رسالة الإذعان الأمريكية     


رسالة الإذعان الأمريكية

بقلم : أحمد عز الدين
Email : ezz@ahmedezzeldin.com
Site: ahmedezzeldin.com

أصبح تعبير الصراع على السلطة في مصر ، هو الأكثر شيوعا وبروزا في كافة وسائل الإعلام المحلية والدولية ، رغم أنه بحق توصيف زائف يستهدف التغطية على جوهر الصراع الحقيقي في مصر ، والذي تواصل الولايات المتحدة الأمريكية مدّه بكل عوامل الاحتدام والصدام والانفجار .

وتصوير الصراع في مصر على أنه صراع على السلطة ، يومئ – أولا – إلى أن طرفيه هما المجلس الأعلى للقوات المسلحة على جانب ، وجماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤهم في الداخل على الجانب الآخر ، وأن كلا منهما طامع في الاستحواذ على السلطة لذاته ، وهو يومئ – ثانيا – بأنه صراع بين قوتين إحداهما مدنية والثانية عسكرية ، مما يجعل المفاضلة في الحسابات التقليدية العامة للأولى على الثانية ، وهو يومئ – ثالثا – حسب محاضرة ألقاها أحد القيادات العسكرية الإسرائيلية مؤخرا في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، إلى أنه في المحصلة النهائية صراع بين الجيش أي المدفع والمسجد ، وهي ثنائية مبتكرة يمكن أن تتنزل منها ثنائيات أخرى بعد ثنائية المدني والعسكري ، قادرة على تعميق الشروخ ، وتوسيع الانقسامات ، وهو يومئ – رابعا – إلى أن الصراع لا يمتلك إلا مدخلين للحل ، إما تصعيد يؤدي إلى استخدام القوة المسلحة بكل ما يترتب عليه ، وإما اختفاء لأحد عناصر الصراع من الميدان ، وإذا لم يكن المسجد قابلا للاختفاء فإن الحل الأبسط والأقل تكلفة ، هو اختفاء المدفع ، بعودته أو إعادته مغلوبا إلى ثكناته .

هكذا يمكن أن يؤدي التشخيص المزور ، إلى توصيف مزيف ، وأن يؤدي الأخير إلى حل يبدو في عيون البعض متجانسا مع طبيعة الأشياء ، رغم أنه يتناقض كليا مع كافة تجليات المصلحة الوطنية العليا ، وهكذا – أيضا – يمكن أن يفسر ذلك الخطاب الجامح الضاغط ، الذي تبجحت به وزيرة الخارجية الأمريكية ، عقب اجتماعها مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، مكثفا في كلمات قليلة عن ضرورة عودة الجيش إلى ثكناته .

▲▲▲
إن تعبير ثكنات الجيش ، هو بدوره تعبير مزور لعدة أسباب :

الأول : أن ثكنات الجيش المصري ليست ذات طابع مادي بحت ، بمعنى أنها ليست معسكراته أو خنادقه أو قواعده أو مرابض نيرانه ن وإنما هي فوق ذلك ذات طابع عقائدي خالص ، فثكنات الجيش الحقيقية هي القواعد الراسخة للأمن القومي ، وهي الأطر المحددة لعقيدته العسكرية ، التي هي التعبير الصافي عن العقيدة القتالية لأمته ، وعن ذاكرتها الإستراتيجية .
الثاني : إن المطلوب تحديدا ليس إخراج الجيش من آفاق الحياة المدنية ، وإنما إخراجه كليا من المعادلات الوطنية والإقليمية بأبعادها الإستراتيجية والعسكرية والأمنية والعقائدية والسياسية .
الثالث : إن العملية المنظمة التي تتولى إنتاج ضغوط مركبة هائلة ، لفرض عودة الجيش إلى ثكناته ، أي لفرض إخراجه من المعادلات السابقة ، إنما تستهدف في النهاية إخراج مصر من ذاتها ، أي بمعنى أكثر تحديدا ، إخراج مصر من التاريخ .

وإذا كان من المؤكد أن ضغط وزيرة الخارجية الأمريكية ، في أعقاب لقائها بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ، على هدف إخراج الجيش من هذه المعادلات هو في حد ذاته بإعلانه على الرأي العام ، يشكل صنفا مضافا من الضغوط ، فإنه يشكل دالة على ما قالته في غرفة الاجتماع المغلقة ، ولذلك فإن مبادرة المشير محمد حسين طنطاوي ، بتصريحاته الناطقة في أعقاب ذلك ، لا تعكس بدورها رفضا علنيا ، لمبنى رسالة الوزيرة الأمريكية ومعناها فحسب ، ولكنها تعكس قبل ذلك فهما عميقا للإستراتيجية المضادة لمصر ، التي تختفي من ورائها وشحذا للإرادة الوطنية في مواجهتها ، مع أنه من المؤسف حقا أن الرسالة نفسها ، قد تم تلاوتها على أسماع الرئيس محمد مرسي علنا ، قبلها بسويعات قليلة ، وكان تعليقه عليها هو الصمت المطبق ، مما يقطع بأحد أمرين ، إما أنه لم يستوعب الرسالة وهو أمر يبدو بالنسبة لي محل شك عميق ، وإما أنه متوافق كليا مع الرسالة ومع الوزيرة الأمريكية التي حملتها .

▲▲▲

إذا لم يكن جوهر الصراع في مصر هو السلطة ، فماذا يكون ؟ وإذا لم تكن أطرافه المباشرة هي المجلس الأعلى للقوات المسلحة على جانب ، وجماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤهم في الداخل على الجانب الآخر ، فمن يكون ؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أن ثمة صراع محتدم ، وأنه صراع في مصر ، لكنه في الوقت نفسه صراع على مصر ، وصراع على الإقليم كله .

ولا أحد يستطيع أن ينكر – أيضا – أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، قد وجد نفسه طرفا أصيلا في هذا الصراع ، وأن جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها قد اندفعوا ودفعوا ، ليكونوا طرفا رئيسيا ومباشرا فيه ، لكن توصيف الصراع بأنه صراع على السلطة ، هو كما سبق القول ، توصيف مزور ، لأن جوهر الصراع لم يعد السلطة ، وإنما الدولة المصرية ذاتها ، بل لا أبالغ إذا قلت ، الكيان الوطني ذاته .

وليس صحيحا – أيضا – أن الصراع على الدولة وعلى الكيان الوطني هو صراع بين مفهومين متنافرين متصادمين ، هما ، الدولة المدنية ، والدولة الدينية ، فهذا التوصيف بدوره لا يتجاوز الشكل إلى المضمون ، فليس ثمة ثقافة موروث ديني على المستوى الشعبي في مصر ، مستقلة عن ثقافة الموروث الوطني التاريخي ، الذي يشكل الدين أحد أبعادها الأساسية ، ولذلك فإن الصراع برمته ، بغض النظر عن القشرة الخارجية المطلية بلون إسلامي خاص ، لا يعبر عن جوهر الإسلام الحنيف ، هو صراع بين جبهتين ، الأولى ترفض فرض خطاب الوصايا الأمريكية على مصر ، وهي ليست المجلس الأعلى للقوات المسلحة والجيش ، أو منظومة القوة المصرية وحدها ، وإنما الأغلبية المطلقة من الشعب المصري ، من حولها ومن خلفها ، والثانية تمارس قبولا مزعنا بكافة مفردات هذا الخطاب ، وهي الجماعة وحلفاؤها في الداخل ، ولهذا فإننا نواجه حالة سلفية مستحدثة ، تتحدث عن التراث ، وهي في قطيعة معرفية معه ، وتتحدث عن الإسلام وهي تنفي جوهره ، وتتحدث عن الديموقراطية وهي تمارس كافة أشكال الإكراه السياسي والمعنوي ، وتتحدث عن الحرية وهي تثبت خطاف قرصنة دولية في سفينة الوطن الجامحة ، وتتحدث عن العدالة الاجتماعية ولا تمارس غير عبادة السوق ، ولهذا أيضا فإن الصراع هنا ، ليس على فرض حضارة الإسلام ، فهي تتخلل خلايا الجسد الوطني ، وإنما على فرض حضارة مستوردة ، هي حضارة السوق ، التي تقوم على أعمدة رئيسية ، أهمها : تقزيم الدولة وإفقادها لوظائفها الأساسية ، بل وإفقادها لمبررات وجودها – رهن بناء القوى المحلية بتوجهات الخارج وباستجابتها لشروطه – الاندماج في السوق العالمي من موقع زيلي ، ومن موضع هشاشة وضعف – تغيير قواعد ومفاهيم الأمن القومي وإعادة تعريف عناصر قوة الدولة – تحويل الجيش الوطني إلى كنية مكروهة في حد ذاتها – تخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر وغض البصر عن التهديدات الإستراتيجية المستجدة ، التي تعيد تشكيل البيئة حول مصر بالقوة المسلحة – فصل الإسلام عن العروبة ، وتوصيف العروبة على أنها جاءت لنسخ الإسلام ، وكأن الإسلام كان سابقا للعروبة ، أو كأن النبي الكريم كان تركيا أو أفغانيا ولم يكن عربيا ، أو كأن القرآن نزل بلسان أعجمي .

لهذا تتضمن رسالة الإذعان الأمريكية ، ذبح كل الأبقار المقدسة من الدولة إلى التراث ، ومن منظومات القوة إلى منظومات القيم ، ومن الخصوصية الوطنية إلى الدور الإقليمي ، ومن الذاكرة الإستراتيجية إلى العقيدة القتالية ، والإبقاء على بقرة مقدسة واحدة ، هي بقرة السوق ، بعد أن يتم طلاؤها باللون الأخضر ، وعندما يصف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ، الجماعة بأنها مؤسسة دولية أي فوق وطنية وفوق قومية وفوق إقليمية ، فإنه يجيد توصيف قاعدة التحالف بين الجماعة وبين الولايات المتحدة الأمريكية ، باعتباره صيغة تعاقدية بين طرفين ، في إطار مشروع انقلاب إستراتيجي كامل في أوضاع الوطن والإقليم والعالم ، تؤدي فيه الجماعة دورها باعتبارها شركة متعددة الجنسيات ، وتحصل بموجب ذلك لذاتها على نصيب محدد من الأرباح والمغانم ، على حساب خسائر الوطن ومغارمه .

▲▲▲

إذا كانت هذه هي طبيعة الصراع الراهن في مصر ، فإنه إذن صراع متعدد المستويات ، متعدد الأدوات ، متعدد المحاور ، فنحن أمام صراع ذي طبيعة إستراتيجية خالصة تندمج فيه كافة الأبعاد المرتبطة بالمصير الوطني والقومي ، بالمعنى السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي ، ولذلك فإن ساحة الصراع أوسع بكثير من حدود وجود طرفين مباشرين فيه ، هما المجلس الأعلى للقوات المسلحة على جانب ، وجماعة الإخوان المسلمين على الجانب الآخر ، مثلما يستهدف ذلك التوصيف المزور ، الذي يريد إلى عزل الصراع عن المصدر الحقيقي لطاقة المواجهة والصمود والتغيير ، بتصويره على أنه صراع بين فصيلين أحدهما عسكري والآخر مدني ، أو أحدهما علماني والآخر ديني ، أو أحدهما يمثل القديم المستبد والآخر يمثل الجديد الديموقراطي وتلك أول وأهم مواقع الزلل والخطأ وسوء التقدير ، لأن الصراع في جوهره هو صراع على الشعب ، وليس ثمة إمكانية لكسبه إلا بالشعب ، ولا سبيل لذلك سوى خلق وعي عام بديل ، لهذا الوعي الزائف ، الذي تواصل أغلب أجهزة الإعلام ضخه في فضاء الرأي العام ، لكي ينفرد تحالف أمريكا والجماعة بالجيش ، ولكي يفرضوا عليه بكافة أساليب الإكراه العسكري والسياسي والمعنوي ، الانحناء أمام خطاب الوصايا الأمريكية ، وهو ما أجزم أنه ليس قابلا للحدوث مهما تعددت محاولات تفعيل تلك النظرية الأمريكية المستحدثة ، التي يقول منطوقها أن " الفوضى ضارة ، ولكن النظام أكثر ضررا " .

يتبدى أكثر فأكثر عمق التحالف الجديد ، في مظاهر ذلك العداء الغريزي لثورة 23 يوليو 1952 ، وفي الهجوم الكاسح عليها بكافة أسلحة الدمار الشامل ، وكأن المطلوب هو فصل هذه القطعة الحية ، من التاريخ الوطني ، وإسقاطها في البحر ، والناس نيام ، ثم وصل منتصف القرن السابق بالعقد الثاني من القرن الجديد ، لكي يحصل مشروع الانقلاب المدني ، تحت أي اسم مخادع على مشروعية الاستقواء على غيره ، وإحلال نفسه لا محل النظام السابق وإنما محل الدولة الوطنية التاريخية ، التي عليها أن تقوم بتعويم نفسها كأنها شركة خاسرة .

ومن المؤكد أن الثورات لا تنسخ بعضها ، فثورة 1919 لم تنسخ ثورة عرابي ، وثورة 1952 لم تنسخ 1919 ، وثورة 25 يناير لم تنسخ ثورة 1952 ، لأن التاريخ الوطني بلا فواصل ولا فجوات ، رغم أن الشعب المصري الذي اتهم طويلا بقبول الضيم ، والسكوت على الظلم ، فجر أربع ثورات خلال قرنين من الزمن ، كان الجيش هو الصانع المتفرد لثورتين كبيرتين من بينهم ، ومشاركا بالفعل الحاسم في إنجاح الثورة الرابعة ، بينما شارك طلاب مدارسه العسكرية في الثورة الثانية ، حين كان جسم الجيش ذاته محتجزا في السودان .

يبدو من قبيل منطق الطبيعة ، أن النار تبرد بمرور الزمن ، وأن الجروح تزداد التئاما مع الوقت ، وأن مذاق الانتصار التالي يبدد طعم الهزيمة السابقة ، عند غيرنا تعمل قوانين الطبيعة على هذه الشاكلة ، لكن قوانين الطبيعة عندما تعمل عكس الطبيعة ، أو قل ضد الطبيعة ، فبيننا وبين هزيمة يوليو 67 انتصار أكتوبر العظيم ، ولكن هذا الانتصار لا يبدو عند هؤلاء أكثر من مكعب من الزجاج ، يحنطون داخله جثة الهزيمة ، ويبقونها كاملة للعرض على الناس ، ولذلك عندما تشم رائحة هذا الدخان الأمريكي الملوث ، في الخطاب المضاد لثورة يوليو ، يمكن أن يخيّل إليك أن نار يوليو قد أضرمت الآن ، وأن جرحاها هم عموم الشعب المصري ، والمفارقة في ذلك أن تلك النزعة الثأرية ضد ثورة يوليو ، من جانب تلك القوى التي طردتها الثورة من فوق المسرح السياسي ، لا تضعف بمرور الزمن ، وإنما تستقوي بغيرها لأنها مكبولة على أن تحول أزمتها الخاصة إلى أزمة عامة تغرق المجتمع كله في بركتها الآسنة .

والمفارقة في ذلك أيضا ، أن أكثر الأصوات تهجما على الثورة ، في هذا الكورس الرتيب ، الذي يشع احتقارا لتاريخ وطنه ، قد أخذته موجة الثورة العالية معها إلى حيث صعد ، ولو أنها لم تأت ولم تأخذه ، لكان ما يزال على حاله ، في صوره التذكارية القديمة ، جزءا مهملا من طين الأرض ، يجر فأسا صدئا ، ويقلب أرضا لا يملك منها حبة رمل ، لذلك لا أعتقد أن هذه الموجة العالية ، من الحرب المضادة لثورة يوليو ، هدفها الحقيقي هو شطب هذه الثورة من التاريخ ، فذلك أمر يفوق خيالات أصحابه ، حتى لو كانت هلاويس وكوابيس ، لذلك لا شئ في هذه الحرب موجه إلى الماضي ، وإنما إلى الحاضر ، والمستقبل ، ولا شئ في هذه الحرب معني بما كان ، وإنما بما سيكون .

▲▲▲

لقد كتب الجنرال الإسرائيلي " هيرتزوج " في كتابه عن الجيوش العربية بالنص ما يلي : ( عندما أصبحت منطقة جيب الفالوجا محاصرة بين الفالوجا وعراق المنشية ، سعى قائد الجبهة الجنوبية ، وكان " إيجال آلون " أن يلتقي بقائد الجيب المصري المحاصر ، وهو " سيد طه " قال آلون لطه : إن وضعكم ميئوس منه فالحصار كامل ، وخطوط المواصلات مقطوعة ، ولكنني أقدم لكم عرضا أن تخرجوا من الحصار ، وأن تعودوا وسط تقدير كامل ، ومراسم شرف عسكرية كاملة ، ورد الضابط المصري قائلا : إنني أعرف أن وضعنا الآن ميئوس منه ، ولكن مهمتي الآن هي إنقاذ شرف الجيش المصري ، وأجاب آلون مذهولا : إن الحكومة المصرية لا تستحق ضابطا في مثل شجاعتكم ، بعدها حاول لواء إسرائيلي كامل هو لواء الكسندروني باندفاعة هجومية إبادة الجيب المصري ، إلا أن القوات المصرية هي التي أبادت المحاولة ) .

إن الجيش المصري الآن ليس محاصرا بين الفالوجا وعراق المنشية ، عندما قررت وحدة من وحداته الصمود ، في وضع ميئوس منه لإنقاذ شرف الجيش ، والجيش المصري ليس محاصرا بالشعب ، وإنما هو خط الدفاع الأخير عن شعب يمثل العمق الحقيقي للدفاع عن الوطن .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :