي و230 دبابة و 480 مركبة أفراد مدرعة .
غير أن الجيش المصري دفع إلى داخل سيناء ، في أعقاب الثورة ، وبعد تفشي الخطاب الإسرائيلي الأمريكي ، عن اهتزاز الأمن هناك 4 كتائب مدرعات ومدفعية ، وظفت في حراسة المواقع والمحاور ذات الأهمية الإستراتيجية.

ثالثا: في المقابل تسارعت التحركات العسكرية الإسرائيلية على الحدود مع مصر ، وبدأت ببناء مراكز مراقبة عسكرية حصينة ، مع تعزيز التواجد البري والبحري ، وزيادة عدد وحدات الجيش الإسرائيلي على الحدود ، ثم الشروع في بناء جدار حدودي فاصل ، انتهى العام الماضي من بناء 45 كم منه ، ويتسارع العمل فيه لبناء 100كم أخرى قبل نهاية هذا العام ، بل وتم البدء في بناء جدار بحري إلكتروني في مياه البحر الأحمر ، لإحباط أي عملية عسكرية تأتي عبر سيناء ، وبالمختصر فقد تغيرت إستراتيجية حماية الحدود الإسرائيلية في أعقاب الثورة ، والتي كانت تعتمد على التأمين المتحرك في مواقع محددة ، بعد أن تغيرت صيغة الإنذار من الإنذار الإستراتيجي ، الذي يستهلك شهورا وربما سنوات ، إلى الإنذار التعبوي ، الذي لا يستهلك غير لحظات أو دقائق معدودة .

رابعا : لا سبيل إلى إنكار أن أطماع إسرائيل تتسع لسيناء كلها ، ولكن الحد الأدنى لهذه الأطماع تتركز في السعي إلى زحزحة خط الحدود غربا ، إلى خط يقع غرب العريش – إيلات – شرم الشيخ .
ولا سبيل إلى إنكار وجود مشروع أمريكي إسرائيلي ، جاهز لحل القضية الفلسطينية ، اعتمادا على اقتطاع جزء من سيناء وضمه إلى قطاع غزة ، ودون دخول في تفاصيل الموضوع ، الذي يضم عشرات الصفحات ، فإنه يمكن تكثيفه في النقاط التالية :

1. تقوم مصر بنقل السيادة على منطقة جنوب غزة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى حماس ، أو إلى الدولة الفلسطينية الجديدة ، بإجمالي مساحة قدرها 600كم مقتطعة من سيناء ، وهو ما سيوفر مساحة كافية لاستيعاب الفلسطينيين ، وإقامة مطار كبير في المنطقة الغربية على بعد من الحدود الإسرائيلية .
2. تقوم الأردن بنقل السيادة على المنطقة الغربية من نهر الأردن إلى السلطة الفلسطينية أو إلى الدولة الفلسطينية الجديدة ، بهدف استيعاب الفلسطينيين أيضا ، وكتعويض لهم عن ضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل .
3. تسمح إسرائيل بحفر نفق يمر بأراضيها شمال مدينة إيلات يصل إلى الأردن ومصر ، وعلى أن يرتبط هذا النفق بشبكة طرق حديدية وأنابيب لنقل النفط والغاز ، وسيسمح هذا النفق للأردن بأن تصبح محطة عبور للصادرات إلى العالم الخارجي ، في الوقت الذي لا تمتلك فيه الأردن ميناء على البحر الأبيض .
ووفق هذا المشروع فإن بمقدور إسرائيل القول ، بأنها سلمت إلى الدولة الفلسطينية الجديدة ، ما يوازي 105% من الأراضي التي اُحتلت عام 1967 ، ولكن على حساب أراضي مصر بالدرجة الأولى .

خامسا : أما هذا الحديث عن إنذار إسرائيلي مبكر ، تم نقله إلى السلطات المصرية ، فوفق كلام الإسرائيليين أنفسهم ، فإنهم حصلوا على معلومات خاصة بالعملية يوم الجمعة السابقة على حدوثها ، وأعلنوا جهارا لسائحيهم مغادرة سيناء كلها في التوقيت ذاته ، وإذا كانت حدود العملية معروفة سلفا لهم ، فلماذا تم توسيع حدود الإنذار ليشمل جنوب سيناء ، حيث يتواجد بعض السائحين الإسرائيليين ، وفي الحقيقة فإن الإنذار المبكر الإسرائيلي كان مبهما وعاما ، إضافة إلى أنه يشكل نمطا متكررا ، ولو تم وضعه في الحسبان في كل مرة ، لتغيرت خريطة انتشار القوات المصرية في سيناء ، كل بضعة أسابيع .

لقد ارتفع صوت الجنرالات الإسرائيليين في أعقاب الحادثة بنبرة واضحة ، لاتهام مصر بأنها لم تفعل ما ينبغي عليها فعله لبسط الأمن في سيناء ، وكان الاتهام في جوهره موجها إلى الجيش والأمن المصريين .
وكأن القضية هي قضية عسكرية وأمنية ، وليست سياسية بالأساس ، أو كأن الجانب الإسرائيلي لم يكن هو الذي قيد كافة التحركات والمبادرات المصرية ، لصياغة بروتوكول عسكري جديد يكسر القيود المجحفة ، التي تخل بالتوازنات العسكرية والأمنية في سيناء وعلى جانبي الحدود .
وقد لا يكون من قبيل الجهر بالسوء ، أن رئيس المخابرات المصرية العامة ، الذي اختصه الرئيس مرسي بإلقاء أحجار المذبحة الغاشمة فوق رأسه ، كان قبل أقل من شهر واحد ، يقدم لفريق من المسئولين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين ، تصورا متكاملا ببروتوكول عسكري إضافي يحقق لمصر شروطا أفضل للحفاظ على أمن سيناء ، ولكن جدار الرفض الإسرائيلي بعد ساعات من المناقشات ظل قائما دون أن يتزحزح مترا واحدا .

سادسا : في حدود العملية الإرهابية ذاتها ، فقد تشارك فيها إرهابيون من داخل سيناء وآخرون من داخل قطاع غزة ، ولا يستحق الأمر الرجم بالغيب ، ففي كافة عمليات الإرهاب الكبيرة التي تمت في سيناء ، خلال المرحلة الأخيرة ، أكدت التحقيقات فيها أن هذا التعاون حد الاندماج الوظيفي بين أفراد من داخل القطاع وآخرين من داخل سيناء ، وعلي سبيل المثال ، فإن التحقيقات التي أجريت لعملية ضرب قسم العريش ، أكدت ضلوع الفريقين ، وهو أمر لا يعني توجيه اتهام مباشر لحماس إلا بقدر مسئوليتها كسلطة حاكمة للقطاع ، في حدود الوقائع القائمة حتى الآن .
لقد استبق وصول المجموعات الإرهابية إلى موقع سيارة مدنية ، أطلت على مشهد الجنود الجالسين على الرمل ، وهم يهمون بتناول طعام الإفطار ، ثم تبعتها عدة سيارات جر رباعي ، بادرت مباشرة بإطلاق وابل من النيران على الجنود ، وصل إلى حد الغمر بالنيران ، فقد زرعوا في جسد شهيد واحد ثلاثمائة طلقة ، وكان بمقدورهم أن يحصلوا على مدرعتين من مدرعات الشرطة ، تعطلت إحداهما على الطريق ، حيث استخدموا الطريق رقم 10 الحدودي المتجه إلى إيلات ، حيث أطلقت عليهم النيران من وحدة إسرائيلية ، فغادروا غلى معبر كرم أبو سالم ، وبصحبتهم شاحنة محملة بالمتفجرات ، وقد تم قصف المدرعة من مروحية إسرائيلية داخل عمق 2كم داخل الحدود الإسرائيلية ، بينما كانت تنتظرها دبابة إسرائيلية بالقرب من مستوطنة صوفا على الطريق رقم 232 ، وقد فر اثنان من المهاجمين بعد قتل ستة منهم ، ولكن تم تطويقهم من قبل قوات المشاة ، ووفق التعليقات الإسرائيلية ، فقد تم العثور على أحزمة ناسفة في حوزتهم ، كما كانوا مزودين بوسائل قتالية عديدة.
وإذا كان الإسرائيليون لم يقتلوا سوى ثمانية إرهابيين من بين 35 إرهابيا ، فمن الواضح أنهم قسموا أنفسهم إلى ثلاث مجموعات ، الأولى التي توجهت إلى داخل الحدود الإسرائيلية ، وأغلب الظن أن المجموعتين الأخرتين قد عادت بإحداهما إلى غزة من خلال أحد الأنفاق القريبة ، بينما واصلت الثالثة عدوها ، للاختباء في كهوف جبل الحلال في القطاع الأوسط .
ومن المؤكد في كل الأحوال ، أنه تزامن مع الهجوم الإرهابي على موقع " الحرية " قصف مكثف بالهاونات من مواقع داخل قطاع غزة ، وتزامن – أيضا – مع انقسام القوة المهاجمة إلى ثلاث مجموعات ، واتخاذها ثلاث مسارات مختلفة ، قصف آخر بالهاونات من مواقع داخل القطاع لتسهل عملية الانسحاب .

سابعا : لم تكن هذه هي الحادثة الإرهابية الوحيدة على الحدود المصرية الإسرائيلية ، ولكنها السابعة خلال الشهرين الماضيين ، فقد سبقتها ست حوادث متقاربة .
ولم يكن الرئيس مرسي بعيدا عن حقيقة الأوضاع في سيناء ، بما يف ذلك الأوضاع المقيدة لانسياب الأمن ، وهي في مجملها أوضاع سياسية تنبثق عنها تلك الأوضاع العسكرية والأمنية ، وبالتالي فإن المسئولية عن بقائها وديمومتها هي مسئولية سياسية في المحل الأول ، وكما تعددت التقارير اليومية التي كان من الطبيعي أن توضع بين يديه ، فقد استمع بنفسه إلى شروح مفصلة ، وموقعة على خرائط ميدانية عند زيارته لمقر جهاز المخابرات العامة ، في الأسبوع الأول من رمضان .
ودون شك فإن هناك أكثر من عامل مضاف ، أدى إلى مزيد من تفاقم الأوضاع ، ومن جرأة التنظيمات الإرهابية ، التي تتدثر بعباءة الإسلام العظيم ، وهو منها براء .
في مقدمتها هذا المناخ السلفي العام الذي نشر خيمته فوق تخوم مصر مع صعود جماعة الإخوان المسلمين ، والذي مثّل في ذاته مصدر تغذية معنوية لهذه الجماعات ، إضافة إلى الأعداد الكبيرة التي خرجت عن سلطة الشرطة بعد أن تم اقتحام الأقسام بما فيها أقسام سيناء .
إضافة إلى مساحات العمل الحر التي حصلت عليها حماس وغيرها من التنظيمات في قطاع غزة ، داخل منطقة العريش ، مستغلة تزعزع الأمن العام ، ولهذا كان مدهشا صدور قرار من رئيس الجمهورية قبل اسبوعين من الحادثة بفتح المعبر وتمديد ساعات العمل فيه ، وتسهيل إجراءات دخول الفلسطينيين بين الجهتين ، على حساب الضوابط الأمنية ، وهو قرار لم يكن متوافقا لا مع الضرورات الأمنية ، ولا مع ما تقتضيه المصالح الوطنية العليا ، خاصة مع استمرار غض البصر عن عمليات التهريب الهائلة عبر 1200 نفق بكل ما تحمله من أسلحة وآلات ،وما تقتطعه من مصر ، وقودا ، وموادا ، وأغذية ، وسيارات .

▲▲▲

لقد تحققت بعض الأهداف الإستراتيجية لتلك العملية الإرهابية ، لكن بعضها الآخر ما يزال في الطريق ، ولهذا ينبغي أن يكون الفصل واضحا وبالسكين بين القانون الذي يوظّف لصالح الجماعة وبين المشروعية التي هي السياق الذي يكتسب معه القانون صلاحية استخدامه ، فمن حق الرئيس قانونا أن يصدر قرارا بالعفو عن ما يشاء ، ولكن سياق استخدام رخصة القانون تناقض المشروعية إذا كان توظيفه لصالح إرهابيين سابقين أو لاحقين ، ومن حق الرئيس قانونا أن يصدر قرارا بإعفاء من يشاء من منصبه ، ولكن سياق استخدام القانون هو الذي يحدد مشروعيته أو ينفي عنه المشروعية ، ومن حق الرئيس قانونا أن يمنح نفسه كل الأوسمة والنياشين ، ولكن سياق استخدام القانون على نحو ذاتي خالص دون أسباب موضوعية ، تنفي عنه بالضرورة صفة المشروعية .

وبغير ذلك سوف يتحول القانون ، أي قانون ، خارج سياق مشروعية استخدامه سياسيا أو إستراتيجيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا ، إلى سيف مشرع يطول رقاب من يريد .

لقد قلنا لكم مبكرا جدا ، أن جماعة الإخوان المسلمين ، رغم خطابها الذي ينضح ديمقراطية ، سوف تصعد على سلالم الديموقراطية إلى سدة الحكم ، وأنها بمجرد أن تستوي على مقعد السلطة ، سوف تحطم السلالم التي صعدت فوقها ، درجة بعد درجة .

إذن انفجروا أو موتوا بجبنكم ، فليس بعد التوضؤ بدم الشهداء من إثم !!







 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :