عمر سليمان : الجنرال الصعب     

عمر سليمان : الجنرال الصعب

بقلم : أحمد عز الدين

رحل الجنرال الصعب ، هذا الجنرال الذي يشبه النخيل في صعيد مصر ، فرعه ثابت ورأسه في السماء ، عقل استراتيجي لامع من طراز فريد ، ووجدان حي ، يفيض دفئا وعذوبة ، لا يغرنك وجهه الجاف ، الذي لا تستطيع أن تقرأ صفحته ، أو أن تمسك بحواسه ، كأنه رغيف القمح الناشف ، الذي استوى ونضج في شمس الجنوب ، فخلف هذا السطح الصلب تستطيع إذا اقتربت ودققت النظر وتعمقت بوجدانك أن تلامس جداول من الماء العذب :

صلابة بغير تصلب ، وإيمان بغير كهنوت ، والتزام بغير تفريط ، وكرامة بغير إدعاء ، ووطنية بغير ضفاف .

هذا الجنرال الصعب الذي ظلت ترفرف في صدره روح الجندية بكل معانيها الحية وبكل دروسها الخالدة ، كما شكلتها وصنعتها مدرسة العسكرية المصرية ، والذي أحاط نفسه ودوره بمنظومة قيم ثابتة لم تتغير ، على امتداد كل الحروب المعلومة والمجهولة التي خاضها ، فقد كان مصدر قوته الحقيقي إلى جانب عقله المتوهج ودأبه العملي وصلابته البادية ، ويقظته الدائمة ، ترفعه عن زخرف الحياة الدنيا ، فقد نأى بنفسه عن مواقع الزلل والشطط والفساد ، ولهذا لم يكن قابلا للإفساد .

كانت معرفته بالتفاصيل مدهشة ، وبالأشخاص والوجوه كاملة ، دون أن يعود إلى ورقة أو سجل ، فقد كان يمتلك ذاكرة جامعة ، ولكنها ذاكرة فاصلة ، تتسلح بآلية جاهزة تفصل بين الغث والثمين ، والماسي والزجاج ، والحقيقي والزائف .

لقد قدر لي أن أعرف الرجل من خلال رفيق عمر مشترك لكلينا ، هو اللواء / صلاح الدين سليم ، الذي ظل مقاتلا صلبا ، وجنديا صادق العزم ، حتى انهار قلبه المقاوم على قارعة الطريق ، في أوج تمرده على النظام السابق ، وقد كان عمر سليمان حاضرا دائما بيننا ، في جلستين أسبوعيا دون أن يكون موجودا بشخصه ، وهكذا كان ثمة جسر إنساني ووطني مفتوح بيننا ، تعبر عليه المواقف والقضايا والآراء ، بشكل دائم وعلى امتداد سنوات طوال ، وأحسب من خلال وقائع وتفاصيل ، تضيق عليها المساحة ، وربما تختنق بها ولا تتحملها ، أن عمر سليمان ظل جنديا حقيقيا ، ومقاتلا فريدا ، من أجل مصالح وطنه العليا ، ومصالح أمته العربية ، حتى لقد خيّل إليّ على امتداد السنوات الأخيرة ، أنه لم يكن جزءا من نظام يتداعى ، وإنما كان جزءا وأملا في لنظام يراد له أن يكون .

لقد أديت التحية لجثمانه الطاهر ، كما ينبغي أن تؤدى ، وكما أديتها في كل مرة لوجوه ناصعة من المقاتلين المصريين ، الذين سيظلون كواكب مضيئة في سماء مدرسة العسكرية المصرية ، ومدرسة المخابرات العامة ، أولئك اللذين جلست إليهم ، وتعلمت منهم ، وأكلت خبز معرفتهم ، وشربت ماء وطنيتهم ، واللذين كثيرا ما أتحدث إليهم ، واستمد منهم القوة في تلك اللحظات القاهرة بين اليأس والرجاء :
شعراوي جمعة – أمين هويدي – حافظ إسماعيل – أحمد كامل – محمد عبد الغني الجمصي – مجدي عمر – صلاح الدين سليم – عمر سليمان .
ولا عزاء للمتحولين والمأجورين والمتأمركين .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :