تلك المؤسسة الدولية وواجهتها المحلية : مشروع الاستحواذ على مصر ...!     

تلك المؤسسة الدولية وواجهتها المحلية :
مشروع الاستحواذ على مصر ...!


بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com


لم يستوقفني تصريح واحد وسط غاية الكلمات المشتعلة من جانب جماعة الإخوان المسلمين ، في أوج الحريق الذي أوقدت ناره ، مع إصرارها على فرض منهجها الخاص ومصالحها الذاتية في اختيار لجنة وضع الدستور ، بقدر ما استوقفني جانب من تصريح للدكتور محمد بديع المرشد العام للجماعة ، فى مؤتمر صحفي عقده مؤخرا في كفر الشيخ ، كان نصـّه يقول " أن الجماعة مؤسسة دولية لديها القدرة على إدارة الدفــّة ، ولا يجب الاستهانة بها "

ذلك ان قلب التصريح هنا ليس تأكيد القدرة على الإمساك بمقود القيادة أو الدفّة ، أو نفى الافتقار إليها ، وليس رفض الاستهانة بها أو ذمـّها ، وإنما هذا الاعتراف الجارف ، وان شئت الجارح ، بأن الجماعة " مؤسسة دولية " ، وهو اعتراف تقريري تنــّزل من لدن رأس الجماعة ، متضمنا توصيفا محـدّدا ودقيقا لتكوينها وأهدافها ، ولهذا فهو يستحق التعامل معه بقدر كبير من الجــدّية وبنظرة أعمق لاستبيان دلالاته وإضاءة مستوياته :


أولا : فى الطبقة الأولى والمستوى المباشر لهذا التصريح فإننا لسنا بصدد منظمة او مؤسسة أو جماعة وطنية خالصة ، اسمها " الإخوان المسلمون " ، وإنما بصدد تنظيم يمتلك بنــيّة وتكوينا وطابعا نظامـّيا دوليــّا ، وان كان يتمتع بحضور وطني بالمعنى الجغرافي للكلمة .


ثانيا : فى الطبقة الثانية من هذا التصريح ، يبرز معنى أكثر عمقا مؤكدا وملوّحا وربما مهدّدا بقوة الجماعة أو المؤسسة ، ليس باعتبار أن أرصدة قوتها وقدرتها على المغالبة أو القيادة موجودة فى الداخل الوطني ، وإنما في أن لديها أرصدة قوة وغلبة غير منظورة تتوزّع خارج الحدود الوطنية ، وعلى المستوى الدولي .


ثالثا : فى الطبقة الثالثة من هذا التصريح ، ثمة تحديد لأفق عمل الجماعة او المؤسسة بما يعنى ان دورها وعملها وأهدافها ليست قاصرة على المستوى الداخلي ، وإنما أن الدور والعمل والأهداف على المستوى الداخلي هي مجرد دائرة تحيط بها دوائر أكثر اتساعا ، حيث يساوى محيط الدائرة الأوسع فيها محيط الكرة الأرضية .


رابعا : في الطبقة الرابعة من هذا التصريح ، فإننا أمام ثلاث مستويات فى أيدلوجية واحدة ، سقفها الأعلى هو العالم ، وسقفها التالي هو الإقليم وتخومه ، وسقفها الاوطى هو الوطن ، ولهذا تنطوي هذه المستويات الثلاث على إشكالية بالغة التعقيد ، بحكم التناقضات التي تنشأ بين الخيارات والاولوليات والحاجات والمنافع التى قد يفرضها كل منها فى سياق مرحلة زمنية واحدة ، بمعنى أن كسب هذه " المؤسسة الدولية " لموقع او موقف على المستوى الأول وهو المستوى الدولى ، قد يترتب عليه القبول بتنازل أو غرم على المستوى الثانى وهو الاقليمى ، والعكس بالعكس صحيح ، كما أن كسبا أو نجاحا على المستوى الاقليمى ، قد يترتب عليه الاقبول بتنازل أو غرم على المستوى الوطني ، والعكس بالعكس أيضا ، علما بان ترتيب المستويات الثلاث ، على هذا النحو الطبيعي في إطار " تعبير " المؤسسة الدولية " يقطع بان ما هو أممـىّ فوق ما هو اقليمى ، وما هو اقليمى فوق ما هو وطني ، ثم أن منطق المواءمة او المساومة بين المصالح عبر هذه المستويات الثلاث من الطبيعي في ظل سلوك برجماتي نفعى واضح ، يحتـّم أن تكون المفاضلة بينها لا من حيث الأولوية الوطنية أو حتى الإقليمية ، وإنما من حيث تقدير قيمة الكسب على جانب ، وحجم التنازل أو الخسارة على الجانب الآخر .

خامسا : يظل معيار الكسب عبر هذه المستويات ، ذو معنى بالغ الخصوصية ، لأنه يتعلق أولا وأخيرا ، بما ترى فيه الجماعة او المؤسسة تمثيلا لمصلحة ذاتية لها بمعنى ان معيار الكسب ليس وطنيا خالصا او قوميـّا خالصا ، وإنما يحظى بهذه الصفة بقدر توافقه وتعبيره فى كل حالة عن مصالح الجماعة ، أي بمردوده على بنيتها وقوتها ، وتمكينها فى ارض بعينها ، وفى مستوى بعينه .


سادسا : عندما يتصل توصيف الجماعة بكونها مؤسسة دولية " فإن التوصيف نفسه ، يندمج فيه بعدان واضحان ، هما الايدولوجية ورأس المال ، أو العقيدة والاستثمار ، ومن المؤكد أن هذين البعدين يتعايشان معا ، ويتبادلان التغذية في إطار شراكة متصلة ، يستقوى فيها كل منهما بالآخر ، لكنه من المؤكد أيضا ، أن الأيديولوجية لها منطقها ، وأن رأس المال له منطقه ، وأن التعايش بينهما لا ينفى الصراع ، وقد يكون السعي للتوازن بين منطقيهما قائما ، لكن نجاحه ليس دائما ، وإذا تنازعت الإيديولوجية ورأس المال المتداخل عبر الحدود في إطار " المؤسسة " خلال مرحلة فاصلة ، فإن الغلبة فى الأغلب الأعم تكون من نصيب رأس المال .


سابعا : إن تعبير " المؤسسة الدولية " الذي خلعه المرشد العام للجماعة عليها ، هو توصيف صحيح و دقيق لها ، بنية وتكوينا ومنهجا وأهدافا ، وهو فى الوقت نفسه مكمن الخطر والزلل والتأزم ، ومصدر السعي الجامح للاستحواذ والسيطرة ، وهو ما يتبدّى واضحا في اندفاعها لإحلال نفسها لا محل النظام السياسى ، وإنما محل الدولة ، بضرب قواعدها التاريخية ، ونسخ خصوصيتها الوطنية ، ونسف توازناتها الداخلية ، وتغيير وظيفتها الإقليمية ، وهذا ما يتحتم وضعه فى قلب عدسة الرؤية ، والتعامل معه بالتالي باعتباره سبب العلـّة الرئيسي ، وذلك باعتبارنا نواجه " مؤسسة دولية " ، أى فوق وطنية ، وفوق قومية ، تصوغ بالتالي أهدافها وأدوات تحقيقها ، بنفس منطق الشركات الدولية متعددة الجنسيات .


ثامنا : لقد أنشأت هذه " المؤسسة الدولية " واجهة حزبية مصرية لها ، تحت أسم حزب الحرية والعدالة ، تمتع بكامل حقوق واستحقاقاته كحزب مصري ، بعد أن أخضع نفسه كغيره من الأحزاب للشروط التي يفرضها قانون إنشاء الأحزاب .

لكن المفارقة الواضحة هنا ، أن هذا الحزب مندمج بالكامل فى هذه " المؤسسة الدولية " التى تمارس دورها ووظيفتها خارج هذه الشروط ، بل وبما يتناقض معها ، فليس من حق الأحزاب أن تعمل بالتجارة او الاستثمار ، وهى تعمل ، وليس من حق الأحزاب الوطنية ان تكون فرعا أو امتدادا لمؤسسة دولية ، وهو ليس امتداد طبيعيا فقط لهذه المؤسسة " الدولية " ، وإنما هو تابع لها ، يعيش فى كنفها ، ويمارس دوره فى ظلها ويصوغ مواقفه ويتخذ قراراته في ضوء ما تصوغه من مواقف وتتخذه من قرارات ، بل أن أعضاء هذا الحزب ، يفضلــّون تقديم أنفسهم وهو يتحدثون فى البرلمان بوصفهم أعضاء فى هذه المؤسسة الدولية لا بصفتهم أعضاء فى الحزب الذى قفزوا الى داخل البرلمان تحت برنامجه وأسمه .


تاسعا : ان تصريح المرشد العام في النهاية هو تصريح كاشف فالمؤسسة الدولية ، باعتبارها مؤسسة تضع نفسها بحكم طبيعتها فوق الوطنية ، وفوق القومية ، تتداخل أهدافها وآليات عملها على المستوى المحلى ، بأهدافها واليات عملها على المستويين الاقليمى والدولي ، ولذلك فإنها موالية لنفسها ، منتمية إلى ذاتها ، مسكونة بمصالحها ، معنية بمكاسبها ، لا تحكمها غير قوانينها الذاتية ، وهى وفق هذا التوصيف ، كقوانين رأس المال سواء بسواء ، غايتها التوسع والربح والتراكم والتفوق ، والسيطرة ، والسيادة .

عاشرا : إن المعضلة التي نواجهها ألان ، تكمن في أن هذه " المؤسسة الدولية " قد ركبت موجة الثورة ، وتخفّت وراء لافتة حزب سياسي ليس قائما بالمعنى الموضوعي ، فهو مجرد واجهة محلية لها ، وقد نجحت بسبب عوامل مركــّبة في أن تستولي على العدد الأوفر من مقاعد مجلس الشعب ، وهى تريد بادعاء الأغلبية والغلبة وأن تأخذ المجلس والدستور ، وموقع الرئيس ، والنظام العام ، بل والدولة المصرية ذاتها ، إلى حيث يصحبون جميعا، مجرد وحدات تابعة ومتكيــّفة مع بنـْية هذه " المؤسسة الدولية ، بمصالحها الرأسمالية ، وأهدافها الإيديولوجية ، وتحالفاتها الأجنبية ، وتطلعات نخبتها المسيطرة ، ودون فهم ذلك فهما صحيحا ، فسوف نتـنـّكب طريق الوصول إلى حل لهذه الأزمة ، التي سوف تنمو باستمرار كلما نمت حدود هذه " المؤسسة الدولية " وسوف تجـّدد نفسها باستمرار ، بصيغ مختلفة ، وصور متباينة ، ولهذا يبدو أن الخروج أو الهروب من كل أزمة جديدة ، بتقديم تنازلات جديدة لهذه " المؤسسة الدولية " تحت دعوى الحلول الوسطية دائما ما يوقع الدولة ، والجماعة الوطنية كلها في أزمة جديدة ، تتطلب تنازلات جديدة ، مع ملاحظة أن التنازلات هذه المرة لن تكون من نصيب لحم الوطن ، وإنما من نصيب عظم الدولة .



***



هكذا يمكن تفسير قنابل الدخان التي لم يتوقف إطلاقها من مدفعية " المؤسسة الدولية " فى وجه كل رافض لقوامة لجنة منتقاة من جانبها ، لصياغة دستور على مقاسها ، وهى قنابل لم يسلم منها أحد ، بما في ذلك من رسم فى القضاء استفهاما استنكاريا ، أو أبدى اعتراضا مكتوما ، فحتى المحكمة الدستورية العليا ، وهى واحدة من شرفات القضاء المصري الشامخة على المستوى الدولي ، حيث تحظى وفق التصنيف الدولي بالمرتبة الثالثة على مستوى العالم ، لم تنل فضل سبقها غير المحكمة الدستورية الفرنسية و المحكمة الدستورية الألمانية ، قد نالت بدورها نصيبا وافرا من التشكيك في استقامة مقاصدها ، وسلامة مصداقيتها ، بينما أطلق رئيس مجلس الشعب ، الذي تعجـلّ انتخاب نفسه رئيسا للجنة الدستور، أوصافا تقطر انفعالا وغضبا على المعارضين للسلوك الاستعلائي الاستحواذي للمؤسسة الدولية التي ينتمي إليها ، فقد عدّهم " قلة تريد فرض رأيها وإثارة الرأي العام " وهو ما يعد تحديثا وتطويرا في الخطاب السياسي للنظام السابق ـ الذي كان يصنّف الشارع السياسي إلى أغلبية وأقلية .

فقد تضمن التطوير الجديد للخطاب ، تصنيفهم إلى " أخوان " هم عموم الشعب و " قلّة " تريد فرض رأيها بالشغب والإثارة ، وكأن جيوش المعارضين في الشوارع والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والائتلافات الشابة ،هم نفر يعدّون على أصابع اليد الواحدة .

من الطبيعي إذن ، في ظل مفهوم " المؤسسة الدولية " أن يتنزّل خطاب جماعة الإخوان من أفواه قادتها على هذا النحو ، ومن الطبيعي مادام الخطاب ينحدر من أفواه مؤسسة أوضح وأهم صفاتها أنها دولية أى فوق وطنية ، وفوق قومية ، أن يكون عصفا بالمعارضين الذين ما يزالون سجناء في زنارين الوطنية ، أو محتجزين في متحف القومية ، أو مغيبّين في صحارى الخصوصية الوطنية ، أو مقيدين بالطبيعة التاريخية للدولة المصرية ، ومن الطبيعي أيضا ان يتم تطوير الهجوم الذي بدأته الجماعة على الحكومة الحالية ، من مجلس الشعب الذي أصبح في نظر الرأي العام تجسيدا حقيقيا للانفصال عن حياة الناس وحاجاتهم ، تحت دعوى فشل هذه الحكومة ، في الاستجابة لضرورات هذه الحياة ، رغم ما فى ذلك من تناقضات ، وتحد للإعلان الدستوري، الذي كانت لهم المساهمة الأكبر فى تدبيج بنوده ، وفى الدعاية المبتذلة التي حرضت عموم الناس على التصويت لصالحه .


ثم كان من الطبيعي أيضا أن ينحرف الهجوم ليصوب أسلحته المثلومة ، ناحية المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، بالاستعداء و الاستعلاء وخيلاء القوة ، ورياح" المؤسسة الدولية " التي تنفخ في شراع الجماعة متعجــّلة تحويل مصر إلى ولاية تابعة في إطار مشروع مستورد تحت اسم الخلافة الإسلامية .


***



وهكذا كان من الطبيعي أيضا أن يرد المجلس في بيان له إلى المحكمة الدستورية ، كرامتها الذبيحة ، واستقلالها المهان ، وان يضع تفسير الهجوم عليها فى مكانه الصحيح باعتباره " سعيا إلى تحقيق مصالح حزبية ضيقة على حساب قدسية القضاء " ، قبل أن يختتم بيانه بكلمات واضحة : إننا نطالب الجميع بأن يعوا دروس التاريخ لتجنب تكرار أخطاء ماض لا نريد له أن يعود " .

ولست ممن يعتقدون أن هذه الخاتمة تحمل تهديدا ، بقدر ما تحمل دعوة إلى إيقاظ الذاكرة التاريخية ، ليس للجماعة وحدها ، وإنما للقوى السياسية وللشعب كله ، خاصة وأنها أكثر المواقع الوطنية تعرضا لعوامل التعرية والهدم والإذابة .


***


لا أريد أن أتوقف تنشيطا لبعض خلايا هذه الذاكرة الوطنية ، عند مشهد الصدام مع ثورة يوليو ، لأن التأويل جاهز ، والاتهام بالانحياز جائر وجائز ، رغم أن وثائق المشهد بدورها حاضرة وجاهزة ، ولهذا سأعود إلى مشهد أكثر قدما استبق ثورة يوليو كما استبق وتلي قرار حل الجماعة بعد أن أصبحت دولة داخل الدولة ، وسعت إلى إن تفرض سلطانها بالقوة المسلحة في ظل النظام الملكي ، رغم أنها ظلت أقرب إليه من حبل الوريد .

في بداية عام 1948 كان الإخوان يشعرون بأن أشرعتهم وحدهم هي الملأى برياح قوية ، وأنهم أصبحوا قادرين على الإبحار بها بعيدا ، وقد ترجموا ذلك إلى سلوك ، فقد أرسل حسن البنا عريضة إلى الملك يتعجل إقالة النقراشي ثم أعقب ذلك قيام شابين من الإخوان باغتيال المستشار الخازندار رئيس محكمة الجنايات ( 2 مارس 1948 ) والذي حكم في قضية القنابل ولم يكن المتهمون فيها ينتمون إلى الإخوان ذلك يعنى أنهم نصبوا من أنفسهم قاضيا عاما وضميرا عاما للمجتمع وأداة – أيضا – لتنفيذ أحكامه .

وحين زُجّ بالجيش المصري في حرب فلسطين كتب الإخوان إنها " أظهرت وطنية الملك المفدى في أجلى صورة ، فقد كللت معركة فلسطين هامته بفخار تزهو به مصر ، ويباهى به التاريخ " .

ومع أن الإخوان اختاروا أن يدفعوا إلى جبهات القتال بعناصر ليست ضمن قوتهم الأساسية المدربة ، إلا أن القتال في فلسطين قد لعب في النصف الثاني من الأربعينيات ما لعبه القتال في أفغانستان خلال الثمانينات ، يضاف إلى ذلك إن الحكومة تركت لهم معسكرا مفتوحا للتدريب العسكري في منطقة حلوان ولم يكشف النقاب عن هذا إلا في أوراق ملف اغتيال النقراشي بعد ذلك ..

وعندما كان الجيش المصري مازال ينزف تحت إشكال مختلفة من الإبادة والحصار في فلسطين كان الإخوان يلعبون في القاهرة والإسكندرية لعبة " مصائد القنابل " ترويعا أو تركيعا للجميع ، حيث "صار الناس لا يأمنون على أنفسهم في غدوهم ورواحهم من أن تقصف بالجالس او الراكب منهم بقنبلة أو رصاصة من مسدس ، أو سقف ينهار عليه في أي لحظة من نهار أو ليل" ..! .


ووصل إشعاع الخوف الزاحف إلى الملك نفسه حيث شدد عليه الحراسة ، وتسلح بمسدس ليدرأ عن نفسه الخطر ، وترددت في ساحة القصر الملكي وتحت قبة مجلس الوزراء أفكار لمواجهة الجماعة التي تحولت فعليا إلى دولة داخل الدولة ، وكان من بينها حل الجماعة والاستيلاء على أسلحتها وتشريد أعضائها ، وكان هناك من يتنصت للجماعة فقد وصلت الأخبار إلى المرشد العام ، ولجأ إلى مرتضى المراغى ( مدير الأمن ) وطلب منه أن يتجاوز رئيس الوزراء ، وأن ينقل إلى الملك مباشرة رسالة طمأنة بأن الإخوان لا يريدون به شرا وأنهم ليسوا قوامين عليه ، وعرض مدير الأمن الأمر على رئيس الوزارة ، وطلب منه النقراشي ألا يقوم بتوصيل الرسالة إلى الملك ، وفى أول يوم الافتتاح الدراسة بالجامعات أطلق الإخوان شغبا مسلحا وألقيت على حكمدار العاصمة سليم ذكى قنبلة أودت بحياته (4 / 12 / 1948 ) بعدها بيومين شب شغب آخر في المدرسة الخديوية وهرع الضباط فواجهتهم قنابل الطلاب فأصيب سبعة ضباط وجنود ، وبعد يومين( 8 / 12( صدر أمر عسكري بحل جماعة الإخوان المسلمين وشعبها وضبط أوراقها ووثائقها وأسلحتها لأنها " انحرفت عن أهدافها الدينية والاجتماعية التي تأسست من أجلها واتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها ... " .



وهرع الشيخ البنا مرة ثانية إلى كريم ثابت وطلب وساطته لدى الملك ، لأن الإخوان عون للملك في مقاومة الشيوعية والأفكار الهدامة ، ووفق مذكرات كريم ثابت فقد عرض الشيخ البنا صفقة تتضمن إلغاء قرار حل الجماعة مقابل إعلان منه بان الإخوان لن يشتغلوا بالسياسة بتاتا ،،، وقد عدّ اشتغالهم بها في لقائه مع كريم ثابت مصدر الخطأ ، وعندما ذهب كريم ثابت ليحادث الملك وجده في شدة الغضب فقد أخرج من أدراج مكتبه نتيجة من ( نتائج الحائط ) التي تطبعها الحكومة ومنزوع منها صورته ، وملصق مكانها صورة المرشد العام وعلق قائلا :

" إنها صورة الملك الجديد " وبعد عشرين يوما من قرار حل الجماعة ، وفى العاشرة صباح الثلاثاء 28 ديسمبر سقط النقراشي رئيس الوزراء برصاصتين أطلقهما عليه الطالب الاخوانى عبد المجيد حسن داخل مبنى وزارة الداخلية ليكون وقع الفعل شاهدا بسلطانهم معلنا عن قوتهم وليجمل من معنى التحدي للسلطات والاستهانة بها وإسقاط هيبتها ، ما يعيد للجماعة منزلتها التي عسف بها أمر الحل . ،،


وكان هناك – أيضا – ( مفتى للدماء ) فقد ضبطت ضمن أوراق القضية فتوى تقول " علينا ألا نتردد في الاستعانة بسنة رسول الله في اغتيال أعدائه ... ولم يقتصر الرسول على اغتيال الرجال فحسب بل امتد إلى كل امرأة عنيدة خطيرة على امن الناس وسلامتهم ! ،، .

وتدفقت اعترافات المتهم بعد أن أصدر الشيخ البنا بيانا نفى فيه ما يعلمه عن الجريمة وانه يبرأ منها ومن مرتكبها ، وقال القاتل عقب قراءته للبيان " أردت أن أعلن جميع أفراد النظام الخاص بأنه قد غرر بنا جميعا ولست أنا وحدي ".

وتصرفت الدولة هي الأخرى كإرهابي مأجور فبعد عيد ميلاد الملك بيوم واحد (12 / 2 / 1949 (أطلق مخبرون سريون تحت إشراف ضابط برتبة أميرالاي النار على الشيخ حسن البنا تنفيذا لخطة وضعها عبد الرحمن عمار بتعليمات مباشرة من القصر الملكي .

واعترف فاروق في حديثه مع السفير البريطاني وفق الوثائق البريطانية فى " 2 مارس 1949 " بأن مقتل البنا كان انتقاما لمقتل النقراشي ، بينما ذكر السفير البريطاني أن البنا لم يستحب لتهديد بالقتل إذا لم يرشد الحكومة عن مخازن السلاح الخاصة بالجماعة .

وقد يكون على جانب من الأهمية الإشارة إلى أن النقراشي وحزبه السعدي هو الذي أطلق سراح الشيخ البنا ورجاله من المعتقل في بداية الحرب العالمية الثانية ، ومكن لهم أفقا أوسع للحركة والنمو ، وأن النقراشي على الجانب الذاتي كان بالغ الاستقامة سوى السلوك ، دخل ساحة العمل السياسي في وطنه مجاهدا فقيرا وخرج منه أيضا بيدين نظيفتين وثوب ناصع .


***



ما هو المطلوب منا ، أن نعتمد رسميا شهادة كارتر في حب الناس لهذه المؤسسة الدولية باعتبارها بدورها وثيقة دولية ، وأن نقتنع بأن سحرة فرعون هم اللذين يلطـّخون وجهها بالرماد ، وأن نؤمن بأن رئيس هذه المؤسسة سوف يلقى عصاه فإذا هي حــّية تسعى لتلتهم هذه الثعابين الضالة ، وأن نقنع بحل وسطى للنزاع وكأنه نزاع على بقرة يمكن للفرقاء أن يقتسموا لحمها وعظمها ، وفق موازين ما يدّّعونه من بأس وقوة .


لا تسريب علينا إن رفضنا ، أما المتحوّلون والمنتهزون والمرجفون " فحسابهم فى ذمة الشعب ، وفى ضمير التاريخ .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :