اللواء / باقي يوسف ثورة يناير و استعادة روح حرب أكتوبر؟     


* انتدابي للعمل بـ"السد العالي" ساعدني على فتح الثغرات بالساتر الترابي
"* عبد الناصر" أمر بتجربة الفكرة وتنفيذها في حالة نجاحها
* الفكرة أربكت العدو ووفرت الوقت وحجمت الخسائر في الأفراد والمعدات إلى الحد الأدنى
حوار : محمد رمضان حجازى
تمر الايام وتتعاقب السنوات ويبقى نصر الكرامة نصر السادس من اكتوبر عام 1973 خالدا فى ذاكرة التاريخ وذاكرة الشعب المصرى والامة العربية بل والعالم كله
فهذا النصر العظيم اذهل قادة اسرائيل وكل المحللين العسكريين .. بل والعالم كله من حيث الاستعداد والتدريب والتغلب على العوائق الشديدة الصعوبة كخط بارليف وقناة السويس
فازالة الساتر الترابى الذى اقامته اسرائيل على الشاطىء الشرقى للقناة هو المستحيل بعينه .. هكذا صرح الاسرائيليون لوكالات الانباء العالمية .. مدعين بانه لايمكن ازالة هذا الساتر الا بالقنابل الذرية .. وكبرت الاسطورة فى اعينهم وصدقها العالم حتى تحطمت يوم السادس من اكتوبر 1973 باستخدام مياه القناة فى تجريف رمال الساتر الترابى لفتح الثغرات بواسطة مضخات خاصة تم تطويرها فنيا
وكان وراء هذه الفكرة العبقرية احد الضباط المهندسين بالقوات المسلحة المصرية
انه البطل اللواء / باقى زكى يوسف الذى استطاع تدمير وتحطيم اكبر ساتر ترابى ألا وهو خط بارليف
وللعلم فأن الضابط "باقى زكى يوسف" هو أحد أبناء الكنيسة المصرية القبطية ويمتاز بالتدين والاستقامة فى حياتة
فى البداية نود ان نتعرف على اللواء باقى زكى يوسف ؟
عملي في الأصل ضابط مركبات حيث تخرجت من كلية الهندسة جامعة عين شمس عام 1954 وتم انتدابي للعمل في مشروع السد العالي في الفترة من أبريل 1964 إلي 5 يونيه 1967 وعندما انتهت فترة الانتداب تم تعييني رئيساً لفرع المركبات بالفرقة 19 مشاة الميكانيكية بالجيش الثالث الميداني التي أخذت أوضاعاً دفاعية غرب القناة عام 1969 وكان عملي كضابط مركبات يتمثل في مسئوليتي عن أعمال صيانة وإصلاح السيارات
حدثنى عن احوال الجيش المصرى فى فترة ما قبل حرب 6 اكتوبر ؟
سبق حرب اكتوبر حرب الاستنزاف وقبلها كانت هزيمة يونيو 67 والتى اعتبرها كمين دولى كبير وتم التحالف على مصر لانهم شعرو ان مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر تخطت حدودها بدعمها للدول العربية واعطو اسرائيا دعم مباشر ودعم غير مباشر مما مكن اسرائيل من التوغل فى سيناء والجولان واحتلال اجزاء من الاراضى العربية وتمهد لفكرها التاريخى وهو اسرائيل من النيل للفرات
كيف تم إنشاء الساتر الترابي خط بارليف؟
استغل العدو الإسرائيلي الكثبان الرملية الطبيعية وأعمال الحفر بالقناة والتوسعات والتطهير التي حدثت في شرق القناة, لأن الغرب به أراض زراعية وتم توصيلها ببعضها البعض وقام بتقريبها إلي الحافة الشرقية للقناة تماما بميول وصلت إلي80 درجة وارتفاع للساتر في حدود من12 إلي20 مترا
وقام العدو بتجهيز تحصينات من خلال نقاط قوية وحقول ألغام ومصاطب دبابات علاوة علي احتياطي من القوات علي أعماق من3 إلي5 إلي8 كيلو مترات للقيام بهجمات مضادة للدبابات بالتعاون مع المدفعية والطيران لدرجة أن أصبح الساتر الترابي يشكل مانعا كبيرا آخر يقف وراء المانع المائي قناة السويس, بغرض فصل سيناء والضفة الشرقية عن مصر وردع أي محاولة وأمل لمصر في استعادتها مرة اخرى
كيف استوحيت فكرة تحطيم الساتر الترابى رغم كل ماقيل كونه لا يقهر ومجرد التفكير في اختراقه شئ من الجنون ؟
في اجتماع لقيادة الفرقة من أجل التجهيز حيث قام اللواء أ. ح سعد زغلول عبد الكريم بشرح المهمة المكلفة بها الفرقة من حيث قدرات العدو وطبيعة الارض والساتر الترابي بتفصيل شديد وكذلك التجهيزات القتالية والهندسية الموجودة به.
ولقد شدني باهتمام شديد نشأة الساتر الترابي وتكوينه وطبيعته ولم اهتم كثيرا بأبعاده ولا بالتجهيزات الهندسية ولا القتالية وراعتني التجارب التي كانت تتم للتغلب عليه وفتح الثغرات فيه من حجم المعدات المطلوبة والخسائر المنتظرة التي كانت في حدود20% من إجمالي القوات العابرة وأيضا الزمن الكبير لفتح أي ثغرة, فرفعت يدي طالبا الكلمة فقال قائد الفرقة انت بتاع المركبات تتكلم في الآخر لأنك هتشيل كل الكلام ده فأوضحت له أني سوف أتحدث في فتح الثغرات فابتسم وقال تفضل:
فبدأت قولي بأن الله سمح بهذا الساتر الموجود أمام الفرقة علي الضفة الشرقية للقناة مباشرة وبميول حادة وصلت لـ80 درجة, ولكنه وضع الحل في مياه القناة التي تنساب تحته فيمكن من خلال طلمبات عالية القدرة تثبت علي زوارق خفيفة تقوم بسحب مياه القناة من خلال مدافع المياه لتنهمر علي الساتر الترابي في الأماكن المحددة منه لفتح ثغرات لتعود المياه بالرمال ذاتيا إلي القناة ومع استمرار تدفق المياه علي الساتر بقوة الاندفاع الكبيرة يمكن فتح الثغرة بعمق الساتر الترابي وبالغرض المطلوب للثغرة.
ماذا حدث بعد ذلك؟
قلت هذا وساد المكان صمت وسكون في قيادة الفرقة حتي ظننت أني خرفت, ثم أكملت إن هذه الفكرة نفذتها مصر خلال بناء السد العالي فنحن نقلنا في السد العالي بنظام التجريف 10 ملايين متر مكعب من الرمال. فطالبني قائد الفرقة بإعادة الفكرة وماذا كنا نفعل بالسد العالي. فقلت: باختصار الفكرة هي تطبيق لقانون نيوتن الثاني وقلت لقائد الفرقة ان انهيار الساتر الترابي لا محالة قائم. ولو المسافة طويلة نعمل طلمبات تقوية للمحافظة علي تدفق الخليطة داخل المواسير التي كان قطرها60 سم وكانت نسبة الرمل بالنسبة للمياه من5 إلي10% أما في الساتر الترابي فالمطلوب سحب المياه من القناة وضخها مباشرة علي الساتر الموجود علي الحافة الشرقية في حين أن نسبة الرمل في هذه الحالة50% أي أنسب الظروف لتحقيق التجريف بالحجم الأدني للمعدات والتوفير الكامل للقوة المستخدمة. بعد ذلك قام قائد الفرقة بفتح باب الحوار والنقاش حول الفكرة والتي تبين منها أنه لا مشكلة مبدئيا بالنسبة لاستخدام هذه الفكرة ولكن المشكلة الأبرز كانت طبيعة تربة الصخرة بعد فتح الثغرات مباشرة أمام عبور القوات فكان رد القائد أن أسبقية العبور ستكون للمجنزرات المطلوبة فورا المصاحبة لعناصر المشاة المقتحمة مما يعطي الفرصة لأطقم التهذيب والتمهيد بمعالجة ما قد يظهر, أما المشكلة الثانية فكانت الطلمبات المستخدمة وكان الرد ان طلمبات السد العالي كبيرة ا لحجم وتعمل بالكهرباء لأنها مصممة علي اعمال التجريف اما بالنسبة للساتر الترابي فالمطلوب طلمبات ميكانيكية أو توربينية صغيرة الحجم مما يسهل عملية نقلها والمناورة بها وتأمينها وتأمين سلامة القائمين علي تشغيلها.
ويستطرد قائلا وأمام النتائج المحدودة للبدائل الأخري شعر قائد الفرقة بأهمية دراسة الفكرة ففي الساعة12 مساء قام بالاتصال بقائد الجيش وعرض عليه الفكرة
وماذا كان رده؟
قال تعالوا الصبح ورافقت قائد الفرقة الي قيادة الجيش بحضور رئيس مهندسي الجيش وبعد مناقشة الفكرة من كل الجوانب قام بالاتصال بهيئة العمليات فرد عليه اللو اء ممدوح تهامي نائب رئيس هيئة العمليات والذي كان قبل ذلك قائد الفرقة19 وعرض عليه الفكرة فرد اللواء تهامي ما اسم الضابط صاحب الفكرة فقال مقدم باقي زكي يوسف فقال هذا ضابط مجتهد وجاد جدا
فطلب ان اذهب اليه في القاهرة وبعد ان ذهبت اليه وعرضت الفكرة قال وهو يضرب زجاج مكتبه يا بني هي لا تأتي إلا هكذا هو إيه اللي احنا بنعمله ثم اتصل برئيس هيئة العمليات وشرح له الفكرة افضل مني فقال ارسله الي رئيس مدير المهندسين وكلمه اولا وتم الاتصال باللواء جمال محمد علي مدير المهندسين العسكريين علي ان اعود اليه ثانية وفي لقائي مع اللواء جمال محمد علي وبعد ان استمع للفكرة سألني من من ضباط ادارة المهندسين كان يعمل معك في السد العالي وكان منهم العقيد شريف مختار والذي كان يعمل في الادارة فاستدعاه للمكتب وقال له اسمع يا شريف ماذا يقول باقي فسمع وتحمس للفكرة وقال لازم بنجرب يا فندم لا طوربيد بنجلور ولا غيره. ثم ذهبت الي اللواء ممدوح تهامي وعرضت عليه ما تم وعدت الي الفرقة وفي طريق عودتي ذهبت الي وزارة السد العالي فحصلت علي بعض النشرات التي كانت تصدر اثناء مراحل بناء السد العالي وخاصة عمليات التجريف. ثم عدت الي قيادة الفرقة مساء وأخبرت قائدها بما تم فطلب مني تقريرا مختصرا عن الفكرة وحساباتها المبدئية لعرضه علي قيادة الجيش وهيئة العمليات وفي اليوم الثاني استدعاني وطلب التقرير لأن هناك موعدا مع الرئيس جمال عبد الناصر وسوف نعرض عليه الفكرة
ثم قامت ادارة سلاح المهندسين بـ300 تجربة علي الفكرة بدأت بطلمبة من طلمبات السد العالي في شهر سبتمير1969 في منطقة حلوان فأعطت نتائج جيدة. ثم تم تجربة الطلمبات الميكانيكية ذات الحجم الاقل والقدرة الاكبر الي ان تم تدبير الطلمبات التوربينية ذات الحجم المحدود والقدرات الهائلة. في يناير1972 تم عمل بيان في جزيرة البلاح داخل القناة علي الساتر الترابي الموجود في الجزيرة والمشابه تماما للساتر الترابي في شرق القناة وتم فتح الثغرة في3 ساعات وهو التوقيت المناسب للاقتحام والعبور وقتها تقرر أن يكون اسلوب التجريف هو الاسلوب المستخدم في فتح الثغرات.
ثم صدرت التعليمات لجميع الاجهزة والادارات في القوات المسلحة لتدبير المعدات والمهمات اللازمة وتدريب الافراد المقرر قيامهم بأعمال الفتح والذي تم تنفيذه في أكتوبر1973 وكانت أول ثغرة في الساعة السادسة مساء يوم6 أكتوبر ثم تم فتح75% من الثغرات حوالي60 ثغرة قبل العاشرة مساء يوم6 أكتوبر بعد أن انهار90 ألف متر مكعب من رمال الساتر الترابي شرق القناة إلي مياه القناة. ليعبر لو اء مدرع بالكامل من معبر شمال القرش حيث الساتر الترابي يصل ارتفاعه إلي20 مترا في الساعة الثامنة ونصف يوم6 أكتوبر
هل توقع العدو هذه الفكرة؟
كل الدراسات كانت تشير إلى استحاله فتح ثغرة بالوسائل التقليدية، ولم يتوقعوا هذه الطريقة السهلة الغير تقلدية، وكل الوسائل التي جربها العدو على "خط بارليف" لم تستخدم هذه الفكرة؛ فقد كانت في غير الحسبان بالنسبة لهم، وأربكت العدو وفاجئته ووفرت الوقت وحجمت الخسائر في الأفراد والمعدات إلى الحد الأدنى، بحيث أن القوات الرئيسية -في وقت لم نصدقه نحن أنفسنا ولا العدو- عبرت وجهزت نفسها واستعدت للمواجهة براحة شديدة جدًا، وهاجمنا على طول الجبهة من "بورسعيد" إلى ما بعد "السويس"، والكل فتح الثغرات المطلوبة، وبدأت الحرب الساعة الثانية بعد الظهر، وفي السادسة فتحنا أول ثغرة، وفي العاشرة كنا قد فتحنا ستين ثغرة، وفي الساعة الثامنة والنصف عَبَر أول لواء مدرع، مما أربك العدو وأفقده تركيزه
عند تنفيذ الفكرة في حرب أكتوبر.. ماذا كان شعوركم؟ وما هي المعوقات التي قابلتكم؟؟
في 73 كنت رئيس فرع مركبات الجيش الثالث، وكنت مسئولاً عن إلحاق نقاط النجدة على المعابر؛ لأن مستوى الجيش هو المسئول عن تأمين شرق وغرب القناة، وحينما كنت أرى هذا الساتر الترابي يذوب كالجليد في مجرى القناة، ورأيت جنودنا يعبرون، وفي ذلك الوقت شعرت بانتصار وفخر، وأن الله أتاني هذه الفكرة لأن الجميع كان يتوقع أن الساتر يحتاج لإزالته إلى قنابل ذرية، فتحت الثغرات بأقل مجهود وأبسط الترتيبات، ليست هناك مدفعية تضرب ولا قنابل، كانت الأرض عبارة عن أمان تمامـًا لكل العابرين.

لماذا لا تشارك في القضايا الوطنية مثل الوحدة الوطنية والفتنة الطائفية؟
أنا لا أشعر بوجود فتنة؛ فأقاربي مسيحيين وأحبائي مسلمين، وكل هذا دخيل علينا والفتنة شيئ خارج عن الطبيعة المصرية، وإذا أعطيت الموضوع أكبر من حجمه فأنت تشارك فيه
كيف كان تكريمك؟
** أنا كنت نائبـًا لرئيس الهيئة الفنية للمركبات، أما عن الأوسمة والأنواط التي حصلت عليها؛ فكانت نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى عن أعمال قتال في حرب 1973، ونوط التدريب والبحوث الفنية من القوات المسلحة، ووسام الجمهورية من الطبقة الثانية في نهاية الخدمة بالقوات المسلحة في 1/7/1984م
ما هي الرسالة التي خرجت بها بعد كل هذه الأحداث؟
الرسالة باختصار هى مصر فوق الجميع
وهكذا تحقق نصر أكتوبر بأفكار أبناء مصر المخلصين؛ مسلمين ومسيحيين، لا فرق، فالكل يخدم بلاده ويدافع عن تراب بلاده، وبالفكر والتركيز والدراسة والوعي والحب استطعنا تحقيق نصر أكتوبر.
المعجزة وبدَّل استراتيجيات حربية مستخدمة منذ مئات السنين، وأعطى دروسـًا فس فنون الحرب تُدرس الآن في كل الأكاديميات العسكرية، بأفكار عبقرية بسيطة استطاع جيشنا الباسل تحقيق
هل يمكن أن تمكن الثورة الشعب المصري من استعادة روح حرب أكتوبر؟
- نحن نعيش فى أجواء مثل أجواء العاشر من رمضان. والشباب الذى كان موجودا معنا في الحرب موجود مثله الآن وهو الذى شارك فى الثورة . لو أحد كان كتب ما حصل في الثورة المصرية قبل ما تحصل لم يكن سيتم تصديقه، وربنا قال "اسعى يا عبد وأنا أعينك". وفي اعتقادي أن الثورة ستكتمل بصورة أروع مما نتوقع لأن الله هو صانعها ولن يتركها حتى تكتمل. لذلك يجب أن نستمر في سعينا لتحقيق أهدافها دون ملل.
( هنا روى المهندس باقي زكي قصة سيدة مسنة تبلغ من العمر ما يقارب 90 عاما، جاءت الى مكان بالقرب من جبهتهم وهي تحمل سلة من الخبز الساخن. وقال لها باقي لماذا تجهدين نفسك هكذا؟. فردت عليه "لا يا ابني أنا ابني معاكم في الجيش ولما أكلكم كأن ابني أكل بالظبط.. وقال هذه هي روح المصريين التي تظهر دائما في الشدائد

هذا هو اللواء القبطي الذي أبهرت عبقريته القريب والغريب - العدو والحبيب وكان له دور أكبر مما نتخيل في تحقيق النصر لمصر




 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :