إدراك الخطر ..!     

إدراك الخطر ..!


بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com


دون إدراك صحيح للخطر، فسوف تظل الفجوة تزداد اتساعا، بين ما تتطلبه الحقائق الجديدة فوق الأرض ، من رؤى وأفعال وسياسات ، و ما تطرحه الظنون والأوهام أحيانا ، وما تفرضه المصالح الذاتية الضيقة في أغلب الأحيان .

فالواقع أننا أمام قوى هجينة ، رفعتها موجة ثورية عاتية ، إلى شرفة سياسية عالية ، بينما لم يكن يدور في خلدها يوما ، أن بمقدور الناس أن يحولوا أجسادهم وأرواحهم إلى سلالم ، تمهد لها طريق الصعود إلى هذه الشرفة دفعة واحدة ، ولهذا يبدو أنها ما تزال مأخوذة بما حدث وهي تراوح بين الشك واليقين ، ولهذا أيضا فهي لا تنظر حولها وإنما في داخلها ، ولا تبصر نفسها في مرايا الناس ، ولا مرايا الإقليم ، ولا مرايا العالم ، وإنما في مراياها الذاتية المغلقة ، فتزداد انكفائا على نفسها ، وانشغالا بمصالحها لينتهي الأمر إلى إشاعة ظاهرة واسعة ، هي تخفيض الإحساس الوطني بالخطر ، وغض البصر عن المتغيرات العاصفة ، والتهديدات المستجدة ، التي تصوّب نفسها وأسلحتها إلى الداخل الوطني .

رغم أن الكيان الوطني المصري ذاته ، بنية وخصوصية ، موقعا وموضعا ، دورا ووظيفة ، ربما لم يقدّر له أن يكون في محنة تحدّ حقيقي ، كما هو عليه الحال اليوم .

♦♦♦

كنت أعيد قراءة تلك الرؤية المقبضة ، التي قدمها في العام الماضي " أهارون زئيفي فركش " الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية ، أمام المؤتمر السنوي لمعهد السياسات لمكافحة الإرهاب في هرتزليا ، عن فرص وجودية لتفتيت المنطقة إلى دويلات ، وعن توقعه في إطار تقدير الموقف ، بأن الشرق الأوسط سيشهد خريطة جديدة تماما ، شبيهة بالخريطة الأوروبية ، ليتحول إلى منطقة مكونة من أكثر من ثلاثين دولة ، عندما كانت الوجوه السياسية التي تطل من شاشات التليفزيون في أعقاب إعلان " برقة " ولاية مستقلة ، تجاهد كي تؤكد أن الأمر لا يعدو أن يكون نزعة محدودة ومحاصرة في جزء من الشرق الليبي ، يبررها ما لحق به من إهمال جسيم خلال سنوات ممتدة من حكم النظام السابق ، خاصة وأن رئيس المجلس الانتقالي الليبي ، هدد باستخدام القوة المسلحة إذا لزم الأمر ، وإذا كانت هذه الرؤية هي الأكثر شيوعا في الإعلام ، سواء كانت تصدر عن جهل أو عن تجاهل ، فقد كان منتوجها يصب في ذات المجرى العام ، لنفس الظاهرة التي ازدادت اتساعا في الخطابات السياسية والإعلامية ، وهي تخفيض الإحساس الوطني بالخطر .

♦♦♦

لقد حضر مؤتمر قبائل الشرق ، الذي انتهى إلى إعلان ولاية برقة ، أكثر من ثلاثة آلاف من ممثلي هذه القبائل ، حتى كاد التمثيل أن يكون كاملا لكل القبائل ، من بينهم كل المسلحين الإسلاميين ، وعناصر القاعدة ، في إطار هذا التحالف إلى جانب مجموعات من أبناء القبائل ، يمثلون جبهة قديمة هي " الجبهة الليبية المقاتلة " ، وهي أقرب إلى فكر القاعدة منها إلى فكر الإخوان المسلمين ، كما حضر عدد من قيادات الإخوان المسلمين في ليبيا ، وشارك دبلوماسيين يمثلون الولايات المتحدة الأمريكية ، وفرنسا وإنجلترا ، وإيطاليا وتونس وقطر ، بينما رأس المؤتمر – ثم الولاية – أحمد زبير السنوسي ، ابن عم ملك ليبيا السابق ، وكان ضابطا في الجيش الليبي ، قبل انقضاض القذافي ومجموعته على السلطة ، حيث تم تسريحه من الجيش ، وسجنه بعد سعيه إلى القيام بمحاولة انقلابية ، حيث تم إطلاق سراحه بعد سنوات بوساطة مصرية .

غير أنه في إطار هذه الظاهرة وهذا المؤتمر ونتائجه، ما يستحق التوقف عندهما:

أولا : إن الحديث الذي تضمنه الإعلان عن ولاية في إطار فيدرالي ، هو حديث عار تماما عن الصحة ، فمضمون الإعلان ذاته ، يؤكد أننا بصدد نزعة استقلالية كاملة عن ليبيا ، تأخذ شكل تأسيس مملكة مستقلة في الشرق ، تمتد من حدود مصر شرقا ، إلى سرت غربا ، فقد تضمن الإعلان الاستناد إلى دستور عام 1951 ، أي أنه دستور " برقة " وحدها ، قبل أن تتوحد ليبيا في إطار دستور جديد ، تم بموجبه إعلان ليبيا دولة اتحادية ، تحت اسم " المملكة المتحدة الليبية " في عام 1963 ، وهو ما يعني أن الحديث عن الفيدرالية هو مجرد غطاء زائف لانقسام جزء من ليبيا مشع بالثروات ، ككيان سياسي مستقل ، يتمدد بمكوناته الجديدة الفاعلة والمتفجرة ، على الحدود مع مصر .
يؤكد على ذلك أن العلم ، الذي رفع بعد الإعلان هو علم " السنوسية " المكون من اللون الأسود يتوسطه الهلال الأبيض والنجمة ، أي ليس علم المملكة المتحدة الليبية ، المكون من الأحمر والأسود والأخضر ، والذي اتخذته الثورة راية لها حتى سقوط الحكم .

ثانيا: إن البيانات التي صدرت عن عدد من المؤسسات و الدول الغربية عن رفضها لإعلان ولاية برقة، و تمسكها بوحدة ليبيا ، هي بدورها مجرد تغطية علي أدوار غربية و عربية ، ساهمت في بلورة هذا الإعلان كمقدمة لمشروع غربي كامل لتقسيم ليبيا ، و الواقع انه من بين الدول الغربية و العربية التي شاركت بمندوبين عنها في المؤتمر لم يصدر رد فعل عملي مضاد للإعلان ، إلا من جانب تونس التي سحبت قنصلها من مدينة بنغازي ، بعد مشاركته في المؤتمر ، ومن جانب إيطاليا التي تقدم سفيرها باعتذار عن مشاركة سفارتها في المؤتمر ، على اعتبار أنها كانت " غير مقصودة " .

ثالثا : إن المؤتمرات التي انعقدت في ليبيا مناهضة للإعلان ، والبيانات التي صدرت من عدة جهات تشجبه وتتمسك بوحدة ليبيا ، إذا لم تكن بدورها تغطية على أدوار ساعدت في إنضاج الحدث ، فقد كانت في الحد الأدنى ، أداة لتمريره ، وتخفيض الإحساس بنتائجه .
يستوي في ذلك موقف جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا ، التي كانت الأعلى صوتا والأقوى رفضا ، رغم أن أحد قادتها " فوزي أبو كتف " لعب دورا قياديا في المؤتمر ، باعتباره منسق ثوار 17 فبراير في الشرق ،ويستوي في ذلك بيان اتحاد ثوار 17 فبراير ، للسبب السابق ذاته ، إضافة إلى بيان الجماعة التي تحكم قبضتها على مصراتة ، والذي تضمّن رفضها المبدئي للفيدرالية ، رغم أنها ساهمت عمليا وبقوة ، في تمويل عملية انفصال الشرق ، في انتظار دورها المرتقب .

رابعا : إن تعليق السيد " مصطفى عبد الجليل " رئيس المجلس الانتقالي على الإعلان ، يدعو بدوره إلى الدهشة ، كما يدعو إلى البحث عن تفسير ، فقد هدد باستخدام القوة المسلحة لتصفية هذه النزعة الانفصالية ، وهي قوة لم يعد يملكها في الداخل ، بينما كانت نتيجة الاستعانة بها من الخارج ، وبالا كاملا غير محدود على ليبيا وعلى الإقليم ذاته ، وهو يتهم دولا عربية بتذكية وتغذية الفتنة التي نشأت في الشرق ، حتى تهنأ في دولها ولا ينتقل إليها طوفان الثورة ، بينما لا تطول اتهاماته دولا غربية مؤثرة للغاية في صياغة المشهد الليبي الراهن ، وهو لا يزال في موضع تحالف مكين مع الذين شملهم اتهامه ، والذين خلا منه وجودهم ، في آن واحد .
وفيما يبدو فإن التعليق بما تضمنه وما خلا منه ، إنما يعكس إحساسا عميقا بالخذلان ، لكنه خذلان ينصب على التوقيت والإخراج ، وليس على المبدأ ، فقد ألتقط الإعلام الليبي في أوج المواجهة ، وثيقة في صورة رسالة موجهة منه إلى حاكم إحدى الدول العربية التي يتهمها بتذكية وتغذية الانفصال في الشرق ، تسوق الشكر جزيلا على ما قدمه لليبيا على طريق الإطاحة بالنظام السابق ، وعلى أشياء شخصية أخرى ، طالبا إرجاء موضوع " برقة " لأن الوقت ليس مناسبا لإعلانه ، أي هناك خطوطا تم وضعها ثم تعميقها منذ الوهلة الأولى ، على خرائط التقسيم .
وأن هذه الدول الخليجية بذاتها التي يشير إليها ، كانت متوافقة بل و داعمة لتثبيت هذه الخطوط عمليا فوق الخرائط ، لكنها تصرفت بمنطق المتعجل لإنجاز المشروع ، ربما تحت ضغوط مباشرة من الغرب ، خاصة من جانب إنجلترا بجذورها القديمة المتجددة في المنطقة ، مع الخشية من أن يكون تأخر حصاد النتائج قابلا لأن يلحق أضرارا بالمحصول النهائي .

خامسا : إن خطوط التقسيم التي يجري تفعيلها وتعميقها فوق الخريطة الليبية ، ليس أبرز ما فيها وضوحا وانشغالا بموضوع الفيدرالية أو الاستقلال ، ما أعلن في الشرق ، ذلك أن ما يجري في مناطق أخري قد تجاوز الفيدرالية عمليا إلي أشكال مبتكرة من الاستقلال الوظيفي و هو التأهيل الطبيعي لبلورة كيانات جديدة ، تستبق الإعلان عن ولايتها المستقلة علي إقليمها بتهيئة عملية علي الأرض، تأخذ في اعتبارها النفوذ و الثروة و الشريك الأجنبي ، الذي يساهم في إعادة شحن البيئة ، بما يعزز الخصوصية ، ويقوي نزعة الاستقلال ، ويمهد لها سبل القبول والقدرة على البقاء ، وفرض الأمر الواقع.
فمصراتة – على سبيل المثال – بتركيبتها العرقية ، وطبقاتها الرأسمالية المتخمة ومناطقها الرأسمالية الصناعية ، وقواعد بنيتها الأساسية بما تضمه من ميناء ومطار وشِقة ساحلية واسعة ، إضافة إلى دورها المشهود في تغذية التمرد المسلح بالمال والسلاح ، ودورها عند المفصل الأخير في قطع عنق النظام ، ثم نزوعها الواضح إلى استقلال ساحتها ، وتفّردها بالتحكم في مواردها ، وقواعد بنيتها في المرحلة التالية ، وسعيها مع استقلالها الوظيفي لأن تكون مركز الغرب الليبي كله ، بما في ذلك طرابلس نفسها التي تحولت إلى معسكر مقسّم ، بالطول والعرض والعمق ، بين مجموعات متنافرة من المسلحين ، وإلى مستودع لسجن المغضوب عليهم والضالين ، ولذلك فإن مصراتة قد بلورت بذاتها وفي إطار الغرب كله تقريبا ، كيانا أقرب إلى الاستقلال الذاتي عن الاندماج الوظيفي ، في إطار ما كان يسمى بالجماهيرية الليبية .
غير أن الأمر في الواقع ، ليس أمر الشرق الليبي وإعلانه ، ومصراتة والغرب كله ، ولكنه يبدو نزوعا نمطيا يتم شحنه من قوى الخارج وعناصر الداخل المدججة بالسلاح ، موزعا نفسه على الخرائط الليبية الواسعة ، تغطي 2 مليون كم ، أي ضعف مساحة مصر ، بينما كانت تضم قوة سكانية لا تتجاوز 6 ملايين مواطن ، غادرها منهم حسب تقدير الاتحاد الأوروبي ، 2.5 مليون مواطن ، هربا من حرائق الثأر والانتقام ، حيث كادت أن تصنف ضمن أقل مناطق العالم على مستوى الكثافة السكانية ، بينما تصنف ضمن أكثر مناطق الإقليم تمتعا بالثروات ، وبينما يبدو النفوذ البريطاني هو الأكثر تأثيرا في دولة الشرق الجديدة ، ويبدو النفوذ الأمريكي هو الغالب في دولة الغرب البازغة ، ويبدو النفوذ الفرنسي هو الذي يعيد بناء دولة فزان القديمة للصحراء الكبرى ، الممتدة من سرت وسبها عبر الصحاري حتى تشاد ، بينما يسعى الأمازيج لدعم فرنسي مباشر ، إلى استخلاص كيان سياسي آخر ، يرونه استحقاقا تاريخيا موروثا ، يمتد من الحدود الجزائرية إلى جبال نفوسه عبر الزندان و اجدابيا ، وصولا إلى واحة سيوة ، التي يعتبرونها محطة الوصول إلى قلب هذا الإرث التاريخي ، وإن كانت جزءا أصيلا من الكيان الوطني المصري ، عبر كافة فصول التاريخ ، والمدهش أن مصر قد سمحت بمظاهر احتفال فوق أرضها برأس السنة الأمازيجية قبل أسابيع ، رغم أنه احتفاء باحتلال " قادش " لمصر ، والذي اتصل في أوج انحلال الدولة المصرية القديمة ، لمدة مائة عام ، وهو موصول بهذا الإرث التاريخي المزور الذي يدّعي الأمازيج بموجبه حقا تاريخيا في واحة سيوة .
ويضاف إلى ذلك كله ، وجود إسرائيلي متنام في الجبل الأخضر ، وتحديدا في منطقة البيضا ، في إطار منطقة كانت مرشحة لإقامة دولة إسرائيل ، منذ أن بدأ " هرتزل " في طرح فكرة الدولة القومية لليهود ، قبل أن يقع الاختيار نهائيا على فلسطين ، كما جرى التاريخ أعنته بعد ذلك .

سادسا : يبدو أن ما طرحه السيد رئيس الوزراء الليبي ، في المؤتمر الوزاري الإقليمي حول أمن الحدود ، والذي عقد مؤخرا في طرابلس ، لا يخرج بدوره عن فكرة تصدير المخاطر والتهديدات المتنامية والمتصادفة ، في الداخل الليبي إلى الخارج ، بتحذيره المباشر لدول الجوار الليبي ، من خطورة المؤامرات التي يحيكها أتباع النظام السابق ، ومن خطورة تواجد ما أطلق عليه مجموعات إرهابية تتحرك بين دول الجوار ، وتجد مناخا مناسبا للتغوّل ، وزعزعة الأمن ، بينما يبدو مفهوم الأمن ليبياً ، وقد استقر تفسيره بين حملة السلاح ، حد أن المعارك بينهم تنشب يوميا ، حول التقسيم الخاص بكل فريق ، لا عبر المناطق أو المدن ، وإنما عبر الشوارع الجانبية ، التي تختص كل مجموعة بها ، وتعتبر أن تجاوزها من قبل المجموعة المجاورة ، في الشارع المجاور ، هو اختراق لحدود السيادة الوطنية .

سابعا : لقد تطلب إسقاط النظام السابق من جانب حلف الناتو ، سبعة أشهر من الغارات الجوية ، شاركت في عملياتها مئات الطائرات ، وأعداد من البوارج ، أسقطت وقذفت البنية الليبية ، بقنابل وصواريخ وصلت أعدادها إلى 7700 صاروخ وقنبلة ، كان من بين ضحاياها من المدنيين ، ما يتجاوز 50 ألف قتيل ، وفق بعض التقديرات الغربية ، رغم أن العملية من أولها إلى آخرها ، كانت تدميرا إبداعيا ، لما كانت تملكه الدولة الليبية من أسلحة حديثة ، وفق أولوية على قاعدة الأحدث فالأقل حداثة ، فتدمير طائرات الميراج ، استبق تدمير الميج ، وتدمير الدبابات تي 72 ، استبق تدمير تي 62 ، وهو ما ينسحب على الرادارات الساحلية ، وقواعد الدفاع الجوي ، الخ ..
إضافة إلى ما لحق بالبنية الأساسية من تدمير ملحوظ ، مقصودا كان أو غير مقصود ، والمدهش أن قناة الجزيرة استأجرت خبراء عسكريين ، كان خطابهم منصبا على جدارة حلف الأطلنطي في تحقيق مهمته ، بغير أضرار إنسانية ، وعلى القلق البالغ الذي ينتابه حدّ الألم العميق ، إذا أظهرت صور الاستطلاع بعد القذف ، أن مدنيا واحدا ، رغم العمليات النظيفة ، قد أصابه قرح أو جرح كمنتوج جانبي ، لإحدى هذه العمليات .
والشاهد مع ذلك ، أن توقيع خطوط التقسيم فوق الأرض ، من الخرائط المعدة سلفا ، يجري في بيئة مشحونة ، بطاقات هائلة من الثأر والانتقام ، وبرغبات متأججة في الهيمنة والاستحواذ ، وبانقسامات عميقة ، أعلى من منسوب السلطة السياسية الطافية فوق بركة السلاح ، وهو ما يعني أن مطلب الاستقرار ليس قريبا ، وأن منطق المصالحة الوطنية ، سيظل غريبا ، وأن سير الانفجارات والصدامات بين الخطوط ، ستكون له الغلبة لوقت طويل .

ثامنا : بالنسبة لنا في مصر ، فإن طبيعة التحولات التاريخية الراهنة في ليبيا ، في إطار إدراك الخطر ، تتوزع على عدة صور لم تتبلور ملامحها النهائية بعد .

1. إن طاقة هائلة لعمليات التقسيم والانقسام ، ستنطلق سائبة في الفضاء الداخلي ، وفي فضاء الجوار ، وقد تأخذ أشكالا وصورا مختلفة ، لا قبل لأحد بتحديدها أو احتوائها ، لأن عمليات الانقسام الجبري ، في الكيانات الموحدة تاريخيا ، تشبه إلى حدّ بعيد ، عمليات الانقسام والانشطار في نواة الذرة الواحدة ، التي تشكّل القاعدة العلمية والعملية لإطلاق طاقة نووية ، غير أن مستوى الطاقة هنا ، ومكان انفجارها ، وطبيعتها ، وصورها ، يستعصي على التحديد المسبق ، لكنها في كل الأحوال ، شأنها شأن كل صور الطاقة ، لا تفنى ولا تخلق من العدم .
2. إن الخطر الحقيقي ، لا يكمن – فقط – في كيان سياسي مستحدث على الحدود ، تبلور بفعل عملية تقسيم كبرى ، موصولة بمصالح أجنبية ستتواصل معه ، ولا باستحقاقات لهذه المصالح الأجنبية ، قد تجد فرصة لأن تعبر عن نفسها في أشكال من التواجد العسكري المباشر في الجوار ، ولا في محاولات جارية يمكن أن تتواصل ، لإحداث اختراقات بالسلاح عبر الحدود ، ولا بأطماع قادمة من متحف التاريخ ، تريد أن تمد يدها إلى داخل الحدود ، فكل ما يمكن أن يترتب على ذلك ، من منظور الأمن القومي ، هو إعادة تحصين الحدود عسكريا ، وإعادة ترتيب مستوى الإنذار بكل مفرداته على الجبهة الشمالية ، وهو عمل يضيف دون شك أعباء جديدة ، ويحتاج إلى قدرات إضافية ، كما أنه دون شك في ضوء الأوضاع والتهديدات القائمة المحيطة ، ببقية الجبهات المصرية ، يمثّل إجهادا مضافا ، في وقت شدة وعسر ، لكن مصر في كل الأحوال كفيلة به ، وقادرة على الوفاء بالتزاماته .
3. أما الوجه الآخر للخطر الحقيقي ، فيظل كامنا في طبيعة الحدود المصطنعة نفسها ، لقد تم حرمان مصر من امتدادها الطبيعي في ليبيا ، في وجود النظام السابق ، ومع التداخل البشري الطبيعي على جانبي الحدود ، فقد تركت مصر للجانب الليبي ، ما من شأنه خلق حالة من التهدئة بينه وبين القبائل المصرية ، التي تمتد أعراقها وصلاتها عميقة بين الجانبين ، والتي كانت عبر التاريخ منطقة مفتوحة للتفاعل واللقاء المشترك ، وقد كانت الموازين بين البلدين تحول دون نشوء حساسية وطنية من جراء ذلك ، ولكن اختلاق موازين قوى جديدة ، تتركز على تمركز الثروة على جانب ، وزيادة المكوّن الأجنبي في القرار على ذات الجانب ، وربما بروز تواجد أجنبي مباشر على الجانب نفسه ، قد يشكل طاقة لتوظيف هذه الأوضاع ، بما يشكل ضغوطا مباشرة ، ليس على جانب من السكان المصريين ، وإنما على جانب من الأراضي المصرية ، فعوامل الشد والجذب الجديدة في المنطقة ، ستكون أكثر فاعلية وتأثيرا ، من الغرب إلى الشرق ، على حساب عوامل قديمة وتاريخية، كانت فاعليتها وتأثيرها ، تأخذ الاتجاه المعاكس ، فضلا عما يمكن أن تستحضره الذاكرة من سوابق ، لتوظيف مضاد مباشر ، حين استخدمت قاعدة " العدم " في الشرق ، أثناء الاحتلال البريطاني مرتين لضرب مصر ، كانت الأولى خلال فصول العدوان الثلاثي في عام 1956 ، من قبل الطيران البريطاني ، وكانت الثانية ، في أوج فصول عدوان يونيو 1967 ، حين أنتظر المصريون الطائرات الإسرائيلية من الغرب ، فجاءت بقنابلها من الشرق .
4. ثم أن هناك ما يمكن أن يضاف ، في إطار التهديدات الاستراتيجية البازغة أيضا ، سواء على مستوى ارتباط المسرح الاستراتيجي المصري غربا ، بالمسرح الاستراتيجي المصري جنوبا ، وبعقدة الاتصال المباشرة بينهما ، والتقائهما بمثلث متصل الأضلاع ، يطل على شرفة بالغة الأهمية على البحر الأحمر ، أو سواء على مستوى جانب ، لا يقل أهمية في محيط هذه التهديدات ، يتعلق بضغوط استراتيجية مضافة على الهيكل المصري ، في بعده الخاص بالبحر الأبيض المتوسط ، مع نشوء صراعات جديدة تطول حوضه الجنوبي كله ، سعيا إلى الثروة والنفوذ .

♦♦♦

ثمة شرق أوسط جديد يتخلّق ، من المؤكد أنه سيكون أكثر تعقيدا من ذلك التبسيط القديم ، وثمة تهديدات وتحديات استراتيجية تسوق مخاطر مستجدة ، يتحتم إدراكها فدون إدراك الخطر ، ستظل الفجوة تزداد اتساعا ، بين ما تتطلبه الحقائق الجديدة فوق الأرض ، وما تفرضه المصالح الذاتية الضيقة .

(وهذا ما سيتواصل معه الحوار )

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :