قفزة القطة الميتة     

قفزة القطة الميتة



أحمد عز الدين
'١'‬

لقد سمحت لنفسي أن أستعيد عنوان مقال قديم لي،‮ ‬مر علي نشره أكثر من عقد من الزمن،‮ ‬كان يتهم حكومة د.عاطف عبيد بأنها مصابة بحالة مزمنة من‮ '‬العمي الاستراتيجي‮'

‮‬تتبدي في اندفاعها نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي من حالة ضعف ومن موضع استضعاف وفي لحظة زلزلة اقتصادية دولية تؤذن بانهيارات وتصدعات يصعب حساب نتائجها وتفاعلاتها مؤكدا اننا بصدد مقدمات أزمة اقتصادية دولية حادة سوف يترتب علي تفاعلاتها ومضاعفاتها المتوقعة ان تتخلق أشكال علي المستوي الدولي أكثر حدة من الرأسمالية العدوانية وأن يتعمق بالتالي تحويل القوة العسكرية الي استثمار اقتصادي‮. ‬باعتباره الخيار الاقرب الي العقلية الاستراتيجية،‮ ‬التي كانت تجلس منفردة علي رأس النظام الدولي‮.‬

كان ذلك سابقاً‮ ‬علي احداث ‮١١ ‬سبتمبر بأكثر من عام،‮ ‬وعندما تحركت الولايات المتحدة بعدها لاستخدام القوة ضد افغانستان‮. ‬كان هناك أكثر من صوت في مصر،‮ ‬يؤكد أن الهدف الأمريكي،‮ ‬معزول تماما عن بنية العراق،‮ ‬وان الحرب ضد افغانستان مجرد تعبير عن كرامة ذبيحة لدولة عظمي يتحتم ان تسترد كرامتها وان تشفي من تداعياتها‮.‬

ولقد كتبت ساعتها مؤكدا أن الاندفاعة الأمريكية لضرب العراق سوف تكمل دورتها باليقين لأن وراءها قوة دفع هائلة خفية،‮ ‬لا تستطيع الإدارة الأمريكية ذاتها ان توقفها لأن منظومة القوة التي تمسك بالقرار الاستراتيجي في الولايات المتحدة،‮ ‬والموصولة بالقوي الاقتصادية والاجتماعية المسيطرة،‮ ‬لا تري مخرجًا لأزمة اقتصادية متفاقمة ومتصاعدة،‮ ‬بغير هذه الاندفاعة،‮ ‬وضربت مثلاً‮ ‬بعدة دراسات‮ ‬غربية أصدرتها مراكز أبحاث

ومؤسسات مالية،‮ ‬وبنوك استثمارية أمريكية وبريطانية مختلفة،‮ ‬من بينها دراسة أصدرتها مؤسسة‮ '‬كونسشن‮' ‬دعت من خلالها إلي حرب سريعة ضد العراق،‮ ‬علي أن تحقق نصرًا عاجلاً،‮ ‬لأنه سيتبعها انخفاض في أسعار البترول،‮ ‬وتليها بداية انتعاش للاقتصاد العالمي،‮ ‬ومن بينها تقرير أصدره‮ '‬معهد المديرين‮' ‬في لندن،‮ ‬أكد فيه أن ضرب العراق سيؤدي إلي هبوط أسعار البترول إلي عشرين دولارًا،‮ ‬وإلي ارتفاع في الاسهم لا يقل عن ‮٥‬٪،‮ ‬منتهيًا إلي أن الحرب ضد العراق،‮ ‬أفضل من اللاحرب،‮ ‬ومن بينها تقارير لمؤسسات أمريكية،‮ ‬أكدت أن هناك خسائر كبيرة مؤكدة سوف تحدث في الاقتصاديات العالمية،‮ ‬من جراء تأخير العمليات العسكرية،‮ ‬وأن هذه الآثار لن تطول الاقتصاد الأمريكي وحده،‮ ‬لأن تأجيل الحرب لمدة ‮٦ ‬أشهر فقط،‮ ‬سوف يؤدي إلي انخفاض النمو في الاقتصاد الأوروبي ذاته بنسبة ‮٦‬‭.‬0‭.‬٪‮ ‬اعتمادًا علي عامل واحد،‮ ‬هو الزيادة المتوقعة في أسعار البترول‮.‬

كان الاقتصاديون الأمريكيون أنفسهم هم الذين يتحدثون‮ '‬في عام ‮٣٠٠٢' ‬عن اقتصاد أمريكي يترنح منذ أن صعد بوش إلي البيت الأبيض،‮ ‬فقد انخفض الدولار الأمريكي أمام اليورو بنسبة ‮٠٢‬٪،‮ ‬وانخفضت الفائدة في البنوك الأمريكية من ‮٦‬٪‮ ‬إلي ‮٥٢.١‬٪‮ ‬وهوي الاقتصاد الأمريكي إلي قاع من الكساد،‮ ‬فقد بلغ‮ ‬الهبوط الاقتصادي الاجمالي نحو ‮٣١‬٪‮ ‬وزادت البطالة بمعدل ‮٠٤‬٪‮ '‬من ‮٢.٤‬٪‮ ‬إلي ‮٦‬٪‮'‬،‮ ‬وانخفضت قيمة الاستثمارات

التكنولوجية بنسبة ‮٠٦‬٪،‮ ‬أما قيمة الاسهم الأمريكية فقد انحدرت خلال عامين من ‮٧‬،‮٤١ ‬تريليون إلي ‮٩.٩ ‬تريليون،‮ ‬وبذلك خسرت حوالي ‮٥ ‬تريليونات من قيمتها،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أن المؤشر الرئيسي لسوق المال الأمريكي،‮ ‬قد انخفض بنسبة ‮٣٣‬٪،‮ ‬إضافة إلي بروز أبنية هائلة للكساد،‮ ‬في شكل ديون متضخمة،‮ ‬سواء لدي الشركات أو لدي المستثمرين،‮ ‬سوف تزيد من تراجع حاد في الطلب بالأسواق الأمريكية‮.‬

‮'٢'‬

كانت هناك ـ إذن ـ مقدمات أزمة اقتصادية هيكلية سوف تتكفل الحرب بإعادة تدويرها،‮ ‬وتأجيل انفجارها،‮ ‬شرط أن تكون الحرب سريعة،‮ ‬وأن يكون الانتصار ساحقًا،‮ ‬غير أن هناك من كان يري في أمريكا نفسها،‮ ‬إمكانية أن تتحول الحرب من حل إلي معضلة،‮ ‬مع أن الاحتمال بقي ضئيلاً‮ ‬ومعزولاً،‮ ‬فقد قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن نسبة حدوثه بين ‮٥‬٪‮ ‬و‮٠١‬٪‮ ‬وسوف تتضمن تداعياته،‮ ‬ارتفاع أسعار البترول إلي ‮٠٨ ‬دولارًا للبرميل،‮ ‬وانهيار الاسهم الأمريكية بنسبة ‮٠٣‬٪‮ ‬وانخفاض الناتج القومي بنسبة ‮٢‬٪،‮ ‬حيث سيكون الأمر في مجمله كارثة للاقتصاد العالمي كله‮.‬

أما إذا طال سقف الحرب أكثر من التقديرات الأمريكية ـ حسب الدراسة نفسها‮ ‬ـ فإن الحرب لن تصنع ازدهارًا مؤقتًا،‮ ‬رغم أنها ستصنع جبالاً‮ ‬من الخراب،‮ ‬وبحارًا من الدماء‮.‬

والحقيقة أن أكثر التقديرات الغربية تشاؤمًا،‮ ‬كانت وردية قياسًا علي النتائج المأساوية،‮ ‬التي ترتبت علي نزعة امبراطورية،‮ ‬ضيقة الأفق،‮ ‬ضخمت في عوائد استثمار القوة المسلحة اقتصاديًا،‮ ‬وقللت في حسابات التكلفة،‮ ‬ولكن الفضل الأول دون شك في أنخفاض العوائد وارتفاع التكاليف،‮ ‬كان مرده إلي سوء فهم وسوء تقدير لخصوصية البيئة التي تم تحويلها إلي حقل لاستثمار القوة المسلحة،‮ ‬ومدي ما تحتويه من مخزون تاريخي حضاري للمواجهة والمنازلة والمقاومة،‮ ‬فقد أخرجت هذه البيئة اثقالها في وجه آلة حرب،‮ ‬استخدمت كل ما في جعبتها من أدوات وأسلحة القوة،‮ ‬في‮ ‬غيبة أي مرجعية إنسانية وأخلاقية وفي إطار موازين قوي بالغة الاختلال‮.‬

أذكر أن السفارة الأمريكية بالقاهرة،‮ ‬أجرت استطلاعًا عبر الهاتف لعدد من أصدقائها ومريديها بعد أسبوع واحد من بدء الفتح الاستراتيجي لضرب العراق،‮ ‬وأن السؤال الوحيد الذي تم طرحه علي المستطلعين،‮ ‬كان عبارة عن استفهام استنكاري خالص،‮ ‬فقد كان منطوقه يقول‮: ‬لماذا يقاوموننا علي هذا النحو؟‮! ‬فقد زين لهم أن الشعب العراقي سيخرج لاستقبالهم بباقات الورد،‮ ‬علي أنهم المنقذون المبشرون بالديمقراطية‮.‬

لقد أجرت مجلة‮ '‬فورن بوليسي‮' ‬بالمشاركة مع أحد المراكز الاستراتيجية الأمريكية،‮ ‬وهو مركز‮ '‬أمن أمريكا الجديد‮' ‬استطلاعًا شاملاً‮ ‬قبل أربع سنوات،‮ ‬للمجتمع العسكري الأمريكي شمل ‮٠٠٤٣ ‬ضابط عامل ومتقاعد،‮ ‬توزعوا بنسب محددة علي كافة الأسلحة والتخصصات‮ '٥٣‬٪‮ ‬من القوات البرية ـ ‮٣٣‬٪‮ ‬من القوات الجوية ـ ‮٣٢‬٪‮ ‬من القوات البحرية ـ ‮٨‬٪‮ ‬من المارينز‮' ‬بينما كان ‮١٨‬٪‮ ‬من المستطلعين ممن قضوا أكثر من عشرين عامًا في الخدمة العسكرية و‮٢١‬٪‮ ‬من خريجي الأكاديميات العسكرية العليا و0‮١‬٪‮ ‬ممن خدموا في العراق وأفغانستان،‮ ‬ونخبة من القادة والجنرالات الذين يتمتعون بخبرات قتالية‮.‬

وقد جاءت نتيجة الاستطلاع صادمة،‮ ‬فبينما أكد ‮٠٦‬٪‮ ‬من المستطلعين أن الجيش الأمريكي أصبح أضعف مما كان عليه قبل خمس سنوات،‮ ‬وأن أسباب التراجع تعود إلي حربي العراق وأفغانستان،‮ ‬أكد نصف المستطلعين من القيادات العسكرية،‮ ‬أن جذورالضعف أكثر عمقًا،‮ ‬لأن القوات أصبحت أقل قوة مما كانت عليه قبل‮٠١ ‬أو ‮٥١ ‬عامًا،‮ ‬وقد برر ‮٥٧‬٪‮ ‬من الجنود ذلك بأن الأهداف التي وضعتها القيادة المدنية لإنجاز المهام العسكرية سواء في أفغانستان أو العراق،‮ ‬كانت‮ ‬غير معقولة،‮ ‬كما أن هناك قرارات أخري أسهمت في ذلك،‮ ‬مثل تخفيض المدة الزمنية اللازمة لتجهيز الجنود للذهاب إلي ميدان القتال،‮ ‬إضافة إلي أن وجود قوات أمريكية في مناطق مثل شبه الجزيرة الكورية،‮ ‬والبلقان،‮ ‬قد أضعف من قدرات الجيش إلي حد كبير،‮ ‬وأنه يعيش الآن في حالة قاسية وحساسة،‮ ‬لم يشهدها منذ أجيال مضت،‮ ‬بينما أكد ‮٠٨‬٪‮ ‬من المستطلعين انه في ظل الاجهاد الحالي يصعب علي القوات الأمريكية القيام بمهام قتالية واسعة في مناطق نزاع أخري،‮ ‬وأن الولايات المتحدة ليست علي استعداد عسكري تام للنجاح في تنفيذ مهام قتالية ضد إيران أو كوريا الشمالية تحديدًا،‮ ‬وإذا كانت تلك هي إحدي النتائج الحاسمة لذلك الاستطلاع،‮ ‬فقد ترافقت معها نتيجة أخري،‮ ‬لا تقل أهمية وحسمًا،‮ ‬حيث أكدت الغالبية العظمي من المستطلعين،‮ ‬أن الصين وإيران هما الفائزتان من الحرب ضد العراق وأفغانستان وليست الولايات المتحدة‮.‬

‮'٣' ‬

في التوقيت ذاته،‮ ‬كان تقرير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية،‮ ‬يعيد صياغة النتيجة الأخيرة لهذا الاستطلاع علي نحو أكثر تحديدًا وشمولاً،‮ ‬فقد تحدث التقرير بوضوح وبألفاظه عن‮: ‬اندفاع إيران إلي الأمام،‮ ‬وعودة روسيا إلي سيرتها الأولي،‮ ‬وتثبيت كوريا الشمالية لنفسها في النادي النووي،‮ ‬واتساع شبكة تنظيم القاعدة،‮ ‬والنهوض‮ ‬غير المتوقع لأفكار فيدل كاسترو في أمريكا اللاتينية وعن انعكاسات موازين القوي الجديدة علي الصين التي تحولت إلي قوة اقتصادية كبري،‮ ‬تتحدي الغرب في أماكن عديدة امتدت إلي افريقيا،‮ ‬وعن تنامي دور الطبقة المتوسطة في الصين،‮ ‬ممثلاً‮ ‬صعود الصين وروسيا بعودة الرأسمالية الاستبدادية الناجحة اقتصاديًا،‮ ‬والتي كانت‮ ‬غائبة منذ هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية واصفًا الصين بأنها‮: '‬أكبر قوة عظمي استبدادية في العالم‮'.‬

وفي التوقيت ذاته،‮ ‬كان التقرير السنوي للبنتاجون يتحدث تفصيلاً‮ ‬عن قواعد تنامي القوة العسكرية الصينية،‮ ‬خاصة في بناء ونشر الصواريخ البالستية القادرة علي إصابة أهداف متحركة،‮ ‬وتحديث القدرات البرمائية،‮ ‬وإنتاج ألغام بحرية ذكية،‮ ‬وتطوير القدرات العسكرية في الفضاء الخارجي حد النجاح في إنتاج واطلاق أسلحة وقاذفات ضد الاقمار الصناعية،‮ ‬بينما كان بعض الاستراتيجيين الأمريكيين يرصدون ما أطلقوا عليه‮ '‬إحياء النزعة القومية في آسيا‮'‬،‮ ‬فقد أًصبحت الصين تمتلك أعدادًا من الغواصات تقترب من خمسة أمثال أعداد الغواصات الأمريكية،‮ ‬وعادت اللهجة العسكرية بشكل واضح إلي مفردات اللغة الروسية،‮ ‬وأصبحت أقرب إلي استعراض القوة،‮ ‬بل إن هناك تلويحًا روسيًا بأن المعاهدات القديمة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية أصبحت قيدًا علي حريتها،‮ ‬بينما يدرك الروس عدم فاعلية الدرع الصاروخية الأمريكية،‮ ‬وعجزه عن التصدي للصواريخ الروسية سواء منها البعيدة أو المتوسطة،‮ ‬يقول الخبراء العسكريون في البنتاجون ان الهدف من نشر منظومة الدرع الصاروخية هو إدامة تشغيل شركات التصنيع الحربي،‮ ‬أي استنزاف الخزينة الأمريكية،‮ ‬واستنزاف الدول التي تسمح بنشر هذه الدرع فوق أراضيها،‮ ‬ويؤكد‮ '‬روبرت جارد‮' ‬نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق ـ بضمير مستريح‮- ‬ان جميع التجارب التي أجريت علي منظومة الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ،‮ ‬كانت فاشلة،‮ ‬ويري‮ ‬غيره من الخبراء الاستراتيجيين أن الولايات المتحدة قد خسرت المحيط الهادي بعد أن ظل خاضعًا لها،‮ ‬لمدة ستين عامًا،‮ ‬كما لو كان بحيرة أمريكية خالصة،‮ ‬وان هناك توجهاً‮ ‬اقليمياً‮ ‬اسيوياً‮ ‬دفاعياً‮ ‬عاماً،‮ ‬وأن حيوية الشعوب والدول في المحيطين الباسفيكي والهندي،‮ ‬ستقودنا إلي عالم أقدم من صناعة الدولة التقليدية،‮ ‬وباختصار وكما يري عالم السياسية الأمريكي‮ '‬دول براكن‮' ‬في كتابه‮ '‬نار في الشرق‮: ‬صعود القوي العسكرية الآسيوية والعصر الثاني‮' ‬أنناـ أولا‮: ‬علي مشارف‮ '‬القرن الآسيوي‮' ‬وأنه ـ ثانياـ منتوج مباشر للحرب علي العراق‮.‬

وحتي بالنسبة لليابان فقد أصبحت تمتلك ‮٩١١ ‬سفينة حربية بما في ذلك ‮٠٢ ‬غواصة،‮ ‬وهي تتفاخر بأن لديها قوة بحرية أكبر مما لدي بريطانيا ثلاث مرات،‮ ‬وهاهي قد أصبحت أضخم بنسبة ‮٤ ‬مرات،‮ ‬بعد أن استغنت بريطانيا في العام الماضي عن ‮٣١ ‬إلي ‮٩١ ‬سفينة حربية من أصل ‮٤٤ ‬سفينة تملكها بعد أن قررت خفض نفقاتها العسكرية بنسبة ‮٧‬٪‮ ‬مما أدي الي إضعاف الاسطول البحري وتسريح ‮٧٢ ‬ألف عسكري بريطاني‮.‬

‮'٤'‬

إن هذا ليس مجال تشريح الأزمة الهيكلية المزمنة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي،‮ ‬والتي وزع أعراضها الوخيمة علي أوروبا والعالم،‮ ‬لكن الثابت أن الولايات المتحدة أنفقت ستين عاماً‮ ‬من استعمال الموارد والاقتراض من أجل تأسيس وإدامة المركب الصناعي العسكري كأساس للحياة الاقتصادية الامريكية،‮ ‬فقد تجاوز الانفاق العسكري،‮ ‬تحت سطوة التمدد الامبراطوري في مرحلة ثم تحويل القوة العسكرية إلي استثمار اقتصادي في مرحلة تالية،‮ ‬كل الحدود التي تتيحها الموارد والاقتراض في الوقت نفسه وثبت علي نحو واقعي خطأ الاعتقاد بأن سياسة التركيز علي الحروب الممتدة،‮ ‬والإنفاق الضخم علي السلاح يمكن ان يبقي الاقتصاد الرأسمالي في حالة صحية،‮ ‬فقد عاشت الولايات المتحدة طوال هذه السنوات خارج مواردها ونقلت أزماتها باستمرار إلي الخارج‮. ‬واذا كانت الحرب علي العراق قد بدأت بتقدير مبدئي‮ ‬للتكلفة في حدود ‮٠٥ ‬مليون دولار فقد تجاوزت التقديرات الحقيقية لتكلفة الحرب ‮٢ ‬تريليون دولار،‮ ‬بينما بلغ‮ ‬الدين الأمريكي ‮٣.٤١ ‬تريليون دولار منها ‮٥ ‬تريليونات خارجية ‮٣.١ ‬تريليون للصين‮- ٩٦٩ ‬ملياراً‮ ‬لليابان‮- ٢٦٢ ‬ملياراً‮ ‬لبريطانيا‮- ١٦٢ ‬ملياراً‮ ‬للبرازيل‮- ٠٨٢ ‬ملياراً‮ ‬لدول الخليج العربي‮'‬

ووفق احصائيات مكتب التعداد الأمريكي فقد أصبح ‮٨.٧٤ ‬مليون مواطن أمريكي يعيشون تحت خط الفقر و ‮٥٤ ‬مليوناً‮ ‬بلا ضمان صحي و‮٥٢ ‬مليوناً‮ ‬يعيشون علي الاعانات و‮٢١‬مليون مواطن بلا سكن‮.‬

لقد أعادت الليبرالية الجديدة تشكيل المجتمع الأمريكي اجتماعيا علي نحو حاد ففي عام ‮٢٨٩١ ‬كانت نسبة ‮١‬٪‮ ‬الأكثر ثراء في الشريحة العليا يحصلون علي ‮٨.٢١‬٪‮ ‬من الثروات الوطنية،‮ ‬بينما صاروا يمتصون‮ '‬احصائيات ‮٧٠٠٢' ‬21‭.‬3٪‮ ‬منها اي الضعف تقريبا‮. ‬بينما تجمد متوسط الأجور خلال الحقبة الأخيرة،‮ ‬فقد تزايدت الفجوات بين القمة والقاع‮. ‬فقد أصبح ‮٤‬٪‮ ‬من قمة المجتمع الأمريكي،‮ ‬يملكون أكثر مما يملك ‮١٥‬٪‮ ‬من المواطنين في القاع‮. ‬وعلي مدار العشرين عاما الماضية ذهب ‮٩٧‬٪‮ ‬من الزيادة في الدخل الي أغني ‮٠٢‬٪‮ ‬من العائلات الامريكية بل ان الديون الفردية الامريكية الناجمة عن الرهن العقاري وحده بلغت ‮٦.٦ ‬تريليون دولار أي ما يعادل ايرادات البترول السعودي لمدة ‮٥٥ ‬عاما‮. ‬ولذلك أصبحت الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها حارسة حقوق الانسان في العالم أكبر سجن في العالم،‮ ‬فهي حسب احصائيات وزارة العدل الأمريكية تمثل أعلي نسبة سجناء في العالم بالقياس لعدد السكان،‮ ‬فقد بلغ‮ ‬عدد نزلاء السجون ‮٦٢.٢ ‬مليون سجين‮ '‬احصائيات ‮٧٠٠٢' ‬حيث زاد عدد نزلاء السجون خلال ثلاثين عاما بنسبة‮ ‬00‮٥‬٪‮ ‬بواقع ان هناك ‮١٤.١ ‬مليون جريمة عنف سنويا‮ '‬جريمة واحدة كل ‮٢‬،‮٢٢ ‬ثانية‮' ‬وهناك جريمة قتل كل ‮٩‬،‮٠٣ ‬ثانية وعدد القتلي سنويا من جراء استخدام الاسلحة النارية في الشوراع يصل الي ‮٠٠٠.٠٣ ‬شخص‮.‬

‮'٥'‬

علي هذه الخلفية كلها علينا ان ندرك لماذا أقدم الرئيس أوباما علي إعلانه بتغيير في الاستراتيجية الامريكية‮. ‬فلم يعد الأمريكيون قادرون علي توجيه العمليات التاريخية الكبري في الاقليم والعالم باستخدام القوة المسلحة‮.‬

لكن الاعلان نفسه الذي تحدث في الوقت عن تقليص أعداد القوات المسلحة الامريكية تحدث في الوقت نفسه عن تعزيز الوجود العسكري في آسيا كما تحدث عن الاستمرار في تطوير سلاح البحرية وسلاح الجو إضافة إلي أن الاهداف الاستراتيجية السابقه لاتزال باقية في جوهر الإعلان وفي مقدمتها الارهاب واحتواء التطرف والدول المارقة فما الذي تغير؟ خاصة اذا كان هدف استخدام القوة المسلحة في كل الاحوال هو القضاء علي إرادة الخصم وليس تدمير قوته اي فرض الإدارة والسيطرة‮.‬

ما أعتقده أن حالة الولايات المتحدة من الناحيتين،‮ ‬البنية العسكرية المرهقة والبنية الاقتصادية المعتلة تفرضان تغيرا في الادوات والوسائل وليس تغييرا في الاهداف الاستراتيجية او في جوهر الاستراتيجية ذاتها بمعني إعادة تكييف عناصر القوة الامريكية المتاحة مع الاوضاع والمستجدات الراهنة‮.‬

إن الحديث ـ مثلاـ عن إقرار أمريكا لحلفائها في آسيا بدور عسكري أكبر في الإطار الجديد،‮ ‬قد يعني نقل جانب من التكلفة المادية المباشرة إليها،‮ ‬ودفعها إلي تكبد مزيد من الأموال لاستيراد مزيد من الأسلحة الأمريكية‮ '‬وهو ماحدث مؤخراً‮ ‬مع السعودية والإمارات‮' ‬وابقاءوهم القدرة علي الدفاع الذاتي بالمشاركة الكاملة في مشروع الدرع الصاروخية وهو ما يعني ـ أيضاـ تشغيل المجمع الصناعي العسكري والإبقاء عليه كقاعدة للاقتصاد لضخ أموال مستوردة إليه‮.‬

إن ذلك قد يؤدي إلي تمتين دفاعات الحلفاء بمواردهم الذاتية لكن لن يؤدي إلي فرض السيطرة الأمريكية وتدمير ارادة الخصوم الحاليين أو المستقبليين فما هو الجانب الغامض في هذه الاستراتيجية الذي يمكن أن يكون بديلا لشن الحرب والاستخدام المباشر للقوة المسلحة؟ البديل الجاهز الجديد هو في حيز الاستخدام العملي وقد تضمنته آخر وثيقة للأمن القومي الأمريكي في العام الماضي وهو ما يمكن تسميته بجروب المخابرات الجديدة وهي عبارة عن صيغة عسكرية استخباراتيه لاستخدام القوة لا من الفضاء ولكن من الأرض وليس من خارج الحدود ولكن من داخل حدود الدول وذلك بتنظيم تعاون بين البنتاجون والمخابرات المركزية الامريكية إلي جانب تنظيمات معاونة مدربة من العملاء المحليين في الداخل وهدف هذه الصيغة باختصار هو زعزعة الداخل الوطني ونشر الفوضي وتحطيم الدولة وكسر الارادة الوطنية أي تحقيق الهدف الاستراتيجي ذاته لضرب العراق ولكن دون استخدام القوة المسلحة علي النحو السابق‮.‬

لقد استبق إصدار هذه الوثيقة توقيع الرئيس اوباما علي الأمر التنفيذي لاعتماد هذه الصيغة في ‮٠٣ ‬سبتمبر عام ‮٠١٠٢ ‬علي ان يكون حقل تنفيذها جميع بلدان الشرق الاوسط وافريقيا سواء كانت صديقة او حليفة أو معادية،‮ ‬في حالة حرب مع أمريكا او ليست كذلك‮. ‬وقد تركت بموجب هذا الامر التنفيذي عمليات التخطيط والتنفيذ إلي القيادات الوسيطة بصلاحيات كاملة‮. ‬وهو مايبدو أنه يشكل بعض مفردات الصورة العامة التي رأيناها ونراها داخل بعض دول الاقليم‮.‬

‮'٦'

إن نجاح هذه الصيغة يعتمد أساسا علي تعميق ظاهرة الاختراق وعلي كتائب مدربة من العملاء في الداخل جنبا إلي جنب مع عناصر المخابرات الوافدة واذا كانت تقارير‮ '‬وكليكس‮' ‬قد أكدت بالوثائق،‮ ‬أن القوات الأمريكية قد‮ ‬غادرت العراق،‮ ‬وزرعت خلفها كتائب من العملاء الموالين والجاهزين لتنفيذ الأوامر قدرت أعدادهم برقم مفزع هو ستون الف عميل في العراق وحده فكم ياتري أعداد كتائب العملاء هنا وهناك الذين يتحركون الآن في الداخل لتحقيق الهدف الاستراتيجي الأمريكي وهو نشر الفوضي،‮ ‬وتحطيم الدولة،‮ ‬وكسر إرادة الوطن؟‮!‬

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :