طه ياسين رمضان     


أجرى الحوار : أحمد عز الدين
حوار مع النائب الأول لرئيس وزراء العراق
طه ياسين رمضان : العرب من دون مصر كمن يسير بقدم واحدة

• كموقف مبدئي نحن نعتبر أن مصر يجب أن تعود إلى الصف العربي وأن تلعب دورها كاملا
• عندما اتحدث إلى الرئيس مبارك اتحدث بقلب مفتوح وعقل منفتح .. ولا اتكلم " نصف كلام " كما هو حاصل بين كثير من المسؤولين العرب
• عندما تتم الدعوة إلى مؤتمر عربي للتضامن ينبغي ألا يشترط أن يحضره كل العرب ، ليكن مفتوحا لمن يحضر ويشارك ويتفق

عندما بدأت في إقامة الجسر الأول لهذا اللقاء مع طه ياسين رمضان ، كنت أقدر أن احتمالات مصافحته عند نهاية الجسر ، تبدو محدودة للغاية .
فلقد كنت أدرك أن ساعاته في القاهرة حافلة بالحوارات واللقاءات ، والاتفاقات الرسمية ، وانها لذلك ، لا تتحمل ساعات أخرى مخصومة من رصيدها لحساب لقاء صحافي ، قد يبدو في مثل هذه الظروف المركبة ، عبئا ثقيلا ، خصوصا أنني أعرف أنه يفضل أن تحتويه أجواء العمل ، لا أن تغمره أضواء الإعلام .
ومع ذلك فقد غامرت ونقلت إليه عبر أحد مساعديه تليفونيا رسالة قصيرة ، جوهر مضمونها أن " بيننا موعدا مؤجلا منذ أكثر من أربع سنوات " غير أنه فاجأني بعد برهة ، برده المباشر : السيد النائب يتذكر ذلك جيدا ، وسوف يقابلك في المساء نفسه " .
عندما صعدت إلى الطابق العشرين في الفندق الفخم الذي يطل على ضفة النيل الغربية ، كنت أعد نفسي لأمرين : لقاء قصير ، وانتظار طويل ، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما ..
سألت طه ياسين رمضان في البداية :

 أهي زيارتك الأولى للقاهرة ، إذا استثنينا مرورك العابر الأخير بها قبل فترة ؟
أجابني متساءلا أيضا :
أية فترة تقصد ؟
 خلال السنوات الأخيرة ...
لقد زرت القاهرة مرتين قبل ذلك الأولى في أواخر عام 1973 ، والثانية عام 1974 ، عندما كنت وزيرا للصناعة وكان غرض الزيارتين ، التنسيق بين البلدين في الجانب الصناعي بشكل خاص ، وما زلت أذكر أنني زرت في ذلك الوقت دائرة واسعة من المشروعات الصناعية تمتد بين حلوان والمحلة الكبرى ، أما بالنسبة للزيارة الخاطفة التي تتحدث عنها ، فلا اكتمك انها لم تكن مخططة ، فعلى سبيل المصادفة كان لابد أن تهبط طائرتي في مطار القاهرة وهي في طريقها إلى رومانيا وبلغاريا .
وكانت وجهة النظر أن أحظى بلقاء السيد الرئيس محمد حسني مبارك ، وأن أنقل إليه تحيات السيد الرئيس صدام حسين ، وتبادل الآراء التي تتم بينهما بشكل مستمر ، ولقد تم ذلك في الإياب ، وكان مفروضا أن يتم في الذهاب ، ولكن الوقت حاصرني بموعد الرئيس البلغاري .

 في الحقيقة سؤالي الأول كان معبرا كي أسألك عن مشاعرك الذاتية الخالصة خلال هذه الزيارة ، أقصد بعيدا عن الأطر السياسية ، أو موقع المسئولية ...
لست أشعر أنني على سفر ، وهذا للأمانة شعور قديم مقيم معي في مصر دائما .. مشاعري الآن ليست مشاعر المسافر أو العابر بأي حال من الأحوال ، ولعل ذلك ينبع من أسباب عديدة ، فإضافة إلى قضية الإنتماء العربي الواحد بكل انعكاستها ، فإنني حتى على مستوى اللهجة لا أشعر بغربة عنها ، فأنا أصافحها دائما في بغداد ، من خلال تواجد إخواننا المصريين الذين اتعامل معهم دوما ، وباختصار ، كل أحاسيس المسافر بعيدة عني في مصر ، إنني لا أشعر بغربة عن خصوصية اللهجة أو البشر أو المكان ، أو الظروف المحيطة بكل ذلك ، ولهذا أصدقك القول حين أقول لست أشعر الآن بأنني على سفر .

 لعل هذا ينقلنا إلى العلاقة المصرية العراقية ، هناك متغيرات نوعية واضحة وفي هذا الإطار ، ما هي في تقديرك أهم ملامح هذه المتغيرات ؟
إن أهم هذه المتغيرات على الإطلاق ، هو نمو الثقة بشكل جيد بين البلدين ، ذلك أنني أعتقد أن معضلة العلاقات العربية العربية ، هو فقدان الثقة أو ضعفها .
وليكن أن تبدأ العلاقة بشئ بسيط وصغير ، شرط أن ترتكز على قاعدة عريضة من الثقة فهذا هو الضمان الأكيد لنمو العلاقة وتطورها ، ولنتصور أننا بدأنا باتفاقية ندوخ الدنيا بها ، ولكنها تستند على قاعدة مهزومة أو ضعيفة من الثقة ، فأي ضمانة تبقى لبقائها حية ، حتى دون أن تتطور ؟ المهم إذن هو قاعدة الثقة العريضة القوية ، والرغبة الصادقة التي تستند إلى نظرة مستقبلية صحيحة .
وأنا أجد – بصراحة – عندما أتحدث مع الرئيس حسني مبارك – كما حدث اليوم – أنني اتحدث بقلب مفتوح وعقل منقتح ، ولا اتكلم " نصف كلام " كما هو حاصل بين كثير من المسؤولين العرب ، وأشعر – بصراحة أيضا – أن الرئيس مبارك هو في المقابل كذلك ، وانه يشاركني أو أشاركه الموقف نفسه ، لقد لامست الأمر ذاته في حديثي مع كمال حسن علي رئيس الوزراء ، وهذا ما يسعدني حقا ، لأنه يجعلني على يقين من أن ما حققناه من تغير نوعي في العلاقة ، قد تحصن بفرص نجاح كبيرة وحقيقية ، بل أن هذا هو ما يجعلني أعتقد أننا سنري بعد فترة أن ما حققناه كان شيئا صغيرا للغاية ، رغم أنه كان فاتحة وبداية .
أما على مستوى الجوانب الفرعية ، فقد دخلنا إلى مجالات جديدة ، كانت مقطوعة بيننا ، ولم يحتويها تعاوننا من قبل ، نعم ، دخلنا بدايات هذه المجالات ، ولكنها بدايات مبرمجة ، تحددت سقوفها الزمنية ، وميكانيكية عملها ، والحقيقة أكدت لفنيينا قبل أن يأتوا إلى هنا ، على ضرورة أن نبتعد عن صيغ الإنشاء وأن ندخل في العمل مباشرة ولقد كان المسؤؤلون المصريون متجاوبين تماما في ذلك على أرضية الثقة المشتركة التي تحدثت عنها .

 هل تقترب بشكل أكثر من التفاصيل ؟
لقد بحثنا بشكل جيد موضوع إنشاء شركات مشتركة رغم أن ظروفنا المالية في البلدين لا تساعد على أن ننشط هذا المجال ، لكننا اتفقنا على المبدأ ، ويبقي أن علينا أن نفكر بشكل يومي ، كيف تقيم فرصة تحققه ، لأنه أساس التكامل والتعاون .
وتناولت اتفاقيتنا مجالات عديدة : البحوث المشتركة ، الزراعة ، التجارة ، السياحة ، النقل ، وسوف نعطي المجال الأخير أولوية خاصة ، لأنه الركيزة التي تنشط الجوانب الأخري للتعاون .
هناك أيضا اتفاقيات في الثقافة والإعلام والتربية ، وسوف يأتي إلينا مدرسون مصريون بأعداد ضخمة ، للتدريس في كل أنحاء العراق .

 أنت راض إذا عن محصلة اللقاء ؟
نعم راض جدا .

 سمعت أنكم اسقطتم البروتوكول من التعامل بينكم ..
تقريبا .. لقد تحدثنا بشكل مباشر ، وابتعدنا عن الدبلوماسيات ومحاولة تخريج الطلبات والمقترحات بصيغ غير مباشرة . لقد كان الحديث مباشرا . وكأن كل منا يعرف الآخر جيدا .. ويدري ماذا يدور في ذهنه ( صمت برهة ثم أضاف ) :
بالفعل لقد شعرت أنه ليست ثمة بروتوكول بيننا ..

 هل تحدثتم في الجانب العسكري أيضا ؟
دون أن أدخل في التفاصيل أقوا أننا تحدثنا في كل شئ .

 هناك سؤال تقليدي يطرح دائما ، لماذا لم تأخذ العلاقة المصرية – العراقية ، شكلها الدبلوماسي الكامل حتى الآن ؟ قد اتفهم جانبا من " التعقيدات " التي تحيط بذلك ، ولهذا أسألك : ما هو موقف العراق من عودة مصر إلى الصف العربي ، أو عودة العلاقات المصرية - العربية بشكل عام ؟
كموقف مبدئي نحن نعتبر أن مصر يجب أن تعود إلى الصف العربي وأن تلعب دورها العربي كاملا .
إن مصر تشكل ثلث الأمة العربية ، ولهذا عندما يقول طرف ما أنه مبدئيا لا يؤيد عودة مصر إلى الصف العربي ، ألا تقول لي أنت من أين أتى بهذه المبدئية ؟ وما هي طبيعتها وهدفها ؟ كيف يمكن للإنسان الصحيح أن يسير بقدم واحدة ؟ هذه هي معادلة وجود مصر أو غيابها ، إن عدم وجود مصر بدورها العربي يعني ببساطة أن تسير الأمة العربية بقدم واحدة ، إذا استعار عكازا ليمشي عليه ، ولكنه في هذه الحالة يفقد الجزء الأكبر ، من طاقة العمل وإمكانات التقدم والنشاط ، وعندما ندعو إلى تقدم الوطن العربي ، وإلى نهضته وقوته ، فإن عودة مصر إلى الصف العربي ، تأتي في طليعة مستلزمات هذه النهضة والقوة ، هذه هي قناعتنا ، وهي قناعة ثابتة ، ولذلك فنحن نتباحث حولها دائما مع المسؤولين في مصر ، ومع كل المسؤولين العرب الذين يقبلون بها ، لأنها ليست محل نظر أو تردد من قبلنا .
أما موضوع العلاقات الدبلوماسية ، فتكتنفه كما تعرف تعقيدات ، ليس من الممكن استغلالها فقط ، بل أنها يمكن أن تنعكس سلبيا حتى على العلاقة الثنائية ، وهذا أمر يدخل في دائرة تفاهمنا وتفهمنا المشترك مع مصر ، وأحب أن أضيف غلى ذلك ، أنه فهم واضح بين الرئيسين ، لكننا في الوقت نفسه عالجنا الأمر بألا نسمح له أن يحول دون تطوير العلاقة بين البلدين في كل المجالات ، أي أننا في الوقت الذي استثمرنا فيه وقتنا المشترك استثمارا جيدا ، فوتنا الفرصة أيضا على أولئك الذين يحلو لهم أن يختلقوا الأزمات ، ويفتعلوا التعقيدات .

 مفهوم هنا أن العراق كان يمتلك نظرة مسبقة ومبكرة لطبيعة الوضع الخاص الذي يمر به الظرف المصري ..
إذا لم نقدر ذلك ، لا نكون منطقيين ..

 لهذا كنت أريد أن أسأل عن معالجة الدور المصري على صعيد السياسة الخارجية دوليا وعربيا في إطار هذا الظرف المحدد ؟
وجهة نظرنا أن كل الدول العربية المؤمنة بضرورة عودة مصر إلى الصف العربي ، والمؤمن بأن مصر تشكل قطرا متقدما وأساسيا و مهما ، عليها أن تخلق الجو الملائم والإيجابي لخروج مصر من محنتها ، وهذا لا يتأتى بالقطيعة ، بل بمزيد من مد الجسور والصلات مع مصر ، بمزيد من بناء قواعد الثقة ، بمزيد من إشاعة الإطمئنان ، بل وتدعيم الروح المعنوية لدى مصر ، لأن أية خطوة من مصر إلى الأمام تحملها مسؤولية ، ولأن مصر تعاني من عدة مشاكل معروفة ، وهذا ليس عيبا بل هو واقع حال .
من هذا المنطلق الواضح دعونا ، ولا نزال ندعو ، إلى فتح كل القنوات والجسور والصلا مع مصر ، وتدعيم مصر بكل ما هو متاح من كل من يستطيع ، كي يكون لنا على الأقل – عندما نطلب من مصر ، أو ننتظر منها أن تقدم على موقف ما – حقا فيما نطلب أو ننتظر .

 لعل هذا ينقلنا مباشرة إلى ذلك الوضع العربي المأزوم ، أو إلى ذلك النظام الإقليمي العربي الآخذ في التفكك .. إن أسباب ذلك معروفة ، ولهذا أسأل ما هو السبيل إلى تجاوزه الآن في منظور العراق ؟
هذا موضوع طويل ، تدرك أن تناوله يحتاج إلى تحليل وشرح واستفاضة وتشعب ، إننا نقول باختصار أن الوضع العربي لا يحل بتوافق وانسجام عربي شامل ، وبالتالي نحن مع انه عندما تتم الدعوة إلى مؤتمر عربي للتضامن ، ينبغي ألا يشترط أن يحضره كل العرب .. ليكن مفتوحا لمن يحضر ويشارك ويتفق .
نحن نرى أيضا أن أي تطور في أية علاقة ثنائية أو ثلاثية بين الدول العربية ، إنما يخدم المجموع أو الإجماع بالضرورة ، من هذا المنطلق كنا نتحدث قبل قليل عن تلك الجهات التي تشيع أن هناك محورا عراقيا مصريا أردنيا ، ومع أننا لا ندري على وجه التحديد ماذا يعنون بكلمة " المحور " إلا إننا نقول أنه إذا كانت هناك نقاط التقاء بين دولتين أو ثلاث ، فهل عليها أن تتوقف عن اللقاء حتى لا يقال أنها تقيم محورا ، وهل عليها أن تنتظر أن تتفق اثنتان وعشرون دولة عربية ؟ لا . عليها أن تلتقي ، وعليها أن تطور علاقاتها ، وعليها أن تفتح الأبواب على اتساعها لمن يريد أن يلتقي معها ، وهذا هو السبيل ..
إنني أشعر أن من يريد أن يغلق باب التعاون واللقاء بين أي دولتين عربيتين ، بانتظار الإجماع العربي ، إنما يريد ألا يتم أي لقاء عربي .. إن الأطراف التي تبث هذه الدعاية ، هي نفسها أطراف متكتلة مع بعضها ، ولكن دائرة التآمر على أمن وسلامة الأمة العربية .

 قبل ساعات أعلنت ليبيا وإيران ، عن تحالف استراتيجي بينهما ضد العراق ، وبدا أن الإعلان بمثابة إشهار " ميثاق حرب " كيف تقيمون هذا الموقف ؟
إننا لا نندهش لذلك ولا نستغربه .. قد تكون صياغة هذا البيان جديدة ، ولكن مضمونه ليس جديدا بأي حال من الأحوال ، بمقدورك أن تجد هذا المضمون نفسه ، في اتفاقات ومواقف ثنائية سابقة بين ليبيا وإيران ، أو ثلاثية بين ليبيا وسوريا وإيران ، بمقدورك أن تجد هذا المضمون ذاته في بيان مماثل صدر خلال اجتماع وزراء الدول الثلاث في دمشق قبل عامين ، وطرح إطار التحالف الاستراتيجي بينهم .
ما يضيفه هذا البيان الجديد من حيث الصياغة ، القديم من حيث المضمون ، أنه يشير إلى إمعان أصحابه في السير في هذا الطريق الخبيث .

 مصدر المفجأة الإعلامية في البيان أنه صدر بعد ثلاثة أيام من زيارة وزير خارجية ليبيا لبغداد ، ولذلك بدا متناقضا مع السيناريو الذي حاولت أن توحى به هذه الزيارة ...
لقد تعودنا سواء في مصر أو العراق ، أنه كلما أعلن القذافي عن رغبته في تحسين علاقاته مع دولة عربية ، أن ننتظر شيئا متناقضا لهذا الإعلان بعده مباشرة ، أي أن الإعلان هو مجرد تهيئة لمؤامرة أو لتخريب ينفذ بعد يومين من صدوره ..
وتجارب تلك العملية متعددة ، فقد جاء المبعوثون أكثر من مرة إلى أكثر من موقع ، يحملون شعار تحسين العلاقة ، ثم تتبعهم " المتفجرات " بعد ساعات أو أيام معدودة ، لقد أدخل القذافي وللأسف ، هذه القيم المنحرفة في إطار السياسة العربية .
أما بالنسبة لزيارة " التريكي " فسوف أقدم التفاصيل : في البداية أرسل خبر إلى وزير خارجيتنا بأنه يريد أن يزور بغداد ، وكان جوابنا واضحا : إذا كانت زيارة من أجل " الوحدة العربية " فنحن لا نرغب في أن تتم هذه الزيارة ، أما إذا كانت من أجل العلاقة الثنائية فليأت ..
نحن طبعا وحدويون ، ولكننا نعرف أن صيغ الوحدة التي يطرحها هي على النقيض من هدف العمل الوحدوي ، فهدفها دائما التجزئة والتمزيق ، المهم أن المبعوث الليبي قبل بتحديدنا لإطار زيارته ، وتمت الزيارة بالفعل ، وتباحث مع وزير خارجيتنا ، وخلال هذه المباحثات طرحنا كل شئ : تعاونهم مع إيران ، إمدادهم لإيران بالصواريخ ، بل وبالأطقم التي تطلق هذه الصواريخ من داخل إيران في اتجاه أرض عربية هى العراق .
ولم ينف ذلك كله ، بل وكنا نري في حديثه معنا أثناء المباحثات أنه منسجم مع موقفنا من لبنان ، وأنه يرى بوضوح – أن دور سوريا هو تقسيم لبنان ، ثم عاد إلى طرابلس ، وبعد ثلاثة أيام أعلن التحالف الاستراتيجي .. أريد أن أضيف بعد ذلك كله أن هذه المواقف ينبغي ألا تمر دون حساب .

 اسمح لي أن ننتقل إلي جبهة عدم الانحياز ، لقد تنازل العراق طائعا مختارا عن قيادته للحركة في دورتها السابقة ، ألا ينوي العراق أن يمارس حقه المؤجل لرئاسة الحركة في دورتها الجديدة القادمة ؟
لقد تقرر في المؤتمر السابق بنيودلهي أن تحتضن بغداد المؤتمر القادم ..

 نعم ، ولكن ثمة أطراف تحاول الآن – في حدود ما أعلم – أن تغير هذا القرار متعللة بأجواء الحرب العراقية – الإيرانية ..
نحن لا نتشبث بهذا القرار ، لأننا نعتقد أن دور العراق لن يكبر بترؤسه هذا المؤتمر ، إن الإنسان الذي لا يكون كبيرا بذاته ، لن يكون كبيرا بأي شئ آخر ، وأقول بوضوح وصدق إننا نتمني أن يتم المؤتمر ، وأن ينجح ، وأن يعود نبض الحياة إلى حركة عدم الانحياز ، لأن الحياة فيها في الحقيقة شبه معدومة .
نحن لا نريد ألا يحضر المؤتمر عدد كبير من الأعضاء ، بسبب ظروف حربنا الخاصة ، ونحن نريد وحدة حركة عدم الانحياز ، ونريد نجاحها ، ونرغب جاهدين في ان تشيع فيها طاقة الفعل والتأثير الغائبة ، ولذلك كاه فإن هذا الأمر خاضع للمناقشة ، أي إننا مع أي طريق يضمن للمؤتمر النجاح الذي نطلب ، ويؤمن للحركة الخروج من محنتها كما نريد ونرغب .

 على صعيد الصراع العربي – الصهيوني ، هناك من يشيع أن العراق تخلى عن دوره الطليعي في إدارة هذا الصراع ..
أسألك بدوري ، أين هو الصراع ؟ .. أي دور ؟ .. ماذا ينبغي أن يفعله العراق على وجه التحديد ؟...

 لقد كان العراق خلال سنوات يشكل رأس الحربة في هذا الصراع ، أما الآن فقد اختلف الموقف ، بحكم الحرب ، وبحكم توجيه العراق لمجهوده الرئيسي في اتجاه الخطر المباشر ...
هذا طبيعي

 لهذا السبب يقال أن تواجد العراق على ساحة الصراع العربي الصهيوني ، قد قل ..
هذا السبب يشرفنا بصراحة ، لأن من لا يدافع بصلابة عن أرضه ، لا أعتقد أنه يمكن أن يكون له دور آخر فوق أراضي الآخرين .. واعتقد أن وقوف العراق شامخا أمام عدوان إيران ، معناه أنه يوفر طاقات وإمكانات كبيرة للقضية الفلسطينية ، أما إذا انهار العراق ، فماذا ستكسب القضية الفلسطينية ؟ ومع ذلك ، فلا اعتقد أن هناك دولة عربية تقدم للقضية الفلسطينية كما يقدم العراق ، ونحن مستعدون أن نتحاسب إذا كانت هناك جهة تقدم أكثر مما نقدمه ، وإذا كان الأمر يتعلق بسوريا وليبيا ، فهم يقدمون بالفعل ، ولكن لذبح القضية الفلسطينية ...

 سوف استغل سعة صدرك ، لأسألك عن الوضع الراهن للعلاقة العراقية – السوفياتية .
بإيجاز شديد ، علاقتنا جيدة مع الاتحاد السوفياتي في كل المجالات اقتصاديا وعسكريا ..

 ألم يصبح موقف الاتحاد السوفياتي أكثر تطورا أو إيجابية من الحرب العراقية الإيرانية الآن ؟
نعم هناك موقف سوفياتي أفضل الآن .

 كيف ؟
موقف أفضل من حيث تجهيزنا العسكري ، وعلى صعيد الموقف السياسي الإعلامي أيضا ، وهو بالطبع ليس بالضبط الموقف الذي نطمح إليه كدولة .

 وكيف تفسر ذلك ؟
إنني أربط بين المتغيرات في مواقف الآخرين من حولنا ومن الثوابت المضافة في مواقفنا الذاتية ، بين المتغيرات في مواقف الآخرين ، وبين صمودنا ونمو قوتنا ، أريد أن أضيف ذلك ، أن العرب لو توحدوا ، وترجموا أوضاعهم إلى مصادر قوة ذاتية ، لتغيرت المواقف من حولهم ، أو من حول قضاياهم ، إن العالم مع الحق المسلح الذي يجيد الدفاع عن نفسه ، أنه ليس مع الحق المجرد مطلقا ..
إن البعض يوغل الرومانسية احيانا وهو يتساءل ، لماذا لا يؤيدنا العالم ونحن أصحاب قضية عادلة ..
إن القوة بدون الحق ، هو عدوان غاشم ، والعدل بدون القوة هو مجرد ثمرة ناضجة معلقة ، لا تقطفها يد أصحابها ، بينما تعبث بها الغربان .
إذا أضفنا القوة إلى العدل ، انتزعنا الحق ، وانتزعنا التأييد وغيرنا بالضرورة مواقف الآخرين من حولنا .
إن كل شئ من تحويل الطاقة الذاتية الغائبة أو المغيبة ، إلى طاقة فاعلة يتوقف على الذات ، إننا نتحصن كعرب بالعدل والحق ، ولكن هذا العدل والحق يحتاجان إلى التحصن بالقوة ، كي يخرج من دائرة الأماني ، إلى دائرة التحقق الفعلي ..
تلك هي المعادلة الصحيحة فيما اعتقد .

 ما دمنا بصدد القوة ، ما هو الموقف العسكري على الجبهة العراقية الآن ؟
نحن أفضل وضعا ، عددا ونوعا ، منا في أي فترة مضت .

 لقد تعرضنا للعلاقة العراقية السوفياتية ، فماذا عن العلاقة العراقية الأمريكية ؟
علاقتنا طبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن تدري تاريخ إعادة العلاقات ، وقد كانت هناك صلات قبل إعادتها ، وهي علاقات اعتيادية في المجال الاقتصادي والتجاري ... وباختصار إنها علاقة طبيعية ، ليست علاقة ممتازة ، لأن هناك وجهات نظر كثيرة متباينة بيننا في كثير من الأمور الدولية والعربية ...



مع العبارات الأخيرة ، كنت أتأمل وجوه مساعديه الذين ضمهم مجلس الحوار ، حيث أحسست أن الإعياء يقفز من عيونهم ، وحين تفرست في وجهه ، رأيته ما يزال في ذلك المساء المتأخر ، ممتلئا بالنشاط والحماس ، وكأنه يتأهب لأن يبدأ حوارا جديدا !...


مجلة كل العرب

10/7/1985

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :