كسر الإرادة ..!     

كسر الإرادة ..!

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com

في الصراعات الكبرى ، التي تأخذ شكل المبارزات التاريخية بين القوى ، لا تتحدد نتيجة الصراع ، بمقدار ما يضغط به الطرف الأقوى ، ولكن بمقدار ما يقاوم به الطرف الأضعف ، لقد كان هذا نص ما أنهيت به مقالي هنا ، قبل ثلاثة أسابيع ، بصدد قضية الاختراق والتمويل الأجنبي ، وتفاعلاتها وتداعياتها ، غير أن الأمر لم يكن يخلو من محاولة للتأكيد على عدة حقائق :

لقد حاولت أن أؤكد – أولا – أن القضية برمتها هي مظهر صغير لصراع كبير ، ليس باتساع مصر وحدها ، وإنما باتساع الإقليم ، وهو صراع بين إرادتين ، أولاهما وطنية وقومية تسعى إلى التعبير عن بروزها وحضورها واستقلالها في أعقاب ثورة عظمى ، وثانيهما إمبريالية تسعى إلى احتواء هذه الثورة وترويضها وإخضاعها ، وفرض السيطرة عليها .

وحاولت أن أؤكد – ثانيا – أن حجم ضغوط الإكراه السياسي والعسكري والاقتصادي والإعلامي ، التي تمارسها الولايات المتحدة ، أكبر بكثير من حجم القضية ذاتها ، ومن مادتها ووجوهها ، فقد حولتها إلى مفصل تحوّل بين مسارين في العلاقة ، عنده يتحدد طريق القبول أو الرفض ، الاستسلام أو المقاومة ، الانحناء أو الصمود .
أو قلّ حولتها إلى أنبوبة اختبار ، حُشرت فيها كل العناصر الأساسية في العلاقة ، بجوانبها الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية ، ثم رفعت درجة الحرارة من حولها إلى ما فوق درجات الغليان ، ليكون المنتوج أحد احتمالين ، تهديد بانفجار كبير لا يأمن الجانب الأضعف لنتائجه من التأثيرات الشديدة السلبية ، وتداعياته ، أو تفاعل يعيد تعليب هذه العناصر الأولية ، التي بدت في أعقاب الثورة في حالة سيولة ، ويبقيها على ثبات مكوناتها وأوضاعها السابقة .

وحاولت أن أؤكد – ثالثا – أنه لا خيار أمام هذه الإرادة الوطنية ، التي خرجت أكثر صلابة من منجم الثورة ، بعد أن سكنتها طاقة الجماهير ، وبعيدا عن الحسابات المؤقتة أو العابرة للربح والخسارة ، التي هي أقرب إلى حسابات دفتر الأستاذ في البقالة ، سوى أن تظل مشرعة وممتلئة إيمانا بموقفها ، وتصميما عليه ، خاصة وأن لديها فرصة تاريخية نادرة ، فهي تستند إلى إرادة شعبية جارفة وواسعة وعميقة ، تشكّل جدارا صلبا ، يمتلك القدرة على امتصاص الصدمات ، ومواجهة التحديات ، وتغذية عوامل الصمود والثبات .

وحاولت أن أؤكد – رابعا – أن كسب هذه المعركة بوصفها صراع إرادات ، لا يتحقق دون فهم طبيعتها الخاصة ، فهي معركة على الشعب ، ولهذا ينبغي أن تظل من البداية إلى النهاية ، معركة بالشعب .

فالشعب هو ميدانها ، وهو مادتها ، وهو في الوقت ذاته أمضى أسلحتها ، وأقوى عناصرها ، ولذلك دون دمج الشعب في المعركة ، تعبئةً وحشداً ووعياَ ، يستحيل كسبها ، لأن اختزالها في مفاوضات الغرف المعزولة ، أو في ردهات القانون الباردة ، لن يكون إلا انعكاسا طبيعيا لموازين قوى مختلة ، بين طرفين وإرادتين ، ينتهي إلى نتيجة تعكس بالطبيعة ، طبيعة الخلل في هذه الموازين .

والحقيقة أن صحيفة " فاينانشيال تايمز " كانت قد أشارت قبل شهور إلى هذا التوصيف الصحيح ، الذي ينسحب على أزمة العلاقات المصرية الأمريكية بعد الثورة ، ولا يرى فيها مساحة محدودة ، تتعلق بقضية جزئية ، قانونية أو اقتصادية ، أو غير ذلك ، حين شبّهت الإقليم كله بملعب كبير ، لا يقف على أرضه سوى ثلاثة لاعبين ، هم ، إسرائيل وإيران وتركيا ، قبل أن تضيف بكلمات تطل من حروفها نبوءة صحيحة :
" إن هذه المرحلة ستنتهي الآن ، فمصر القلب النابض تعود إلى الملعب ، وإذا استطاعت مصر أن تحقق إرادتها ، في تحرير قرارها من أي مؤثرات خارجية ، فإن بإمكانها تغيير موازين القوى الحالية في المنطقة " .

نعم ، تلك هي الحقيقة ، عارية حتى من القشور ، وإذا كانت المواجهة في مصر هي مواجهة على الشعب ، وينبغي أن تتم بالشعب ، فإن الصراع هو صراع إرادات في النهاية ، لكنه ليس صراع إرادات في مصر ، ولكنه صراع على الإقليم كله ، وهو بالتحديد يدور في إطار موازين القوى الحالية ، التي لا تريد الولايات المتحدة والغرب والدول التابعة في الإقليم ، أن تتغير بمصر ولصالح مصر ، ولصالح شعوب الإقليم ، أما طريق التغيير فهو بالغ الوضوح و التحديد، هو استقلال الإرادة المصرية ، أي عزلها عن أي مؤثرا خارجية ، أو تقليل فاعلية هذه المؤثرات إلى الحدود الدنيا ، ولذلك فقد كان جانبا مما تريد الولايات المتحدة أن تبرهن عليه لمصر والمصريين ، وللإقليم كله ، من خلال هذه النتيجة التي مارست لتحقيقها ، كافة أنواع وأشكال الضغوط المنظورة وغير المنظورة ، إن المكوّن الأمريكي والغربي عموما ، ما زال قابلا للبقاء والتأثير في القرار الوطني المصري ، وأنه ما زال قادرا على فرض الوصاية عليه ، وعلى دفعه إلى حيث تتحقق مصالح الولايات المتحدة والغرب ، ومهما تناقضت مع مصالح مصر ، وأمنها ، وسيادتها ، وكرامة شعبها ، لكي يعود قلب مصر النابض ، ومن ثم الإقليم كله ، مرة ثانية إلى حالة أقرب إلى الموت السريري .

♦♦♦

لقد جرى العمل خلال الشهور الماضية ، على قدم وساق ، في بلد يغص بالجواسيس والعملاء ، وقوى الثورة المضادة ، وتنشب مئات الأزمات أظفارها الحديدية في جسده ، الذي ما زال مضرجا بالدم ، على هدف استراتيجي محدد وهو كسر الكتلة الوطنية ، وكان ينبغي أن يكون مفهوما أن كسر الكتلة الوطنية ، إنما يشكل المقدمة الطبيعية التي لا غنى عنها ولا بديل لها ، لتحقيق إمكانية كسر الإرادة الوطنية .

ذلك أن علينا أن ندرك أن النجاح والفشل ، أو الصمود والاستسلام ، ليس تعبيرا عن لحظة ، وإنما هو نتيجة تطور أو تغير يعبر من مرحلة إلى مرحلة ، وأنه ليس إلا منتوجا وقتيا ، بلورته مجموعة سابقة من الظواهر والمتغيرات ، في عمق شهور هذه الفترة الانتقالية العاصفة ، من قصور أمني ، ومن عجز اقتصادي واجتماعي ، مثّلته حكومة سابقة بددت وقتا واستنزفت أملا ، ومن فوضى السوق ، ومن جشع وسطوة الاحتكارات ، وغياب رؤية استراتيجية ، تستند إلى أولويات تحصين الداخل ، وإعادة بناء التوازنات الاقتصادية والاجتماعية ، التي ازدادت خللا وتصدعا بل وانهيارا ..!
إضافة إلى ذلك التناقض الواضح ، وربما الفاضح ، بين أمة فجرت ثورة عظيمة ، لتتوجه بطاقتها إلى المستقبل ، بينما يسيطر عليها موروث الماضي ، ويبدو قوة تفرض نفسها على الحاضر ، وتعيد تشكيله لصالحها.
لقد عاشت مصر على امتداد هذه الشهور ، حربا مضادة واسعة المدى ، متعددة الأسلحة والأدوات والجبهات ، فقد حاربت مصر على ثلاث جبهات ، لم تكن ميدان معركة كل منها معزولا عن الآخر ، أو أقل ضراوة من الآخر .

 حاربت مصر على جانب ، عاصفة من الضغوط الهائلة الواقعة على كيانها الوطني من الخارج ، وقد تمثلت خطوط هذه العاصفة في عملية خنق استراتيجي لها ، بإيقاف إمدادها بحاجتها الملّحة من الأموال ، حيث أخذت عملية الخنق شكل دائرة كاملة ، اصطفت فيها دول الغرب كله ، ودول اليسر العربية كلها ، التي تبين بجلاء ووضوح أنها لم تعد أكثر من مفردات طائعة في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد طالت عملية الخنق ، فرض صندوق النقد الدولي الذي أوقفت مباحثاته لمدة شهرين ، من عمر أزمة التمويل الأجنبي ، كما طالت الصادرات المصرية التي أغلقت أمامها المنافذ ، إضافة إلى دفع الاستثمارات الأجنبية إلى النزوح خارج البلاد ، بل ورفض تحويل العملات الصعبة عبر البنوك الأجنبية .
 وحاربت مصر على جانب ذلك، ما تم تصديره إليها عبر حدودها من أسلحة وضغوط وأزمات ، سواء أخذ شكل ضغوطا وتهديدات عسكرية مباشرة على حدودها الشرقية ، أو في قلب جزيرة سيناء ، أو أخذ شكل اختراقات بالسلاح أو ضغوط سياسية عبر حدودها الغربية والشمالية ، إضافة إلى محاولات أخرى أخذت بدورها شكل اختراقات بالسلاح عبر حدودها الجنوبية ، مع محاولات خنق منتظمة بتهديدات مستجدة لشريان حياتها المائي .
 وحاربت مصر على جانب ذلك، أزمة داخلية مركبة ، كان أوضح مظاهرها سياسيا هو تعمق ظاهرة الاختراق الأجنبي ، وأوضح أهدافها بروزا وتأثيرا هو كسر الكتلة الوطنية في الداخل ، وتمزيق الدفاعات الوطنية عن طريق نشر الفتن ، وشحن التناقضات ، وتأليب القوى الوطنية على بعضها ، وقد استخدم سلاحا المال والإعلام بشكل غير مسبوق ، وفي مساحات واسعة ، لتزيين فضائل الاستسلام المذل ، والتراجع غير المنظم ، ووأد سعي جاد لكي تظل مصر واقفة ، تقاوم محاولات كسر إرادتها ، وفرض الهزيمة المعنوية عليها .

♦♦♦

لقد بدأت حملة مواجهة الاختراق الأجنبي ، في صورة هذه الجمعيات وأموالها المتدفقة من الخارج ، بطاقة وطنية عالية ، استطاعت أن تشكل علامة واسعة على نهوض وطني جديد ، وعلى سعي لبلورة إرادة وطنية مستقلة والحق أنها ظلت تتمتع بشجاعة غير مسبوقة ، وبفعل وطني وسياسي ، استقطب من حوله القواعد الشعبية التي أحست ، بعد انهيارات متواصلة ، أنها تمتلك إرادة صلبة ، وكرامة موفورة ، وقدرة على المواجهة والمنازلة ، صيانة لحقوقها وحفاظا على سيادتها ، وهو ما أشاع في الفضاء الوطني كله ، مناخا أفضل من الثقة ، والتوحد ، والتحام الصفوف ، بينما كانت الأصوات المضادة التي تشكل كتيبة الدفاع عن هذا الاختراق ، وصنبور ماله الملوّث ، أكثر خفوتا وأقل تأثيرا ، رغم أنها لم تتمتع حتى في أوج المواجهة بفضيلة الخجل .

والمدهش أن أولئك الذين سعوا إلى تحويل المواجهة الوطنية مع ظاهرة الاختراق ، إلى مادة ملتهبة لإلقائها على السلطات المصرية ، هم أنفسهم الذين وقفوا في مقدمة الصفوف بعد ذلك ، ينعون ما تبدى من وما بدى من تراجع ، ويحولونه بدوره إلى مادة ملتهبة بديلة ، لنفس الاستخدام والاستهداف .

♦♦♦

لا أقول ذلك دفاعا عن قرار لا أراه تعبيرا عن شجاعة ، بقدر ما هو تعبير عن يأس ، ولا أراه تعبيرا عن قوة بقدر ما هو تعبير عن استضعاف ، ولا أراه صورة لنظام ، وإنما صورة لارتباك .

لقد بدا القرار بعد معركة وطنية ناجحة ، فعلا مفاجئا دون مقدمات ، وبدا فعلا وإخراجا أقرب إلى أن يكون تراجعا يائسا مرتبكا ، ولهذا كان الارتباك أكثر مظاهره وضوحا ، كما كانت عملية إخراجه بدائية وغبية ، من خلال بيروقراطية ، لا عقل لها ولا وجدان .

ويبدو أننا للأسف الشديد أمام نمط بيروقراطي مزمن ، ما زال يتنفس في بعض مستويات القضاء ، فقد استعدت تجربة كاملة عشتها معه ، ولكن بوجهه المعكوس ، على امتداد مراحل قضيتي مع يوسف والي ، والتي استخدم فيها نفوذه مدعما بنفوذ عاطف عبيد ، لفرض حكم قضائي بإنزال أقصى عقوبة بالسجن لمدة عامين وغرامة عشرين ألف جنيه ، رغم كل الحقائق الموثقة والدامغة التي كانت تدين يوسف والي .

والشاهد – أولا – أن أول دائرة لنظر القضية قد تنحت في اليوم الأول ، لتعكس بذلك حقيقة استقلالها القضائي وشرفها الوطني ، رافضة بكرامة موفورة الانصياع للتعليمات .

والشاهد – ثانيا – إحالة القضية إلى دائرة ثانية ، قد استهلك حوالي شهرين ، ثم نظرتها دائرة مختارة أمضت جلسات مطولة نظرا ، ثم ردّا من جانبي ، إلى أن جاء اليوم الموعود لصدور الحكم ، وكانت المفاجأة الأولى أن عضو اليسار في الدائرة ، قد عكس وجه القضاء المصري الشامخ ورفض الانصياع ، وقرر وحده التنحي عن نظر القضية ، وقد أحيلت أوراق القضية وهي بالآلاف في نهاية هذا اليوم ، إلى رئيس محكمة استئناف القاهرة ، وكانت المفاجأة المقبضة الثانية أن رئيس محكمة استئناف القاهرة انتدب في صباح اليوم التالي مباشرة قاضيا بديلا ، ليجلس مكان القاضي الشريف الذي آثر التنحي بوحي من ضميره ، حيث صدر الحكم بسجني عامين وبالغرامة ، بتوقيع قاضي منتدب لم تتاح له فرصة أن يقرأ ورقة واحدة من بين آلاف الأوراق والوثائق .

لكن عدل الله يأتي دون أن تسعى إليه أو تطلبه ، فقد تزامن مع استخدام رئيس محكمة استئناف القاهرة النمط نفسه بوجهه المعكوس ، للإفراج عن المحتجزين الأمريكيين في قضية التمويل الأجنبي ، وفي اليوم ذاته على صدور الحكم على كل من يوسف والي وعاطف عبيد معا ، بالسجن عشر سنوات ، وكانت الرسالة شفافة وواضحة ، تكتب من خلال هذا التزامن المدهش آية في العدل الإلهي بعد أن تعففت إنسانيا عن طلب إعادة النظر في قضيتي ، وفي الحكم الجائر بآثاره الوخيمة وسنواته العجاف ، عندما رأيت يوسف والي يقف مهزوما في قفص الاتهام .

♦♦♦

ليس ثمة تبرير أو تفسير ، يمكن أن يقدم قناعة للناس وهم ميدان المعركة كما قلت ، بأن ما حدث ليس تجريفا للإرادة الوطنية ، وليس كسرا لها ، في لحظة مفعمة بالتحولات ، ومهما بلغت قوة الضغوط وارتفع سقفها ، وعلا موج الإكراه الأمريكي إلى عنان السماء ، ذلك أن خبز الناس الحقيقي في مصر هو كرامتهم وهو إحساسهم باستقلال إرادتهم ، وهم كعادتهم وبحكم تكوينهم جاهزين لمغالبة العيش ، بوفرة الكرامة ..

ولا سبيل لإنكار أن الدولة المصرية ، قد ضربت نفسها على رأسها ، فقد انتهت المعركة إلى غاية لم تبدأ من أجلها ، وألا كان بدأها دون حسابات دقيقة عملا عشوائيا بدوره ، وكما تحولت النتيجة التي انتهت إليها ، إلى مادة للطعن حقا أو باطلا في السلطات ، بدءا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومرورا بالحكومة وانتهاءً بالقضاء ، وجميعهم ظلوا في قلب لوحة تنشين القوى المضادة على امتداد شهور متصلة ، إضافة إلى ما هو أبعد مدى وأكثر تأثيرا ، وما يدخل في صلب الروح المعنوية للشعب ، في مرحلة تلعب الروح المعنوية الدور الأكبر في جبر ما تلى ذلك من شروخ وكسور .

أنني أحسب أن الدولة المصرية خاسرة في هذه المعركة ، مهما كانت الضرورات التي أباحت محظورا لا يقبل الاستباحة ، وحتى إذا استوجبت الضرورات ذلك ، فقد كان التوضيح والكشف وكسب الرأي العام ، يتحتم أن يكون سابقا على هذا الإخراج غير المتقن وغير المقنع ، والذي يمثل بذاته فضيحة مزرية ومؤلمة .

لقد استخدمت الولايات المتحدة في هذه المواجهة ، كافة قدراتها وطاقتها ، لتضع مصر في دوائر متصلة من ضغوط الإكراه السياسي والاقتصادي والإعلامي ، لكنها لن تشعر وهي سكرانة بخمر انتصارها المزعوم ، بعد أن أخرجت عملاءها من مصر على هذا النحو ، أنها أدخلت إلى عقول عموم المصريين مزيدا من الكراهية والسخط ، مثلما أدخلت إلى قلوبهم مزيدا من الاحتقان والجروح والشعور بالإهانة ، لكن هذه العقلية الإمبريالية الاستعلائية من الصعب أن تفهم ، إن أحرزت نصرا تكتيكيا في معركة محددة ، ولكن هذا النصر التكتيكي ذاته يشكل المادة الخام ، فوق مسرح المواجهة المستمرة ، التي ستتشكل من خنادق الدفاع الإيجابي ضدها ، والذي سيمنعها رغم كسب معركة واحدة ، من كسب الحرب في النهاية ، لأن النصر الاستراتيجي هو ما يبقي عليه الزمن ، وما حققته بالإكراه لن يكون باليقين قابلا للاستمرار على قيد الحياة .

ينبغي لذلك أن نتعامل مع الأمر ، بحس تاريخي صحيح ، فهذا هو دأب القوى العظمى دائما مع مصر ، وهو جوهر سياسة دول غرب أوروبا تجاه مصر ، وهو مفهوم موحد متكرر عبر فصول التاريخ ، يتلخص في عدم السماح بقيام مركز قوة دولي حقيقي في مصر ، وبالتالي فهو نقيض سياسة مصر ، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، التي كانت في جوهرها محاولة على الجانب الآخر ، لبناء قاعدة قوة في المنطقة تسترد مصر بموجبها وظيفتها الحضارية التاريخية ، التي طوقتها الدولة العثمانية ، لقد ظل هذا هو حال الدول العظمى الأولى تجاه مصر ، التي لا يمكن استبعادها من الاستراتيجية الكونية للقوة العظمى ، الساعية إلى الهيمنة منفردة على الساحة الدولية ، فدون إخضاع مصر ، يصعب على استراتيجية دولة عظمى أن يكتمل نجاحها ، ولهذا فإن انجلترا لم تنجح في بناء إمبراطوريتها بغزو الهند ، وإنما بانتصارها في معركة أبو قير البحرية ، ولهذا فإن إمبراطورية نابليون انهارت ، ليس بنتائج معركة واترلو ، وإنما بنتائج معركته لاحتلال مصر ، والإمبراطورية الرومانية نفسها لم تصبح قوة دولية ، إلا عندما تقدمت فوق الجسور المصرية .

إنها إذا غريزة الاستحواذ ، وغريزة السطو والسيطرة ، وإبقاء الإمبراطورية ، ولهذا يصعب أن يتخيل أحد مدى عنف الضربات الأجنبية ، التي وجهت إلى مصر ، وما تكبدته من نزيف في الطاقة والقوة ، ربما إلى حد التصفية ، في أعقاب كل محاولة لبناء قوة يرتفع على أكتافها دور إقليمي فاعل ، يزيل التناقض بين متغيرات السياسة وثوابت الجغرافيا بعمل حاسم ، أو يزيد التوافق بين المكان وبين المكانة !

♦♦♦

لقد قلت أنه ليس هناك ثمة تبرير أو تفسير يمكن أن يقدم للناس قناعة ، بأن ما حدث ليس تجريفا للإرادة الوطنية ، وليس كسرا لها ، حتى لو كان مبتغاه الحقيقي هو دفع خطر أكبر ، ولكن العمل الوطني الحقيقي الآن، ليس مطالبا بتعميق هذا الكسر ، وإنما بجبره ، وهو أن يدخل في صميم ردود الفعل على ما حدث .

إن الولايات المتحدة تنتظر أن تتحول قنابل الرفض الوطني ، إلى تفجيرات متتالية في الداخل الوطني ذاته ، لتحقق بذلك نتيجتين ، كسر الإرادة ، وتعميق كسر الكتلة الوطنية ، وإذا ما حدث ذلك حقيقة ، فسوف تكون الولايات المتحدة قد حصدت أهدافها مزدوجة وكاملة .

لقد بدا واضحا – مثلا – أن الحوار الأمريكي مع جماعة الإخوان المسلمين ، قد تحول في التصريحات الأولية الرسمية ، إلى أداة لدمغ الجماعة بدور في تمرير عملية الإفراج ، وإضفاء مشروعية على الاختراق ذاته ، وهو ما نفته الجماعة ، وهو أمر لا يكفي فيه النفي ، وإنما يستوجب من جانبها إعلانا بإغلاق الحوار .

أما على الجانب الآخر ، فإن الأمر يستوجب مراجعة شاملة لقواعد العلاقة المصرية الأمريكية ، ورفض شامل لحضورها وتأثيرها ، كمكوّن في القرار الوطني .
إنني لست ضد نقد ما حدث وإخضاعه للمراجعة والمحاسبة ، ولكن أولئك الذين سيوجهون أسلحة غضبهم حقيقة أو افتعالا إلى الداخل الوطني ، سيعيدون شحن مدافع الإكراه السياسي ، بقنابل جديدة أبعد مدى ، وأقوى تأثيرا !


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :