ما قبل وما بعد مقتل القذافي     

ما قبل وما بعد مقتل القذافي

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com


استوقفني تعليق لأحد الدبلوماسيين المصريين السابقين ، عبر محطة غربية ، في أعقاب مشهدين داميين للقذافي ذبيحا ، وللقذافي قتيلا ، حيث وصف الثورة الليبية بأنها الأعظم ، وأنها أكثر عظمة من الثورة المصرية ، والثورة التونسية ، فقد آثار ذلك عندي عاصفة من الأسئلة حول معايير الحكم على الثورات ، بل وعن مقاييس التمييز بين الثورة والتمرد المسلح .

ولست أعتقد أن عظمة الثورة – أي ثورة - تتوقف على مقدار ما تنتجه من دم ، وتلال ضحايا ، وجبال أنقاض ، ولا على حجم ما تستخدمه من رصاص وقذائف ومتفجرات ، ولا على مقدار طول السقف الزمني للثورة ، وما تستهلكه من وقت ، لهدم القديم قبل التوجه لبناء الجديد .

كما أن عظمة الثورة – أي ثورة – مجتثة الصلة يقينا ، بمقدار ما تستجلبه من الخارج من طائرات وصواريخ ووحدات قتال ، لتدمير القواعد التي يستند إليها النظام المستبد ، عسكريا وبنائيّا ، واقتصاديا ، على طريق فتح الأبواب الحديدية المغلقة ، أمام اندفاعة التغيير ، باستخدام القوة .

ومن المؤكد مع ذلك ، أن كل ثورة هي نبت بيئتها ، ووقتها ، وقواها ، ومركبها الذاتي التاريخي ، وليس من حق ثورة أن تفرض على أخرى ، منهجها وأسلوبها وأدواتها ، فالثورات ككل الظواهر الإنسانية ، ليست قابلة للاستعارة أو التقليد ، ولكنها قابلة للاستلهام .

ولست أريد أن أضع الحالة الثورية المصرية ، في مقابلة أو مقارنة مع الحالة الليبية ، فذلك أبعد ما يكون عن القصد ، لأنه أبعد ما يكون عن المنهج العلمي ، فالحالة الثورية المصرية ، هي ثمرة أصيلة للخصوصية الوطنية المصرية ، تتبدى فيها أبعاد وأعماق الروح التاريخية لثورات المصريين ، بدءا من عفوية الحركة التي هي دالة على عمقها وتجذرها في قواعد المجتمع ، وانتهاء باستنادها إلى تعبئة اجتماعية وطبقية ، أقرب إلى الاكتمال ، وإلى مبادئ أساسية أقرب إلى التوافق ، مرورا بتوظيفها لطاقة شعبية هائلة تشبه النهر الجارف ، الذي يطوي أمامه كل الحواجز والسدود ، بقوة الماء والبخار ، لا بقوة الحديد والنار ، وهي أكثر تأثيرا وفاعلية من قوة البوارج ، والقاذفات ، والصواريخ ، والأسلحة الثقيلة .

لقد قدمّت العبقرية المصرية للدنيا كلها ، نموذجا فاتنا وملهما للثورات ، ولذلك سيظل ميدان التحرير ، في ضمير الأمم والشعوب ، قطعة سامية من الفعل الثوري الحضاري ، لشعب اعتاد أن يفرض إرادته على التاريخ ، وأن تذهب طاقة إشعاعه لتمطر نبضا حيّا ، يشبه البذور الصالحة للإنبات ، عبر المحيطات والقارات .

(1)

لقد اتخذت الأمم المتحدة قرارا يطلب من المجلس الانتقالي في ليبيا ، إجراء تحقيق في واقعة مقتل القذافي ، بعد أن توزعت صورة الدامية بين اعتقاله حيا ، ورقاده ميتا ، وسحب جثمانه على الأرض كحيوان ذبيح ، بالرغم من أن وزير الدفاع الفرنسي ، منح طائراته شرف قصف سيارته ، وأن بعض الثوار ، منحوا أنفسهم شرف إطلاق الرصاص عليه مقيدا ، وأن نائب المجلس الانتقالي برر الواقعة كلها ، باشتباك غامض بالنيران ، وهو في حوزة المجموعة التي ألقت القبض عليه ، ولكن ذلك لا يفسر مقتل الأغلبية المطلقة من الذين قُبض عليهم من حراسه أحياء ، حيث أجريت لهم محاكمات ميدانية ، وأعدموا بالرصاص ، باستثناء بضعة أشخاص ، من بينهم " منصور الضو " آمر الحرس الشعبي الخاص بالقذافي ، الذي استبقى حيّا ، ليقدم شهادة عن حسن المعاملة التي تلقاها ، وعن بئر الغيبوبة التي سقط فيها ، فلم ير كيف قُتل القذافي ، وبقية مرافقيه ، وعن المسئولية التاريخية التي يحملها نظام القذافي ، عن كل ما لحق بليبيا من خراب ودمار .

ولا أعرف إذا كان حجم ضمير الأمم المتحدة ، لا يتسع إلا لمشهد قتل القذافي ، ليطلب تحقيقا فيه وحده ، مع أن هناك آلاف المشاهد التي رواها الأطلنطي دما ، وأشبعها هدما ،باتساع ليبيا ، وهو يضع قرار حماية المدنيين موضع التطبيق .

ولا أعرف – أيضا – ما إذا كان السؤال حول كون القذافي هدفا مشروعا أم لا لقوات الناتو ، هو سؤال غير مكتمل في المكان والزمان ، لأن أسئلة أخرى لابد وأن تستبقه ، حول مشروعية أهداف أخرى تم قذفها بالصواريخ ، من بينها جامعات ومدارس وبيوت ، وأبنية اجتماعية وإعلامية ، وكأن الهدف المعلن لحماية المدنيين ، كان يخفي هدفا مضمرا ، وهو الإجهاز الكامل على كامل البنية الأساسية الليبية ، التي ليست ملكا خالصا ، سواء للقذافي ونظامه ، أو للمجلس الانتقالي وأعضائه .

لقد أكدت هنا قبل أسابيع ، أن أولوية قوات حلف الأطلنطي في الخروج الجامح ، على مبدأ حماية المدنيين ، كانت مع ذلك من نصيب تدمير القدرات العسكرية الليبية ، وإذا كان مدهشا أن الاندفاعة الفرنسية في القصف ، قد ركزت على تدمير الطائرات الليبية الفرنسية الصنع من طراز " ميراج F1 " خاصة وأن فرنسا قد استكملت قبل وقت قصير ، تعاقدا مع الحكومة الليبية تم بموجبه تجديد 30 طائرة من هذا الطراز ، مقابل 20 مليون يورو للطائرة الواحدة ، إضافة إلى قيامها بتزويد المواقع البترولية والحدودية ، بمنظومات رادار حديثة ، لكن الدهشة يمكن أن تتبدد ، إذا ما عُلم أن فرنسا عانت في العام السابق 2010 ، من نقص كبير في مبيعات أسلحتها ، وصلت نسبته إلى 50% لكنه لم يكن مدهشا من قبل طائرات التحالف الغربي الأخرى ، انتقاء الأسلحة الروسية الأكثر حداثة في الترسانة الليبية ، فقد تم التركيز على قصف طائرات " الميج 29 " و " السوخوي 30 " ، والدبابات من طراز " T90 " ، ثم الدبابات التي تم تحديثها مؤخرا من طراز "T72 " ، والتي تمت في العام الماضي بصفقة مع روسيا ، قيمتها 1.2 مليار دولار ، وهي عمليات كلها لا تدخل في باب فرض منطقة حظر جوي ، التي كانت تقتضي تدمير الرادارات ، ومواقع الدفاع الجوي ، ومركز القيادة والسيطرة ، وممرات القواعد الجوية فحسب .

(2)

لقد اعتقل القذافي حيّا باليقين ، واستسلم دون مقاومة باليقين ، ولكن الذين اعتقلوه ، لم يكتفوا بضربه وسحقه بأيديهم وبأرجلهم ، بل أجهزوا عليه بطلقتين ، بعد فاصل طويل من السحل والتنكيل ، ولست أعرف باليقين ما إذا كان محرك ذلك ، هو الانتقام و الثأر ، التي كانت ناره مشتعلة في صدور هذه المجموعة المقاتلة ، التي أتت من مصراتة ، أما أن دول الغرب – على حد تعبير خبير روسي – لم تكن تريد القذافي حيّا ، لأنه كان يعرف الكثير عنها ، كما أنه لم تعد بحاجة إليه .

لقد تم نقل القذافي بعدها مباشرة إلى مدينة مصراتة ، وبُرر ذلك بأنها الأقرب من سرت ، ولما لم يكن الأمر كذلك ، بُرر بأن بها مستشفى أكثر تطورا ، رغم أن جثمانه طوي مائتي كيلومتر ، مسجي ميتا في عربة إسعاف كئيبة ، وفي مصراتة خُطف الجسد الميت ، وانتقل من مكان إلى مكان ، عبر شارع طرابلس وميدان التحرير ، حتى استقر في صالة بيت أحد كبار التجار ، موضوعا للعرض المجاني في صحن الدار ، تتحلق حوله دوائر بشرية في حالة نشوة محمومة ، وهي تُشبع أبصارها بجثمان بدأ يدخل في مرحلة التيبس .

لماذا مصراتة حقا ؟ ، الإجابة من الطرف الآخر ، تقول أن مصراتة ، هي أكثر المدن تعرضا للإيذاء والدمار ، على يد قوات القذافي ، ولهذا كان إحضار جثمان القذافي إليها ، مشفوعا بإبرائها من جراحها ، لكن الإجابة على هذا النحو ، قد تكون صحيحة ، ولكنها ليست مكتملة .

لقد تصرف المجلس العسكري لمصراتة ، على أنه الحكومة الليبية ، والمجلس الانتقالي معا ، ومن المؤكد أنه تلقى تعليمات بنقل جثمان القذافي ، إلى العاصمة طرابلس ، وأنه لم يستجب لها ، ومن المؤكد أيضا أن تفسير ذلك ، إنما يعود إلى أحد أمرين ، أواليهما معا ، أما دور مصراتة في إنهاء نظام القذافي ، أو تطلع مصراتة ، إلى دور العاصمة والقيادة ، أو إلى الاستقلال الذاتي .

على الجانب الأول ، فإن مصراتة كانت صاحبة الدور الأول في تمويل التمرد ، ماليا وتسليحيا ، خلال أسابيعه الأولى ، كما كان ميناؤها وهو الأول في ليبيا ، والذي تعبر منه معظم الواردات في ليبيا ، جسرا لعبور الأسلحة قبل وبعد إطلاق الشرارة الأولى ، بل لقد استبق تخزين السلاح فيها ، اندلاع المواجهات ، والحقيقة أن أنها واقعة تحت سيطرة الشريحة الأعلى في الطبقات الرأسمالية التجارية في ليبيا ، وأغلب عناصرها من أصول غير عربية " تركية وشركسية ويهودية " وهي شريحة كوّنها النظام نفسه وأعانها وثمّنها ، واقتسمت بعض عناصره معها الأرباح والغنائم ، ولكنها أرادت – فيما يبدو – أن تستقل بالأرباح ، وأن تترجم وفرتها المالية إلى نفوذ سياسي .

أما فيما يتعلق بتطلع مصراتة ، أو طبقتها الرأسمالية العليا ، بجذورها الوافدة ، إلى وراثة دور العاصمة أو الاستقلال ، فيكفي التأكيد على أنها تحولت عمليا إلى دويلة أو ولاية مستقلة ، فقد أصبح ممنوعا منذ شهور ، على الليبيين من غير أهلها عبور بواباتها ، إلا بتصريح مسبق من المجلس الانتقالي ، بل ليس من قبيل المبالغة القول ، أن أعلاما إسرائيلية رُفعت في مصراتة ، دون سواها ، منذ اليوم الأول للصدام المسلح .

(3)


لقد أكد " راسموسين " أمين عام حلف الناتو ، أن المهمة العسكرية للحلف سوف تنتهي في ليبيا ، في اليوم الأخير من هذا الشهر ، لكنه بدا مزهوا ، بالمهمة التي أنجزها ، وبالقدرات العسكرية الهائلة التي أبداها ملخصا ذلك كله تحت عنوان واحد ، كرره أكثر من مرة ، هو أن الحلف يُشكّل أقوى منظمة عسكرية في العالم .

ومن الطبيعي أن يكون الحلف الذي يتشكل من 28 دولة ، قادرا على انجاز مهمة محددة في ليبيا ، هي فرض حظر جوي ، لكنه أعلن بنفسه بعد 4 أسابيع من بداية العمليات ، أنه نجح في تدمير 30% من القدرات العسكرية الليبية ، ولم تكن المقارنة بين هذا الحيز الزمني ، وبين الانجاز الذي أعلن عن تحقيقه في ذلك الوقت محل تقدير من كافة المحللين الاستراتيجيين ، فقد كان الانطباع السائد في التعليقات المختلفة ، أن هناك تباطؤ عمليا غير مبررا ، قياسا إلى الصورة التي يعكسها الحلف عن نفسه ، فكيف إذا اتصلت مهمة الحلف ستة أشهر إضافية ، لتدمير ما تبقى من القدرات العسكرية الليبية ، التي حددها بنسبة 70% مع الانحدار المتوالي في هذه القدرات ، والحقيقة أن مهمة الحلف التي بدأت رسميا يوم 19 مارس ، أي بعد شهر واحد من بدء التمرد المسلح ، وكان فاصلها الافتتاحي إطلاق 115 صاروخ " توماهوك " من سفن حربية وغواصات أمريكية وبريطانية ، ضربت 20 هدفا جويا ودفاعيا ليبيا رئيسيا ، قد بدأت واقعيا قبل عشرة أيام من إصدار مجلس الأمن قراره القاضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا ، ففي السابع من مارس اتخذ الحلف قرارا ذاتيا يقضي بمراقبة الأجواء الليبية ، بما تشمله عمليات المراقبة من استطلاع في العمق ، وتحديد للأهداف المضادة ، وتعبئة وحشد للقوات ، ولهذا كان جاهزا للقيام بالضربة الأولى في اليوم التالي مباشرة لصدور قرار مجلس الأمن في السابع عشر من الشهر ذاته ، لكن المفارقة تبدو على الجانب الآخر ، في أن قرار الحلف المذكور ، والذي وضع موضع التطبيق العملي ، كان سابقا على قرار السعي الخليجي المحموم ، لإصدار قرار من مجلس الأمن وفرضه بالقوة المسلحة الغربية ، والذي وظفت الجامعة العربية في دفعه إلى حيز التنفيذ ، في اجتماعها في اليوم الثاني عشر من الشهر ذاته ، أي أن حلف الأطلنطي كان قد بدأ عمليا ما يشبه الفتح الاستراتيجي ، للقيام بمهامه العسكرية في ليبيا ، قبل صدور قرار مجلس الأمن بعشرة أيام ، وقبل أن تمنح الجامعة العربية مجلس الأمن بطلب أمريكي ، مشروعية عربية وإقليمية لإصدار قراره باستخدام القوة بخمسة أيام ، وبفاصل لا يتجاوز عشرين يوما ، عن بدء حلقات أولية ، من مظاهرات الغضب في بني غازي ، ولعل دلالة ذلك وفحواه ، لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل .

أما الوجه الآخر للأزمة ، فقد عكسه خطاب لراسموسين نفسه في أوج الحالة الثورية المصرية ، وقبل أقل من شهر واحد ، على القرار الذاتي للحلف بمراقبة الأجواء الليبية ، فقد أكد الأمين العام للحلف أن " الاضطرابات التي تشهدها مصر ، تكشف عن الحاجة إلى زيادة الاستثمار في الأمن " محفزا الأوروبيين على زيادة الإنفاق على الدفاع " لأن الإنفاق العسكري لحلف الأطلنطي ، انخفض خلال العاميين الماضيين بمقدار 45 مليار دولار " ، وهو ما يعادل ميزانية ألمانيا الدفاعية بالكامل ، ولأن هذا الخفض " أدى إلى اتساع الفجوة في الإنفاق العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين " ، فقد كانت الولايات المتحدة تمثل قبل عشر سنوات ، أقل من نصف إجمالي الإنفاق العسكري لأعضاء الحلف ، لكن حصتها الآن تقترب من 75% ، وسوف تواصل النمو ، رغم التخفيضات العديدة في إنفاق البنتاجون ، التي كان " جيتس " قد أعلن عنها في الشهر السابق ، قبل أن يشير إلى أن الدول الأوروبية في الحلف ، تخشى من أن يؤدي الإفراط في نزع الأسلحة ، بسبب الأزمة المالية ، إلى جعلها عاجزة عن الدفاع عن أمنها ، فقد كانت بريطانيا وحدها قد خفضت ميزانيتها العسكرية بنسبة 8% ، وسرحت من جراء ذلك عددا من سفن الأسطول ، إضافة إلى 27 ألف جندي .

ولهذا تكفلت عمليات الحلف في ليبيا بتحقيق ثلاث أهداف :

الأول : وضع الاستراتيجية ، التي سعت الولايات المتحدة إلى فرضها على الحلف ، في قمته الأخيرة ( 2009 ) موضع التطبيق العملي ، وهي دمج مبدأ العمل خارج أوروبا ، مع الأولوية لمنطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط في استراتيجية الحلف ، رغم أن ثلاث دول فقط من بين 28 دولة ، هي التي اصطفت إلى جانب الموقف الأمريكي ، وهي بريطانيا وهولندا والدنمرك ، على العكس من بقية الأعضاء .

ثانيا : توظيف عمليات الحلف كاستثمار اقتصادي ، لتضييق الفجوة بين الانكماش الذي لحق بتمويله أوروبيا ، والتهديدات الاستراتيجية والأمنية المستجدة ، وما تتطلبه من تمويل مادي .
ومن المؤكد أن كشف الحساب ، الذي يقدمه الحلف بعملياته في ليبيا ، سيتضمن تكلفة باهظة ، لعشرات الآلاف من الطلعات الجوية ، وآلاف الصواريخ والقنابل ، وغيرها من عمليات الاستطلاع والإسقاط على الأرض ، وسوف يكون مؤثرا في تضييق هذه الفجوة .

ثالثا : وضع دول الحلف المشاركة في العمليات ، على رأس قوائم إعادة بناء البنية الأساسية ، التي دمرها الحلف ، إضافة إلى توريدات السلاح اللازمة ، بعد تدمير البنية العسكرية الليبية ، وعقود النفط سابقة التجهيز ، دون استبعاد السعي إلى الحصول على مواقع ارتكاز استراتيجية فوق الأراضي الليبية .

(4)

أكتسى فجأة وجه المذيعة في قناة غربية ، قناعا يحمل مزيجا من الدهشة والسخط والغضب ، فقد كان ضيفها على مائدة الحوار ، أحد المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا .

كان الحديث ممتدا في ليلة مقتل القذافي ، وكان المتحدث يحاول أن يدرء بالشبهة اتهام المجموعة التي ألقت القبض على القذافي ، بقتله ، لكنها حين سألته عن دفن جثمانه ، أبدى موقفا رافضا بشدة لدفنه في متر واحد من أرض ليبيا ، التي تساوي مساحتها ضعف مساحة مصر ( 2 مليون كم² ) ولمّا سألته عن البديل ، ألقى خطابا شرعيا ينتهي إلى أن دفنه في مياه البحر الأبيض ، هو البديل الصحيح ، وبدا لي أن أمريكا أصبحت قدوة ، لبعض المسلمين في دفن خصومهم السياسيين ، أو جلاديهم.

ثم بدا لي بعد ذلك ، أن أصواتا في المجلس الوطني ، خاصة بعد طلب التحقيق في مقتل القذافي ، جاهدت مع الذين اعتقلوا جثمانه ، للوصول إلى حل وسط ، هو منحه مترا من الأرض شرط ألّا يكون محددا ولا معروفا ولا مسجلا .

ولقد تساءلت بيني وبين نفسي ، وأنا أطرد نزعة الثأر عن روح الإسلام السمحة ، لماذا هذا الإصرار إما على قبر له ، بين أمواج بحر لا تحصى ، أو بين حبات رمل لا تعد ، في صحراء بلا حدود .

ولم أجد أن الثأر مهما توقدت ناره ، يمكن أن يكون سببا ، أو أن روح الانتقام مهما تكن مظلمة ، يمكن أن تكون مبررا ، ولذلك فإن دافعا ما ، أكثر عمقا هو الذي يومض في الظلام تحت الأستار ، وهو نفسه دافع قتله ، بعد أن أصبح منزوع السلطة والقدرة ، مستسلما كقطعة من القماش ، بين يدي خصومه .
وأن إرادة ما ، هي التي تسعى إلى أن تلقي في نار الصراع ، فوق تخوم ليبيا ، مزيدا من الحطب واللهب ، والمواد السريعة الاشتعال .

يصدق على ذلك تلك الأصوات ، التي تناثرت في أجهزة الإعلام ، في الليلة ذاتها ، ضاغطة بقوة على مسألة بعينها ، هي أولوية طرد كافة الذين تعاونوا مع القذافي مسبقا ، من مجالس الثورة وحكومتها المرتقبة ، وفي مقدمتهم أولئك الذين شقوا عصى الطاعة عليه ، والتحقوا في لحظات عصيبة بصفوف الثورة ، وانخرطوا دون تحفظ في تيارها المتعدد الوجوه ، والتوجهات ، والأطياف ، بل أن بعض أولئك الذين واصلوا نضالهم الشفوي ، على امتداد الفترة الماضية ، من مقرات وثيرة مكيفة في عواصم أوروبية ، كانوا الأعلى صوتا في التشدّق بديموقراطية مؤطرة بمرجعية إسلامية ، وهم يرفعون شعارا واحدا : " ليرحل وزراء القذافي أولا".

ولقد استبق ذلك قبيل حسم الصراع ، رفض حملة البنادق الذين دخلوا طرابلس ، تحت ستار صواريخ حلف الأطلنطي ، بعد أن تم قصف باب العزيزية ، بعدد 125 صاروخا ، خلال ساعة واحدة ، أن يغادروا مواقعهم ، ويمتثلوا لمطالب الأهالي التي عززها المجلس ، بإخراج السلاح خارج العاصمة ، بل أن المجموعة المسلحة ، التي كانت مكلفة بتأمين واحتلال البنك المركزي ، رفضت أن تغادره ، وربما اعتبرته غنيمة خاصة بها ، أو رأت فيه ما يثقل موازينها ، في التفاوض على موقع تطمح إليه ، فوق سلالم السلطة القادمة ، رغم أن تحرير طرابلس ، تم بالدرجة الأولى بواسطة الخيانة ، فقد تم استمالة قائد الفرقة المكلفة بحماية العاصمة ، وهو " البراني أشكال " ، أحد أقرباء القذافي ، وهي فرقة عالية التدريب ، وقوامها 4000 مقاتل ، صدرت إليها الأوامر بنزع ملابسها العسكرية والفرار ، قبل أن تصل طلائع الثوار إلى مشارف طرابلس ، بينما صاحب ذلك مشهد سينمائي ، تم التدريب عليه فوق مجسم بالحجم الطبيعي لباب العزيزية ، تم بناؤه في السنغال ، واستثمر مرتين ، الأولى في تجربة الاستيلاء عليه ، بواسطة مجموعة بريطانية ، تنتمي إلى الوحدة البريطانية الخاصة SAS ، التي قدمت من البحر مع إنزال جوي كثيف ، شاركت فيه مجموعات قتال خاصة ، تنتسب إلى عدة دول ، فإضافة إلى مجموعة بريطانية ، وأخرى فرنسية ، كانت هناك مجموعات قتال تنتسب تحديدا إلى أربع دول عربية ، أما الاستثمار الثاني له ، فقد كان في استخدامه لإنتاج مقاطع مصورة مصنوعة لمظاهرات عارمة ، أحاطت بمقر القذافي ، وتم بثها عن طريق فضائيتين عربيتين ، على مدار أيام سابقة لسقوط النظام ، ولدخول الثوار إلى طرابلس .

(5)

إن ليبيا قطعة بشرية بالغة التعدد قبّليّا وعرقيّا ، ومع أن الأغلبية الساحقة من سكانها ، هم مسلمون يدينون بالمذهب المالكي ، فقد أضيف إلى التعدد القبّلي ، والعرقي ، تعدد أيديولوجي وافد ، وهذا التنوع يمكن أن يمثل ثراء بالغا ، يدفع مرحلة جديدة ، إلى ضفاف العدل والمساواة والديموقراطية ، جنبا إلى جنب ، مع الخلق والتطوير والإبداع ، ليؤمّن وحدة وطنية صلبة ، هي أكثر ما تحتاجه ليبيا ، سواء كقوة دفع ، أو قوة صد ، إلا أنه يمكن أن يمثّل على النقيض من ذلك ، شفرة سيف ، للقطع والفصل والتجزئة والاحتراب ، بعد أكثر من أربعين عاما ، من حكم مستبد ، يستند إلى إرادة فرد ، ثم حكم أسرة يتمتع أغلب أفرادها بولع مدهش للسلطة ، وبشهوة غالبة لاكتناز الثروة ، وحب طاغ للمغامرة ، وعشق لاحتلاب متع الحياة .

لقد كان " سيف الإسلام " هو أكثر المعاول قوة ، في الإسراع بهدم أركان مملكة أبيه ، التي صممها على مقاسه ، مؤمنا بأنها يمكن أن تعيش ألف عام .

فقد لعب الوريث بأوراق التناقضات المستجدة في ليبيا ، ليكوّن لنفسه معسكرا خاصا من المؤيدين والأنصار ، وكان شعار الليبرالية الزائف الذي رفعه ، هو الصنارة التي أصطاد بها أتباعا جدد ، من كافة الاتجاهات ، ليبراليين ومتطرفين وإسلاميين ، استدعى بعضهم من الخارج ، وأخرج بعضهم من السجون ، وعوضهم عن كل يوم سجن بمائتي دينار ، ومكّن لهم في بنية النظام ، ومكّن معهم طبقة رأسمالية شرهة ، راكمت ثرواتها بالفساد ، فقد كانت تغذية الثروة والفساد معا ، عملية متبادلة بينها وبين أركان أساسية في النظام ، وعندما أحس أنه أصبح على رأس موجة مؤيدة ، قادرة على رفعه إلى مقعد السلطة ، في انتظار لحظة مناسبة ، اتجه نحو تقويض قواعد النظام ، التي ارتكزت عليها فلسفة بنائه ، وهي اللجان الثورية ، والجيش الشعبي ، فسعى على تجريدها من السلاح ، باعتبارها تشكّل خطرا على طموحه ، وكان له ما أراد ، قبل ساعة المواجهة الحاسمة ، بينما كان السلاح قد انتقل إلى أياد أخرى ، بعضها جاء من قلب معسكر أنصاره ومؤيديه .

ولا سبيل إلى إنكار ، أن الانقسامات تغطي كافة المجموعات ، التي تآلفت لإسقاط النظام باستخدام القوة المسلحة ، فالتيار الليبرالي منقسم إلى نفسه ، وهو متعدد الولاءات ، والفواصل بين فصائل التيار الإسلامي ، لا تبدو شروخا وإنما فوالق ، وإذا كان الفصيل الغالب هو الإخوان المسلمين ، فهو يريد أن يضم الجميع تحت عباءته ، وهو أمر لا يبدو سهل المنال ، في التوازنات التي تفرضها غلبة السلاح .

غير أن مشهد التناقضات الطبيعية ، القابلة لأن تتحول إلى تناقضات عدائية ، مفعم بخطوط التقسيم طولا وعرضا ، على المستوى القبّلي ، وعلى المستوى العرقي ، في الوقت نفسه ، لقد أُوقدت – على سبيل المثال – نار الثأر بمقتل القذافي على هذا النحو ، ومن المؤكد أن لهيبها يطول بالدرجة الأولى قبيلة القذاذفة ، لكن ألسنة اللهب ، ليست بعيدة عن ثلاثة قبائل ، ورفلة في بني وليد ، وأولاد سليمان ، وترهونة ، ومجموعها أربعة قبائل ، ولكنه تشكّل من الناحية العددية ، أكثر من نصف سكان ليبيا .

إضافة إلى قبائل أخرى ، لا تخلو مكوناتها الأساسية من ارتباط بالنظام السابق ، أهمها قبيلة " التبو " المنتشرة بين تشاد وليبيا ، وقبيلة " الطوارق " التي تنتشر بالصحراء الليبية وتمتد حتى مالي والسنغال ، والتي هددت علنا ، بأن إسقاط العلم الأخضر ، وفرض العلم الجديد بألوانه الثلاثة ، التي لا لون فيه لها ، سوف يعني مطالبتها بدولة مستقلة .

أما المكونات العرقية الأخرى ، وفي مقدمتها " الأمازيج " الذين يحظون بدعم فرنسي خاص ، فهم يتحدثون عن دولة خاصة ، تمتد من أقصى المغرب العربي ، حتى واحة سيوة في مصر .

ثم ماذا عن تأثير القوى الاستعمارية الطامعة ، في بلد واسع المساحة ، قليل السكان ، عظيم الثروة ، إذا كانت استراتيجيتها ما تزال محصورة ، في مبدأ واحد هو : " فرّق تسَد " ، ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يقال بوضوح وحسم : " يا معشر الليبيين اتحدوا " لأن ليبيا في سيناريو التقسيم ، فوق الخرائط الاستراتيجية الجديدة للإقليم ، لن تقسم إلى ثلاث ولايات أو دول ، كما يشاع ، وإنما إلى ستة ولايات أو دول .

(6)

إن اللحظة الراهنة في ليبيا ، هي ابنة للحظة السابقة ، واللحظة الراهنة في ليبيا ، هي أم اللحظة التالية ، ولهذا فإن التوجه الليبي الآن ، لن يؤثر في مستقبل ليبيا وحدها ، وإنما في مستقبل الإقليم كله .

ومن المؤكد أن مصر كلها ، تريد لليبيا السلامة والتوحد ، والصعود ، لأنها تريدها ، كما تحب أن تراها ، طاقة مضافة إلى عوامل البناء والاستقرار والتقدم ، تريدها رصيدا مضافا ، لا نصيبا مقتطعا !


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :