إسرائيل مقيّدةً ..محددات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي الراهن.     

إسرائيل مقيّدةً ..محددات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي الراهن.

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com


لا أعرف إذا كنا نمارس ، نوعا من التطبيع العقلي والنفسي ، بين أنفسنا وبين عملية التغيير المركبة في المنطقة ، استراتيجيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا وفكريا ، وهذا ما يجنح بنا إلى طلب الإحساس بالأمان ، بالتحول إما إلى الهوس بالمطلق والمجرد ، وإما إلى الشطط في استبدال الأصول بالفروع والكليات والجزئيات .

ولا أعرف – أيضا – ما إذا كانت في هذه الحالة ، من الهوس بالمطلق والمجرد ، واستبدال الأصول بالفروع ، والكليات بالجزئيات ، هي نتيجة أو سببا لظاهرتين واضحتين .

أولا : الجنوح نحو التفكير خارج نطاق الجغرافيا السياسية ، وخارج نطاق الزمن التاريخي .
ثانيا : شيوع حالة عامة من السلفية ، فرضت نفسها على أغلب المدارس والمؤسسات السياسية والفكرية والإعلامية .

لكنني أعرف أن محصلة ذلك في النهاية ، قد انتهت إلى الغرق في برك آسنة من القضايا الصغيرة و الجزئية ، وإلى تحول الحوار الوطني إلى أشكال مبتكرة من الاحتراب ، انتفخت معها أوردة التقسيم السياسي والفكري ، والاجتماعي والديني ، بدماء فاسدة جديدة ، وتلبدّت معها الصورة العامة بمزيد من الملوثات الطبيعية ، الأمر الذي صدّر بدوره إلى خلايا المجتمع مزيدا من الاحتقان ، وعلى خلفية واضحة من أزمات اقتصادية واجتماعية ، يشد قوسها عجز حكومي واضح ، تحول المناخ العام إلى بؤر ساخنة قابلة للاصطدام و الاشتعال ، وأصبحت الرؤى نتفا ممزقة ، تصطف خارج نطاق الجغرافيا السياسية ، وخارج نطاق الزمن التاريخي .

ولهذا عندما تكون تعليقات أغلب وسائل الإعلام المصرية ، على الإعلان عن تخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل ، على غرار أن " تركيا تلقن مصر درسا " ، أو أن " تركيا تتحدى البلطجة الإسرائيلية ، ومصر تحمي السفارة " ، فإن ذلك ينبئ بجنوح في الرؤية أقرب إلى العمى الاستراتيجي .

إن تقدير موقف تركيا في هذا الحيّز هو من البديهيات ، ولكن عزله في حدوده المغلقة بعيدا عن طبيعة الدور الإقليمي التركي كله ، لا ينتهي إلا إلى قصائد غزل متصلة في الوريث التركي ، وهي قصائد تجري على أفواه أصحابها بمناسبة وغير مناسبة .

في أوج الغضب التركي الإسرائيلي ، تعاقد الطرفان على مد تركيا بواحدة من أكثر منظومات الاستخبارات تقدما ، هي " لوروب " ، القادرة على تمشيط مناطق واسعة بواسطة كاميرات خاصة ، حتى في ساعات الليل ، وعلى بعد أكثر من مائة كيلومتر ، وفي أوج التهديد التركي ، بزعزعة الوجود الاستراتيجي الإسرائيلي في البحر الأبيض ، وافقت تركيا على نصب محطة إنذار مبكر ، خاصة بحلف الأطلنطي فوق أراضيها ، وهي محطة على اتصال متواز ، مع محطة الإنذار المبكر الأمريكية الإسرائيلية ، الجاثمة في قلب صحراء النقب ، وقبيل ذلك بأيام قليلة ، وافقت تركيا على نشر منظومة صواريخ أمريكية مضادة للصواريخ فوق أراضيها ، باتساع ملفت للنظر ، وبمعدل زمني سريع للغاية ، وهو عمل لا يبدو أنه روتينيا ، وإنما هو عنصر في خطة سابقة التجهيز ، لديها برنامج عملي للتنفيذ في الإقليم .

ولهذا – دون دخول في التفاصيل الآن – فإن الإجراء التركي ، يحتاج إلى إعادة تفسيره ، بدمجه في كثير من الإجراءات التركية ، ذات الطبيعة العسكرية ، التي استبقته وصاحبته .


(1)

تنتقل كافة الدراسات والكتابات والمحاضرات ، التي قدمها إستراتيجيون إسرائيليون كبار ، وعسكريون سابقون احتلوا مواقع قيادية بارزة ، سواء في الجيش الإسرائيلي أو في المخابرات الإسرائيلية ، من حيز الإحساس بالمفاجأة الاستراتيجية ، التي انبثقت عن الثورة المصرية و التونسية ، وما تلاها من اندفاع تيار شعبي جارف في عدة دول عربية أخرى نحو التغيير ، إلى حيز محاولة تشريح المفاجأة بعناصرها وقواها ، وما أنتجته جديدا فوق المسارح السياسية لدولها ، ثم إلى الدخول في مرحلة حسابات أكثر تعقيدا ، لتفاعلاتها المستقبلية المنتظرة أو المتوقعة ، وإلى ما تفرضه هذه التفاعلات من تأثير على الاستراتيجية الإسرائيلية ، وعلى مستقبل المشروع الإسرائيلي ذاته .

وقد يمكن تكثيف أهم محددات هذه الرؤية – قبل تفصيل بعضها – في العناصر التالية :

أولا : إن إسرائيل والمنطقة والعالم ، أمام حدث كبير ، تمثله الثورات العربية أو الربيع العربي ، وهو يشكل متغيرا كيفيا ، يمثل مرحلة جديدة مختلفة ، تطوي عدة عقود سابقة .
ثانيا : أن هناك في منظور الرؤية الإسرائيلية ، قدرا هائلا من الغموض ، ما يزال يلف أركان المشهد الاستراتيجي في الإقليم ، وأن حسابات تفاعلاته المستقبلية ، غير قابلة للتحديد ، ولهذا فإن الباب ما زال مفتوحا على مصراعيه أمام كل الاحتمالات .
ثالثا : أن هناك إحساسا إسرائيليا طاغيا بالخطر ، من تحولات جذرية في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل ، وهي تحولات ذات تأثيرات قد تكون عميقة على إسرائيل ذاتها .
رابعا : وفق كافة الحسابات والرؤى الإسرائيلية ، فإن هناك قوسا كبيرا من المخاطر والتهديدات ، يزداد كثافة وعددا ، كما أن نوعية جديدة من المخاطر والتهديدات ، آخذة في البروز ، تشكل إضافة إلى المخاطر والتهديدات السابقة .
خامسا : شكّلت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية ، ركيزة أساسية في التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، ولذلك فإن أي تغيير في النظام المصري ، يحمل في طياته تغييرا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية .
سادسا : إن هذا الربيع العربي ، قد استثنى حتى الآن مناطق عربية بعينها ، وأن هذا الاستثناء قد يكون بعضه قابلا للتفسير ، أما بعضه الآخر ، لا يزال بغير تفسير ، ولذلك فهو يشكل خطرا بحكم أن احتمالاته ما تزال مفتوحة .
سابعا : يجب أخذ التطورات الحالية في الحسبان ، في حالة الوصول إلى مائدة المفاوضات ، لمناقشة الترتيبات الأمنية .
ثامنا : يعطي الربيع العربي دلالة بأن إسرائيل ليست أصل المشكلة ، فقد تبين أن المشكلات الحقيقية في الشرق الأوسط ، هي مشكلات معقدة اقتصاديا ، واجتماعيا ، وديموجرافيا ، وهي صعبة الحل .
تاسعا : يتحتم مراقبة ما يجري في مصر عن كثب ، والاستعداد لمستقبل ربما يضطرنا إلى رؤية مصر من منظور مختلف .
عاشرا : الأسئلة المطروحة أكثر من الإجابات ، لكن الثابت أن بنيان التحليل التي تقوم عليه مواقفنا ، قد انهار دفعة واحدة ، وهناك ضرورة لإعادة ترتيب الأثاث بالداخل وفق المتغيرات الجديدة .
حادي عشر : ينبغي الاستمرار في تطوير قدراتنا العسكرية ، والاستعداد لاستثمارات بعيدة المدى في الأمن ، لمواجهة أسوأ السيناريوهات .

(2)

كانت الصورة الذهنية التي شكلها العقل الاستراتيجي الإسرائيلي ، للعرب عموما واستقرت في تلافيفه ، هي أكثر العوامل تأثيرا في مضاعفة صدمة المفاجأة بالثورة المصرية ، فقد كانت مفردات هذه الصورة تتوزع بين الانصياع والقبول بالأمر الواقع ، والانسحاق تحت تأثير الأزمة الاقتصادية الاجتماعية ، إضافة إلى الاستلاب والعجز عن الحداثة .

كانت مصر تبدو ماضية بقوة دفع هذا كله ، فوق منحدر حالة من الجمود ، بينما كان المكّون الخارجي في القرار المصري ، قد أصبح أكثر سطوة وتأثيرا .

ولهذا لم يكذب ولم يبالغ " عاموس يادلين " رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق ، حين قال أنه اكتشف بعد أسبوع واحد من الثورة المصرية ، أن جميع من في إسرائيل قد أصابهم الذعر ، ولهذا سعى بنفسه إلى الظهور على شاشات التليفزيون الإسرائيلي ، متذكرا نصيحة " زئيف تشيف " له قبل سنوات : ( إياك والهلع ) ، محاولا أن يخفّض مستوى الإحساس الجمعي الإسرائيلي بالخطر ، في البحث عن فرص مستجدة قد يحملها التغيير في مصر ، تمثل أخبارا سارة ، وقد رآها وعرضها في أن نجاح الديموقراطية يقلل من إمكانية الصدام العسكري ، وفي أن إسرائيل لم تعد بالنسبة للمجتمعات العربية ، لب المشكلة في الشرق الأوسط ، فقد تبين أن مشكلات الفقر والديكتاتورية و القضايا الحقيقية الأخرى ، هي لب المشكلة ، وقد بنى رؤيته على الارتياح لأن أيا من المحتشدين في ميدان التحرير ، سواء المحتجين أو القادة العسكريين ، لم يشر إلى إسرائيل بالأصبع على أنها أصل المشكلة ، أما الخبر السار الثالث ، فقد رآه في إمكان حدوث شرخ في المحور الراديكالي ، الممتد من طهران مرورا بسوريا ، وصولا إلى حزب الله وحماس .

والحقيقة أن عرض الفرص ، كان في جوهره خطابا عاما ، هدفه الأساسي تطويق حالة الذعر ، وتخفيض الإحساس الإسرائيلي العام بالخطر .

لقد استمر " عاموس يادلين " رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية لمدة خمس سنوات ، وهو لم يغادر موقعه إلا منذ شهور ، وقد سبق له الخدمة في رئاسة الأركان الإسرائيلية لسنوات ، سبقتها سنوات أخرى في قيادة القوات الجوية الإسرائيلية ، وهو واحد من أهم العقول الاستراتيجية في إسرائيل ، ومن أكثرها تأثيرا في صياغة القرار الاستراتيجي .

ولهذا ستعتمد هذه المحاولة لرصد محددات التفكير المستقبلي الإسرائيلي ، للحالة الثورية المصرية والعربية ، على دراسة له أخذت شكل محاضرة ، ألقاها في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، وكذلك ورقة بحثية ضمن سلسلة تقويمات استراتيجية ،التي يصدرها معهد دراسات الأمن القومي ، والتي أعدها " ميخائيل ميلشتاين " إضافة إلى أعدادا من المقالات التي كتبها أخصائيون في عدد من الصحف الإسرائيلية .

(3)

فيما يتعلق بحدث الثورة ، ترصد الرؤى الإسرائيلية أنه يشكل مرحلة كيفية جديدة تطوى عقود سابقة ، فهذا الحدث الأهم منذ سبعينيات القرن الماضي ، حيث تفاعلت أحداث السبعينيات وأهمهما حرب أكتوبر ، واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية ، وتعديل ميزان الموارد في الشرق الأوسط والعالم ، بارتفاع أسعار البترول ، إضافة إلى الثورة الإيرانية ، لتشكل طبيعة هذه العقود الأربعة المنصرمة ، لكن المنطقة كلها أمام متغير كبير جديد ، يطوي هذه الصفحات ، والقواسم المشتركة لهذا المتغير الجديد ، هو مزيج من الظواهر قديمة وجديدة ، أبرز ملامحها ، أن أنظمة الحكم التقليدية ، والتي كانت تتسم بعدم الاستقرار ، تتداعى منهارة ، في أوج العاصفة ، وخلف تداعيات الانهيار تصعد الجيوش العربية في مقدمة المسرح السياسي ، وتبدو أكثر استقلالية تجاه الحاكم ، بينما تأخذ أغلب الجماهير موقفا مؤيدا للجيش ، وتعتبره مدافعا عن المصالح الوطنية ، بعد أن أظهر الجيش الذي كان خاضعا للسلطة ، استقلالية غير متوقعة .

إن هناك عناصر وظواهر جديدة ، لم تكن قائمة في حيز الإدراك حتى الآن ، تمثل تغييرات دراماتيكية ، وهي في مصر ، حيث تجلت في ثورتها ذروة الثورات العربية ، تجسد تغييرا جوهريا في سلوك وقوة عدد من الأطراف السياسية في هذا العالم ، فالولايات المتحدة فاجأت العالم بتخليها عن حلفائها القدامى ، وكشفت عن قدرة محدودة على استخلاص الدروس من ماضيها ، والشارع العربي الذي كان يبدو خائفا ، تحول إلى عنصر ثوري شديد التأثير ، يمتلك القدرة والطاقة على إحداث التغيير ، لكنه ما زال واضحا أن تأثير القوى الشعبية غير الدينية ، والتي تزداد قوتها ، أضعف من تأثير العناصر ذات الأيديولوجية الدينية ، وهذا وضع تتشعب منه عدة احتمالات .

من الواضح أيضا ، أن التركيز الإجباري على الأوضاع الداخلية ، في عدد من الدول العربية ، بسبب عواصف الثورات ، قد حفز أطرافا إقليمية على هامش الإقليم ، للسعي نحو ملأ الفراغ الناشئ عن ذلك ، وفي مقدمتها تركيا وإيران وإسرائيل ، حيث شرعت في تعميق نفوذها في دول مثل العراق ، الخليج العربي ، الساحة الفلسطينية ، لبنان ، منطقة البحر الأحمر .

و فيما يتعلق بحالة الغموض ، التي تلف أبعاد المسرح الاستراتيجي في الإقليم ، فإن الرؤية الإسرائيلية ، تركز على أن الثورات العربية ، إنما تشكل البداية ، التي لا تبدو للعيان خواتيمها ، فقد تأخذ الأحداث مسارا معينا على المدى القصير ، ثم تأخذ اتجاها معاكسا على المستويين المتوسط والبعيد ، ولهذا فإن الموجة الثانية من الثورات هي الأكثر تحديدا لاتجاهها المستقبلي ، وقد تم خطف عدد من الثورات في التاريخ خلال هذه الموجة الثانية ، كما حدث في الثورة الفرنسية " 1789 " والروسية " 1917 " والإيرانية " 1979 " ، حيث تأخذ الموجة الأولى قوة دفع شعبية لإزاحة النظام ، وإسقاط الاستبداد ، ثم تليها بعد عام أو أقل ، أو أكثر ، موجة ثانية ، يصعد على أكتافها نظام قمعي آخر إلى السلطة ، لذلك ينبغي الحذر خلال هذه الموجة الثانية ، مع الوضع في الاعتبار أننا أمام حالة تاريخية متغيرة جديدة ، فهذه الثورات تختلف عن سابقتها ، في أنها مسلحة بثورة الاتصالات ، التي لم تكن حاضرة في ربيع الأمم الأوروبية ، عندما فشلت الثورات كلها ، وتبخرت رياح التغيير الليبرالية ، مع ذلك فمن الممكن أن تواجه الموجه الحالية من الثورات ، أزمات حادة قد تساهم في انفجار عنف ، أو صعود استبداد ، وأن يتم ركوب موجة الثورة من قوى تقدّم نفسها ، على أنها الأكثر استحقاقا وإخلاصا لمصالح الجماهير ، وفي كل الأحوال فنحن نواجه ما يمكن أن نطلق عليه " الإنذار العربي " .

في هذا السياق ذاته ، ورغم وجود قواسم مشتركة في الثورات العربية ، تبرز ظاهرتين هامتين ، الأولى تتعلق بأن لكل بلد عربي مكوناته الذاتية الخاصة ، وهذا ما يحتم تحليل أوضاع كل دولة على حدة ، فطريق التغيير ليس واحدا وليس قابلا للاستنساخ ، وبالتالي فإن المسارات المستقبلية ، يمكن أن تكون مختلفة .

أما الظاهرة الثانية ، فهي ذات وجهين ، أولاهما أن مثلث لبنان والعراق وفلسطين ، لم تشارك في ربيع العرب ، ربما لأن اللبنانيين قد اختبروا ربيعهم قبل سنوات ، وأن العراقيين قد غيروا دولتهم ، والفلسطينيون خاضوا انتفاضتين ، ولهذا يبدو أن أطراف هذا المثلث تؤثر الاستقرار على التغيير ، أما الوجه الثاني ، فيتعلق بأن التغيير لم يطل بلدين هامين في الشرق الأوسط ، هي السعودية وإيران ، وقد لا ينطبق عليهما التفسير السابق ، لكن حلول ربيع عربي فيهما ، سيترتب عليه نتائج بالغة الخطورة ، إن أكبر الفرص رغم ضآلة نسبة حدوثها ، هي وصول الثورة إلى إيران ، فهذه هي القضية الاستراتيجية الأولى في الشرق الأوسط ، بالنسبة لإسرائيل ، وربما للعالم أجمع .

بالنسبة لليبيا فقد تطول المواجهات ، وهناك غموض يعتري هؤلاء الثوار ، هل هم مقاتلون من أجل الحرية ، أم عناصر من القاعدة ، يتحينون للانقضاض كما حدث قبل ثلاثة عقود في أفغانستان .

(4)

فيما يتعلق بالتهديدات البازغة والمستجدة ، التي تواجه إسرائيل ، فإنها أصبحت تأخذ شكل قوس كبير ، يدفع إسرائيل إلى خطوات فوق مسار تدهور الوضع الاستراتيجي الإقليمي لها ، خلال العقد الأخير ، وهذا مسار ينطوي على تناقض داخلي ، فمن المؤكد أن قوة إسرائيل العسكرية والتكنولوجية ، قد ازدادت خلال الأعوام الماضية ، غير أن ذلك تزامن مع حدوث تغيير سلبي متواصل بالنسبة لوضعها في المنطقة ، لقد أصبحت إسرائيل أكثر قوة عسكريا وتكنولوجيا ، وربما اقتصاديا ، ولكن قوة خصومها العسكرية والسياسية تعاظمت وتزايدت التهديدات التي تواجهها ، كما تقلصت الفرص السياسية خصوصا على المسارين السوري والفلسطيني ، وقد قدمت الثورات العربية مددا جديدا ، إلى تدهور الوضع الاستراتيجي الإقليمي لها .

هناك وضع جديد في مصر ، يغير من طبيعة الإنذار المبكر على هذه الجبهة، لقد كان الإنذار على الجبهة الشمالية ، - كما يقول رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق ، والذي يدخل الأمر في صلب مهمته - إنذارا عملياتيا مبكرا ، يقاس بالأيام والساعات أحيانا لاستدعاء الاحتياط ، لكن الإنذار مع مصر لم يكن إنذارا عملياتيا مبكرا ، وإنما كان إنذارا استراتيجيا مبكرا ، يقاس بالأعوام ، وهو أمر يتحتم إعادة النظر فيه ، وإستراتيجية حماية الحدود الإسرائيلية مع مصر ، اعتمدت – كما يقول " رون بن بشاي " – على التأمين المتحرك في مواقع محددة ، اعتمادا على أنها حدود سلام ، وليس على مستوى التسليح في سيناء ، وهو أمر بدوره يتحتم إعادة النظر فيه ، ولهذا فقد تم بناء 45 كم من الجدار الفاصل في العام الماضي ، لكن علينا أن نبني 100 كم أخرى قبل أن ينصرم هذا العام .

إن هناك تلازما بين اتفاق السلام مع مصر ، وهو يشكل أساسا فائق الأهمية بالنسبة لإسرائيل ، وبين جزء أساسي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية ، على امتداد ثلاثين عاما ، ولهذا تشكل الاتفاقية ركيزة أساسية في التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، إننا لم نكن في حالة سلم مثالية ، فقد كان سلاما باردا جدا ، ولكن سيتعين على كل نظام جديد في مصر ، أن يجري حساباته انطلاقا من أهمية السلام مع إسرائيل ، ومع وجود محطات عدة ، تفصل بين حالتي السلم والحرب ، فبمقدور مصر أن تستدعي سفيرها ، أو أن تقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ، ولديها القدرة على القيام بخطوات عديدة دون إعلان حرب ، لكن علينا أن نراقب مصر عن كثب ، خاصة انعكاسات الوضع الداخلي على السياسة الخارجية المصرية ، وعلى عقيدة مصر العسكرية ، لأن الأوضاع فيها لم تصل إلى درجة الحسم .

إن المكان الثاني الذي علينا مراقبته عن كثب ، هو الأردن فلا شئ يمكن أن يغير حاجات إسرائيل الأمنية ، أكثر من التوتر على هذه الجبهة المترامية ، وتحول الأردن إلى بلد معاد ، سيمثل تغيرا جوهريا بالغ الخطورة .

بالنسبة لنظام أبو مازن ، فإن التطورات الراهنة ، تزيد من تعميق الضائقة الاستراتيجية التي يعاني منها ، لكن بناء قوة عسكرية للتنظيمات العسكرية في غزة ، وتسليحها بعتاد عسكري ذي قدرة متطورة وخصوصا بالصواريخ المضادة للدبابات والسفن والطائرات ، سيقيد حرية تحرك الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة ( وقد تمت محاولة إرسال شحنات سلاح من إيران إلى غزة ، برا وبحرا في مارس الماضي ) .

إن ما يحدث يعطي الأطراف "المتطرفة" ، هامشا أوسع للتحرك في جميع المجالات بما فيها المجال العسكري ، وهي تنتهز الفرصة لتعميق نفوذها في المنطقة ، التي تمر بمرحلة صياغة صورتها السياسية ، وهي تحاول كذلك اختبار هامش تحركها .

لقد سعى كثيرون لإبعاد سوريا عن محور إيران حزب الله دون جدوى ، وقد يكون من شأن الربيع العربي ، أن يغيّر هذا المحور على النحو المنشود ، إذا أدرك السوريون أن مستقبل بلدهم يكمن في الانفتاح والسلام ، لكن هناك مخاطر مزدوجة من تفاعلات الحالة السورية الراهنة ، فهناك خشية إذا أصبح نظام الأسد مزعزعا ومهددا بشكل جدي ، أن تلجأ أطراف في معسكر المقاومة إلى تصعيد الوضع مع إسرائيل في محاولة لمنع انهيار النظام ، وهناك هاجس إسرائيلي أكبر في هذا الحيز ذاته ، وهو الفوضى ، إننا نخشى أن تكون الفوضى التي عاشها العراق بين عامي 2002-2005 نموذج لما يمكن أن يحدث في ليبيا أو اليمن أو دول أخرى ، أن بمقدورنا أن نتعايش مع الفوضى في اليمن ، لكن لا يمكن التعايش مع الفوضى في سوريا ، فإذا أصبحت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ، في متناول الفصائل والإرهابيين ، فسوف نواجه دائرة واسعة من الخطر الداهم ، يستحيل تجاهلها .

(5)

في إطار التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي المضاد ، في مواجهة عواصف المتغيرات ، بما تحمله من تهديدات وتحديات ، يبدو الحيز العلني ضيقا ، وما يمكن اصطياده من عمقه ، غير كاف لأن يعكس الخطوط الأكثر عمقا فيه .

لكن أمام حالة عربية متحركة ومتصاعدة ، وأمام غموض يصعب معه ، تحديد رؤية دقيقة للمتغيرات ، في المدى المتوسط أو البعيد ، رغم حسابات الاحتمالات المعقد ، قد تفي الخطوط التي حددها " عاموس يادلين " لاستقراء العوامل الأكثر ضغطا على الجملة العصبية المركزية الإسرائيلية.

فهناك – أولا – ضرورة للإبقاء على حالة عالية من الاستعداد العسكري ، في مواجهة تقويم راهن للأوضاع ، قد لا يتسم بالدقة ، بما في ذلك الاستعداد إلى " رؤية مصر من منظور مختلف " .

وهناك – ثانيا – ضرورة للبدء في تطوير القدرات العسكرية ، التي يحتاج تطويرها وقتا طويلا ، لكي تكون إسرائيل جاهزة لأي تغيير في الموقف .

وهناك – ثالثا – ضرورة للبدء في التخطيط للمدى الأبعد ، وبلورة سياسة استباقية .

وهناك – رابعا – ضرورة لتحويل جزء من الموارد الاقتصادية والمالية ، للاستثمار في الأمن ، مع الاستعداد لاستثمارات بعيدة المدى لمواجهة أسوأ السيناريوهات .

وهناك – خامسا – ضرورة الحذر من محاولات تصدير المشكلات القائمة في دول الربيع العربي إلى إسرائيل ، وتحويل الانظار عن القضايا الحقيقية للمجتمعات العربية ، وتصويبها تجاه إسرائيل ، وهذا ما يتطلب تبني استراتيجية سلبية تلتزم الصمت ، وتترك العالم العربي يعالج قضاياه ، وتتطلب الحكمة في الرد على الاستفزازات التي تريد أن تصدر الأزمة إلى إسرائيل .

وهناك – سادسا – ضرورة بوضع خطوط حمراء للاستفزازات التي يتحتم عند تجاوزها ، القيام الفوري بالرد عليها ، على ان يكون الرد ، مدروسا بعناية وملائما للحدث .

وهناك – سابعا – ضرورة في إتباع سياسة تمثل " شروطا لبقاء إسرائيل في هذا الجوار الخشن " .

وهناك – قبل ذلك كله – ضرورة أن تتابع إسرائيل عن كثب ، انعكاسات الوضع الداخلي في مصر ، على السياسة الخارجية المصرية ، وعلى عقيدتها العسكرية .

(6)

ما العمل في مواجهة ذلك ؟
أظنه يتجاوز الإعراب عن الغضب أو السخط ، بوسائل تقليدية ، أظنه أبعد مدى ، من الهتافات المضادة في دوائر تظاهرات حارة ، أبعد مدى من اصطياد علم معاد ، فوق سارية من خشب .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :