مصر بين خيار الانفجار الشعبي والانفجار العسكري     


مصر بين خيار الانفجار الشعبي والانفجار العسكري

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com


بغض النظر عن طبيعة الاصطفاف السياسي والاجتماعي ، أو التناقضات الرئيسية أو الثانوية ، أو الخطابات السياسية والإعلامية المتصادفة في الفضاء ، أو الطبيعة الخاصة التي تمر بها المرحلة الانتقالية في أعقاب كل ثورة شعبية ، يبقى السؤال الجوهري ، الذي تشكل الإجابة عليه معيارا موضوعيا ، لنجاح الثورة أو لتعثرها ، لتقدمها على طريق تحقيق أهدافها أو لنكوصها ، هذا السؤال الجوهري هو : ما هي طبيعة القوى السياسية والاقتصادية والفكرية ، التي تمكنت من الاستحواذ على المبادرة السياسية ، وأين أصبحت هذه المبادرة ، وما هو مضمونها ، وفي يد من؟

ذلك أن الاستحواذ على المبادرة السياسية ، هو قلب معركة الثورة – أي ثورة – والاستحواذ عليها يعني أن قوة سياسية واقتصادية وفكرية بعينها ، هي التي ترفع عربة الثورة ، والوطن من أمامها ، في اتجاه ما تراه معبّرا عن مصالحها ورؤيتها ، بعد أن تمكنت من ترويضها واحتوائها ، وفرض إرادتها عليها ، وصادرت ما عداها من التأثير الفاعل و المحسوس ، في عملية مجتمعيّة هدفها تحديد الاتجاه والمسار ، وإيقاع الحركة .

♦♦♦

إن الحقيقة الساطعة تؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين مع آخرين ، على خطوط الاصطفاف الديني ، هي أكثر القوى استحواذا على المبادرة السياسية ، وهي في طريقها إلى الاستحواذ الكامل والمطلق عليها ، وأن ممارستها العملية الممتدة ، منذ المرحلة الأولى التي تلت نجاح الثورة في إزاحة النظام ، وحتى هذه اللحظة تقدم شواهد واضحة ومحددة ، على أن الأمر لم يجر بصورة عشوائية ، وإنما جرى مخططا ومبرمجا ، ومساندا من قوى خارجية ، وقد استخدمت فيه كل أدوات صناعة الوهم ، وكافة حيل الالتفاف والاختراق والتقسيم والتطويق ، .

بل إن مراجعة خطابات الجماعة على امتداد أكثر من عام ، بما في ذلك صيغ التحالف التي طرحتها ، ودعوات التوافق اللحظية التي دعت إليها ، وأساليب الحركة وإعادة الاصطفاف بين القوى التي دعمتها ، تؤكد بجلاء أن استراتيجية التمكين للجماعة في المجتمع ، اندفعت بقوة مضاعفة لتحقيق أهدافها الذاتية ، وأنها انتقلت من مرحلة الإحلال محل النظام السياسي السابق ، إلى مرحلة الإحلال محل الدولة ذاتها .

غير أن الملاحظ في ذلك ، عدة أمور :

أولا : أن المعركة حول الاستحواذ على المبادرة السياسية في الداخل ، لم تكن منفصلة طوال الوقت ، عن الوضع الإقليمي والدولي ، وكلاهما مثّل مصدر التغذية الأساسية ، التي تمت لصالح القوى الإسلامية ، إخوانا أو سلفيين .

ثانيا : إن في إطار هذه المعركة ، فإن المخطط الخارجي المدعوم بكافة أدوات الاختراق في الداخل ، قد لعب إلى جانب الدور السابق دورا رئيسيا ، في خلخلة أوضاع كافة القوى السياسية المناوئة ، ولكن دوره الأساسي من خلال صيغ متعددة ، تبدأ بالخنق الاستراتيجي من الخارج ، وتنتهي عند تأليب الداخل على نفسه ، وشحن تناقضاته الذاتية ، ظل هدفه الثابت هو إسقاط المبادرة السياسية من يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وقد تكفّلت أدوات التحريض ، وقى الصدام المادي ، وأسواق الدعاية الإعلامية ، في اهتزاز ما تبقى من هذه المبادرة مرات بين يديه .

ثالثا : إن استحواذ جماعة الإخوان المسلمين على المبادرة السياسية ، في ضوء النقطتين السابقتين ، لم يكن استحقاقا طبيعيا يعكس موازين القوى ، في صيغها السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية ، وإنما كان تعبيرا عن خلل جوهري في هذه الموازين ، فلقد استمدّت قوة الفعل والتأثير طاقتها ، من ضعف الآخرين ، واستضعافهم وتشتتهم ، وأطماعهم وبراءتهم ، أكثر بكثير مما استمدّته من قدراتها الذاتية .

رابعا : أن أحد دروس هذه المرحلة ، في مواجهة سعي جماعة الإخوان للاستحواذ على المبادرة السياسية ، تنطق به آلية ردود أفعالها كلما أصابت نجاحا ، في الضغط على بقية القوى السياسية ، وكلما دفعتها إلى الخلف ، واستخلصت مساحة من الأرض السياسية واحتلتها ، فمع كل نجاح سياسي يتم إحرازه ، يتولد شعور معنوي أكثر سطوة بالنجاح ، يولّد بدوره سعيا جديدا لإحداث مزيد من الضغوط ، ودفع بقية القوى السياسية إلى الخلف ، الأمر الذي يترجم نفسه إلى السعي لاحتلال أرض سياسية جديدة ، وهذه آلية تفعل فعلها دون توقف ، حتى ليخيّل إليك أنها تدفع أصحابها في أفق طامع بغير حدود ، وفي مساحات مفتوحة دون خطوط ، وبرغبات مستعرة دون تعقّل ، وأن أصحابها يريدون المائدة لأنفسهم وحدهم ، وأنهم لن يتركوا لسواهم عندما يجلسون عليها منفردين ، لا نتفة من اللحم ، ولا شرخا من العظم .

خامسا : على امتداد هذه المرحلة – أيضا – بلقاءاتها ومفاوضاتها ، وحواراتها وتحالفاتها ، التي ظلت تتحلل قبل أن يجف حبرها ، يثبت باليقين أن السعي الوطني من جانب كثير من القوى ، وقد كان يجاهد في خلق حالة توافق وطني ، قد اصطدم دائما بصخرة واحدة ، هي المناورة على حجم الاستحقاق الذي تريده جماعة الإخوان المسلمين لنفسها ، وأن كافة محاولات البحث عن حلول وسط ، مع ما تتضمنه من مغارم لبقية القوى السياسية ، انتهت إلى البوار والإفلاس ، وهو ما بقطع بأن البحث عن طريق وسط ،وعن تسويات مكتملة ، لم يعد مجديا ، فوق أنه لم يعد على الجانب الآخر موضوع إغراء أو طلب .

سادسا : ساعد على ذلك دون شك ، أن الخطاب الليبرالي ظل باهتا ، ومتعاليا ومغلقا على نفسه ، كما أن قلّة فاعليته نتجت في مرحلة عن تجاوبه المباشر مع مفردات الخطاب الغربي ، حتى بدا ظلّا وطنيا له ، كما نتجت في مرحلة تالية عن سعي مضاد له ، ربطه أحيانا بتمويل أجنبي جاهز ، وربطه في مرحلة أخرى بنزوع طائفي هلى جانب ، ومضاد للإسلام على الجانب الآخر .

سابعا : إن الخطاب الاقتصادي الاجتماعي ، والذي مثّل النبرة الأعلى ، خلال فيضان الثورة الجارف ، سواء بحكم شعارات الثورة في الميدان ، أو بحكم الطبيعة الاجتماعية للقوى التي قدمت ذاتها وقودا لها ، من شرائح الطبقة المتوسطة ،والطبقات الدنيا ، قد تعرض إلى محنة المسخ ، والتزوير ، والإتلاف .
إن الاستحقاق الأول لهذه الثورة ، قد انبثق تلقائيا في الميدان ، في تعبري واحد محدد هو " العدالة الاجتماعية " وقد تم مسخه وتزويره ، سواء من جانب جماعة الإخوان المسلمين ، التي حولته إلى دعوة للتكافل ، ومساندة الفقراء ، ببركة الهبات والمساعدات ، باعتبارهم يتسوّلون فائضا من الأغنياء لاحقّا ، مستقطعا منهم بسكاكين الاستغلال ، أو يشحذون قطرات الزكاة ، من وعاء تجمع فيه أموالها ، كما يجمع الندى المتساقط من الفضاء في أيام الجفاف و التحاريق ، وسواء من جانب الليبراليين المحدثين الذين فتتوا معنى العدالة في مفردات ، هدفها الحقيقي تحصين الاستغلال نفسه ، على غرار الشفافية ، ومكافحة الفساد.
أما أولئك الذين يتحدثون باسم اليسار ، ويسار الوسط ، فقد اصطفوا إلى جانب الليبراليين ، الذين حوّلوا السوق إلى إله ، وصندوق الانتخابات إلى إنجيل .
ولم تكن نتيجة ذلك وبالا عليهم ، بل وبالا كاملا على الثورة ذاتها ، التي تم طمس أكبر أسباب انفجارها ، وإجهاض أوضح وأبرز أهدافها ، بينما بقى القوام الأعظم من المصريين ، يكابدون شِقّة العيش ، ومذلّة إشباع الحاجات الأساسية ، وهم يرممون حلما يتبدّد ، وأملا يغيب .

ثامنا : إن صعود الإخوان ، إلى قرب شرفة الاستحواذ الكامل ، على المبادرة السياسية ، إضافة إلى ما أحدثه من مناخ مشبع بالقلق في قواعد المجتمع ،ومن خلخلة أوضاع النخب السياسية الطافية على سطحه ، قد أدى إلى بروز ظاهرة جديدة قديمة ، وهي ظاهرة " المتحوّلين "فبعض أولئك الذين كانت مواقفهم السياسية والفكرية ، أقرب إلى اليسار ، أصبح سلوكهم السياسي ، أوضح تعبيرا عن محاولة لاستباق حجز مقعد في دولة الإخوان أو حكومتها المرتقبة ، ومن المؤكد لذلك ، أنه إذا أصبحت الثمرة بأكملها دانية القطاف في يد جماعة الإخوان ، فإننا سنشهد ظاهرة هرولة كاملة ، في اتجاه المسيطر الجديد ، لن تكون وقفا على بعض المشتغلين بالسياسة ، وإنما ستشمل خريطة واسعة ، تمتد خطوطها في بنية الدولة ومؤسساتها .

تاسعا : أمام تلك النزعة الاستحواذية الواضحة للجماعة ، وأمام وضعها نظرية التمكين ، في إطار خطة واضحة المعالم ، تبدأ بالإحلال محل النظام ، وتنتهي بالإحلال محل الدولة ، فإن الدولة المصرية تواجه تحديا هائلا ، تُدفع مصر كلها بموجبه ، في مفصل تحوّل فوق منحدر كبير ، ذلك أن تجريف الدولة المصرية ، وتغيير قواعدها الحاكمة ، وخصائصها التاريخية ، هو بمثابة تغيير لدور مصر ذاتها ، ولوظيفتها ، يضاعف من خطورة ذلك ، أن العملية برمّتها تتشابك خطوطها ، ومصالحها وأدوارها ، مع أدوار إقليمية طامعة ، في وراثة الدور والوظيفة ، وهي مجرد واجهة لأطماع امبريالية واستعمارية ، مدفوعة بمطامع إمبراطورية ، في ظل أزمة اقتصادية هيكلية ، تقصف بأشجار الغرب كله ، وتنقلها إلى خريف عاصف .

عاشرا : إن ما تحاول جماعة الإخوان فرضه الآن ، بسلوكها كقوة غالبة ، سواء بإزاحة الحكومة القائمة ، والاستحواذ على مقاعدها ، بالمخالفة للإعلان الدستوري ، وللقانون ، وسواء بفرض تفسير وحيد الجانب ، للمادة 60 من هذا الإعلان ، بتشكيل هيئة صياغة الدستور الجديد ، بنسبة 50% من أعضاء المجلس ، الذي تستحوذ مع السلفيين على أغلب المقاعد ، إضافة إلى قضايا أخرى في السياق ذاته ، لا ينبغي وضعها يف إطار خلاف سياسي ، أو قانوني ، وإنما يتحتم وضعها وتصنيفها ، في إطار قضايا الأمن القومي ، باعتبارها تشكّل خطوطا رأسية ، لا تقبل تنازلا أو إزاحة ، أو حلول وسطى ، فتلك هي المرحلة قبل الأخيرة ، يف الإحلال محل الدولة ، وتلك هي المدخل الفسيح ، لإغراق مصر في مشاكلها الداخلية ، وتعيد التناقضات فيها وتعميتها عما يدور حولها ، بدفعها إلى الانكفاء ومن ثم الانحناء والتركيع ، لقد كانت مصر قبل الثورة ، حكومة بلا شعب اقتصاديا ، وسيظل الأمر كذلك ، إذا احتل الإخوان مقاعد الحكومة ، لكن الإضافة الفارقة الجديدة ، تتحدد في أنها ستصبح شعبا بلا حكومة سياسيا .


♦♦♦




إذا كان الإخوان يسعون إلى الاستحواذ على المبادرة السياسية ، فما هي طبيعة هذه المبادرة ، وما هو مضمونها ؟

إن أول ما يلفت النظر في ذلك ، أننا دائما في خطاب الإخوان وفي توجههم العملي على السواء ، أمام مستويين متناقضين ، واجهة خارجية تم طلاؤها بكل ألوان الجاذبية الشعبية والوطنية ، وقيم التوافق مع الثورة وأهدافها ، وبنية داخلية لا علاقة لها بهذا الخارج ، الذي يشعّ ديموقراطية ، وعدلا ، وتوافقا وطنيا ، بل هي نقيضه الذي يشكل جوهر التوجه ، ومضمون الاستراتيجية .

ووراء هذا الخطاب الذي يقطُر حرية وديمُقراطية ، ودون الدخول في توظيف أساليب تناهض الحرية والديمُقراطية ، سواء في صياغة العلاقات مع القوى السياسية الأخرى ، أو في أساليب وأدوات الدعاية العامة والانتخابية ، فقد يكفي التوقف عند بعض البنود التي رفضوها وأصرّوا على شطبها عندما تحلّقوا حول مشروع وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور ، قبل شهور .

ففي البنود التي تتعلق بالإعلام والصحافة ، رفضوا نص البند الذي يقول " حرية الصحافة والإعلام مكفولة " وفي البند 14من الوثيقة ، في الياق ذاته ، شطبوا نصا محددا هو " حظر مصادرة أو وقف وسائل الإعلام إلا بحكم قضائي ولفترة محدودة " .

وفيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة ، أصروا على حذف المادة 23 كاملة من الوثيقة والتي تنص على أن " المبادئ الأساسية والحقوق والحريات العامة الواردة في الوثيقة ، لصيقة بالمواطن ولا تقبل وقفا أو تعطيلا أو انتقاصا ، ولا يجوز لأي من سلطة الدولة أو مؤسساتها أو لأي جماعات أو أفراد الإتيان بعمل يهدف أو يؤدي إلى إهدارها أو الانتقاص منها ، أو الإخلال بها " .

وقد يبدو أن ما استفزّهم في النص السابق ، والذي استوجب الإصرار على حذفه كليا ، هو تعبير " الجماعة " المدمج فيه ، ولكن الأمر هنا ، يعكس وجهين واضحين :

1. إن النص على الحقوق والحريات العامة ، الخاصة بالمواطنة ، وعدم جواز إخضاعها للوقف أو التعطيل أو الانتقاص ، لا يتماشى مع فكر الجماعة ومنهجها ، وكلاهما قائم على السمع والطاعة .
2. إن الذين يتصورون لأنهم سيتواجدون في صفوف المعارضة ، أو خارج السيطرة على الحكم ، أيا كان فكرهم أو منهجهم الداخلي ، من الطبيعي أن يتشبّثوا بهذا النص ، الذي سيمثّل حارسا على الحقوق والحريات العامة ، التي يتمتعون بها في ظل السلطة الحاكمة ، ولذلك فإن الذين يرفضون وجود هذا النص ، إما أنهم يمتلكون السلطة فعليا ، وإما أن لديهم مخططا وقناعة بل وضمانات للاستحواذ عليها ، ويريدون بالتالي حرمان معارضيهم المستقبليين من حقوقهم وحرياتهم العامة .

وفي كل الأحوال يبدو واضحا أن هذا الخطاب ، الذي يفيض ولّها بالديمُقراطية والحرية ، ليس إلا واجهة ، تغطي على توجّه باطني ، هو نقيض كل مفردات الحرية والديمُقراطية ، الذي يرصّع الخطاب نفسه بها ، كأنها أحجار من الماس ، في خاتم من حديد .

والأمر ليس متناقضا مع حزب الحرية والعدالة ، وإن كان الحزب نفسه لا وجود له موضوعيا ، فهو محكوم بمراكز قوى داخل الجماعة ، يتداخل فيها ما هو أيديولوجي بما هو اقتصادي ، ولذلك فإن برنامجه لا يختلف عن البرنامج الذي طرحته الجماعة عام 2007 ، اللهم إلا في بعض الشكليات ، التي توحي بالانفتاح والعصرية ، ولذلك – أيضا – أينما وردت قيم المواطنة أو حقوق المرأة ، فإنها تظل محكومة بمعيار فضفاض ، تعكس قيودا مبهمة ، تتوقف على " الالتزام بالشريعة الإسلامية " والتي تركت كشأنها بحر مفتوح بغير ضفاف .

غاية القصد أننا أمام بنية سياسية ، لا يخرج توجهها عن بناء نظام بديل ، هو بطبيعته نظام استبدادي شمولي ، لن يعكس في أفضل الأحوال غير ديمُقراطية انتقائية ومقيّدة .


♦♦♦

فيما يتعلق بالتوجّه الاقتصادي الاجتماعي ، فإننا بصدد مشروع بديل وجاهز لمشروع سابق للتوريث ، حيث يحل الجديد بموجبه محل القديم المنهار ، دون اختلاف في المضامين والتوجه ، والقوى والمصالح ، فلم يكن مشروع التوريث السابق مشروعا سياسيا فحسب ، وإنما كان مشروعا اقتصاديا اجتماعيا بالأساس ، تتكون وحداته من زواج بين السلطة والثروة ، ترسيخا لمصالح طبقة اجتماعية ضيّقة عند القمة ، تحتكر رأس المال الاجتماعي ، وتفرض على المجتمع نمطا اقتصاديا واجتماعيا محددا ، هو عبودية السوق الحر ، وتحصين مصالح رأس المال المحلي والأجنبي ، والاندماج في النظام الاقتصادي الغربي ، من موقع ضعف ، وحالة دونية ، تعزز سطوة اقتصاد تابع ، يأخذ نمط تحويل مصر إلى سوق مفتوحة للسلع الأجنبية ، وإلى دولة خدمات ، وإلى حقل مفتوح لشتل الاحتكارات الخارجية ، عربية أو أجنبية ، تتولى شراء الأصول الوطنية ، وتقزيم الدولة ، وإنهاء مبررات وجودها ، وهذا ما يتطلب تحصينه بائتلاف طبقي جديد ، من رجال المال السابقين واللاحقين ، يقوم بالسيطرة على مفاصل العمل الوطني ، وهذا ما يتطلب بالأساس – أيضا – إحداث أكبر قدر من الضغوط لإخراج الجيش ، ومنظومة القوة عموما ، من موازين القوى الداخلية ، ومن المعادلات السياسية للبلاد ، ومن التأثير في صياغة القرار الاستراتيجي .

لقد كتب موقع " صالون " الإخباري الأمريكي ، تحت عنوان " الإخوان الجمهوريون في مصر " اجتهد في إيجاد صلات نسب وتماثل ، في التوجه الاقتصادي الاجتماعي ، بين الإخوان في مصر ، وبين الجمهوريين في أمريكا ، ولعل هذا ما أوحى به مستخلص لقاء " ماكين " بـ " الشاطر " في مكتبه بمدينة نصر ، فقد أكد الموقع الأمريكي ، " أن حزب الإخوان تقوده مجموعة من رجال الأعمال شديدي الثراء ، يؤمنون بمفاهيم السوق الحرة والخصخصة ، ويكرهون فكرة إعادة توزيع الثروة ، مفضلين بدلا عنها التصدُق على أتباعهم من الفقراء بالبر والإحسان " ، أما صورة السيد "خيرت الشاطر" كما رسمها المقال ، فأبرز ملامحها أنه ، " أخطبوط بزنس ، يمتلك الملايين ، يستثمر أمواله في مشروعات متشعبة ، داعية متحمسا للخصخصة ".
أي كنز إذن وقع عليه الأمريكان ، وأي تفسير لتحويل " الشاطر " نفسه ، إلى أسطورة الحاكم الجديد الصاعد على أنقاض الثورة والدولة المصرية ، فوق أغلفة وافتتاحيات الصحف الأمريكية الأكثر انتشارا وسطوة ، وارتباطا بسلطان المال ، وأجهزة الحكم ، وهي تكرر وصفه بالمرشد الأعلى للجماعة تارة ، وزعيم الجماعة تارة أخرى ، وتستكمل ملامح الصورة السابقة " الواشنطن بوست " بأنه يقابل السفراء الأجانب ، ومديري الشركات المتعددة الجنسيات ، وشركات وول ستريت ، ووفود من مجلس الشيوخ الأمريكي ، بينما تضيف " نيويورك تايمز " في صدر صفحتها الرئيسية المزيد ، مؤكدة أنه يُعدّ 500 مسئول لتشكيل الحكومة المنتظرة ، ويتفاوض مع الحكام العسكريين ، بشأن دورهم المستقبلي في البلاد ، ويضع السياسات الاقتصادية ، ويضع الإطار الذي ستندرج تحته العلاقة مع إسرائيل .
ولا عجب في أن يجرد الأمريكان مصر من كل إرادة ، وفعل وتفكير وترتيب ، ويبقون إرادة " الشاطر " وعقله ، وجهده هو طاقة الفعل الوحيدة في مصر ، وهي طاقة متفردة ومنفردة ، تجلس على قمة هرم السلطة ، لتحدد لمصر دورها ، ووظيفتها ، ولجيشها واجباته وحدوده ، وللحكومة المطلوبة ، وجوهها وأهدافها ، وللدولة المصرية بالتالي قواعدها الجديدة ، ووظيفتها المستحدثة ، فقد تقزمت الدولة المصرية ، في إهاب الجماعة ، وتلخصت في شخص واحد ، تضيف الصحيفة الأمريكية إلى ملامحه الشخصية ، أنه يؤمن بعدم اختلاط الجنسين ، وينصح النساء ألا يتحدثن مع الرجال تليفونيا ، إلا إذا كانوا من المحارم!.

والحقيقة أننا لم نكن في حاجة ، إلى توصيف الصحف الأمريكية ، للتوجه الاقتصادي للجماعة ، فالبرنامج الاقتصادي لواجهتها الحزبية ، لا يعدو أن يكون صورة منقولة ، مع تعديلات جزئية ، من مبادئ الليبرالية الجديدة ، سواء شأن الدعم أو الخدمات ودور رجال الأعمال ، أو قداسة السوق ، أو التركيز اقتصاديا على الأنشطة التجارية والريعية ، التي تبني وتصون طبقة مترفة منشغلة بتوليد المال من المال ، متخصصة في الأعمال المنتجة للقيمة التبادلية ، أي المولدة للربح المالي ، ولنمو الثروات الخاصة ، وهي القاعدة الاقتصادية الاجتماعية ذاتها لمشروع التوريث، الذي قبرته الثورة ، وأحيته الجماعة من جديد ، ولكن تحت خيمة روحية تضمن له ولادة تبدو طبيعية ، ووجودا ممتدا .

♦♦♦

في هذا المفصل الدقيق ، والمجرى الواسع ، تُدفع الدولة المصرية ، والكيان الوطني كله ، فوق منحدر حاد .

و في هذا المفصل الدقيق ، والمجرى الواسع ، لا بديل عن أن تضطلع الجماعة الوطنية ، التي ما تزال تقبض على أهداف الثورة ، كجمرة من نار ، بما يفرضه عليها واجبها الوطني ، في إطار عمل عاجل وحاسم ، لإعادة الاصطفاف ، واسترداد المبادرة السياسية .

و في هذا المفصل الدقيق ، والمجرى الواسع ، يتحتم على المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، أن يستجيب للضرورات التي تتطلبها حماية الدولة ، وصيانة قواعد الأمن القومي ، والذود عن الخصوصية الوطنية ، والمركّب التاريخي الحضاري المصري .

ودون ذلك ، مبادرة وفعلا حاسما ، فسوف تضيق الخيارات فوق هذا المنحدر ، لتأخذ أحد سبيلين ، أحلاهما مرّ ، إما انفجار شعبي يعبر عن صدام حتمي ، بين الثورة والثروة ، وإما انفجار عسكري ، يوقف الانحدار والانفراط بالقوة المسلحة .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :