إسرائيل مقيّدةً ..إسرائيل من الصدمة إلى الفعل     

إسرائيل مقيّدةً ..إسرائيل من الصدمة إلى الفعل

بقلم : أحمد عز الدين
Email: ezz@ahmedezzeldin.com



على الحائط كتابة بالطباشير .
إنهم يريدون الحرب .
والذي كتبها قد سقط صريعا .

تشكل السطور السابقة نص قصيدة كاملة للشاعر الألماني الكبير " بريخت " ، كتبها في أوج نمو النازية الألمانية ، قبيل تقدمها لتحطيم أوربا ، وإغراق ثلث الكرة الأرضية بالدم .
كان الشاعر يريد أن يقول ، أن الحرب ليست كالسلام ، فالسلام كالحب ، يتحقق بإرادة طرفين ، أما الحرب فهي كالكراهية ، لا تحتاج إلا إلى إرادة طرف واحد ، وكان يريد أن يقول أن الحرب على هذا النحو ، حقيقة موضوعية ، وهي ككل حقيقة لابد وأن تجد من يسجلها ، ولو بالطباشير على حائط مهدم ، لكن معرفة الحقيقة ، لا تمنع حدوثها ، وموت من رآها جذوة متقدة تحت دخان الشكوك ، لا يمنعها من أن تبقى حية ، في إدراك الأحياء من بعده.
(1)

في هذا الوقت ، وعندما بدأت النازية الألمانية ، إندفاعتها لالتهام أوربا ، كانت أمريكا ما تزال تعلن الحياد ، حتى بعد أن ضم هتلر النمسا وأخرج فرنسا من منطقة الرورو ، بينما كانت إجراءات بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب ، لا تخرج عن سياق خطاب لغوي خالص ، وعندما أضطرت طائرة عسكرية ألمانية للهبوط في بلجيكا ، واعتقل من بين ركابها ، ضابط ألماني من هيئة أركان الحرب ، وبحوزته خطة المانية كاملة ، لغزو بلجيكا وهولندا وفرنسا ( وهو ما سمى باسم أولاف فيسر ) ، لم يكن أحد في أوربا أو أمريكا ، كما يروي تشرشل نفسه في مذكراته ، يمتلك قناعة بأن المانيا عازمة فعلا على أن تمزق ما تبقى من معاهدة فرساي ، وأن تتقدم لالتهام أوربا .
كان الهاجس الذي يحكم العقل الاستراتيجي في أوربا والولايات المتحدة معها ، إنه يمكن العمل بهدوء ، لاحتواء هتلر ، وتقييد نزعته التوسعية ، وذلك بعدم إثارته على جانب ، وتركه يضم بعض الأرصفة الأوربية من حوله ، على جانب أخر ، ثم دفعه إلى مائدة المفاوضات ، وإغرائه بتوقيع معاهدات عدم اعتداء مع بقية جيرانه مساومة على ما ابتلعه بالفعل . وعندما جلس هتلر ليوقع هذه المعاهدات ، كانت أوربا تتصور أنها نجحت في تقييده ، بينما كانت يده اليسرى توقع على اتفاقيات ، تعرف يده اليمنى أنها ستقوم بتمزيقها بعد أسابيع قليلة .
هكذا بدأ بغزو الدانمارك ، ثم بلجيكا وهولندا ، ولكسمبورج بعد أربعة أسابيع ، ولم يمر غير أسبوع أخر ، حتى كان الجيش الهولندي يستسلم ، والفرنسي ينسحق ، والقوة النازية ، تتقدم على طول تسعين كيلو مترا بين ( سيدان ) و( تامور ) على محور الجنوب الغربي ، لتصب حممها نارا في قلب باريس ، بينما العالم كله يقف على أطراف أصابعه ، يتأمل جاحظ العينين ، مشهداً بدا له ضربا من الجنون .
المدهش أن الأمر تكرر بعد ذلك ، على الجبهة السوفيتية ، فأمريكا التي استوعبت الدرس السابق أرسلت قبل الغزو بشهور ، تحذيرا لموسكو ، ثم أرسلت بريطانيا التي أستوعبت الدرس بدورها تحذيرا آخر ، لكن ( ستالين ) ، لم ير في التحذيرين ، إلا محاذير ذاتية ، وأنها سلوك استفزازي إمبريالي ، ولذلك لم يكلف نفسه عناء أن يأمر بتعبئة القوات السوفيتية ، ليفاجأ بعد أسابيع أخرى ، ودون مقدمات أو بيانات ، باقتحام القوات الألمانية للأراضي السوفيتية ، على طول الحدود الممتدة من البحر الأسود حتى بحر البلطيق ، ولذلك كان طبيعياً ، أن تتمكن القوات الألمانية ، بعد ثلاثة أسابيع فقط ، من بدأ أعمال القتال على الجبهة الروسية ، من التوغل بعمق يتراوح بين 400 إلى 600 كم ، على جميع محاور الهجوم الرئيسية في الأراضي السوفيتية ، بعد أن ذبحت أكثر من ثلاثة أرباع الطائرات الروسية ، وهي نائمة في مخادعها.
(2)

والحقيقة أن العقول الاستراتيجية في الولايات المتحدة وأوربا والاتحاد السوفيتي لم تترك أسباب ما حدث ، ونتائجه، دون أن تخضعها لمراجعة متأنية وعميقة ، وأمام لوحة كبيرة من الأسئلة عن ذلك الشك الذي جعل الإرادة الغربية كلها ، ومن بعدها السوفيتية معلقة بحسابات احتمالات ، برهنت النتائج العملية على أنها كانت مغرقة في سوء التقدير ، ابتنت عليه سوء تخطيط ، ترتب عليه سوء تصرف ، وأنتهى إلى مسلسل من الكوارث المفزعة ، ثم جاءت نتائج هذه المراجعة العميقة ، التي توزعت على عدة دراسات مستفيضة ، لتثبّت مجموعة مبادئ ، كان في مقدمتها:
أولا : أن الأخطاء التي قد تبدو صغيرة أو تكتيكية في تقدير حسابات احتمالات لجوء طرف إلى الحرب ، تترتب عليها أخطاء جسيمة في مجرى المواجهة العسكرية .
ثانيا : أن التراكم الكبير في القوة العسكرية على جانب ، يخلق لنفسه قانونا خاصا ، ويمثل حافزاً نشطاً للحرب والعدوان ، وهو لا يغوي فقط باستخدام القوة للحصول على مكاسب سياسية ، ولكنه يعتبرها الأداة الأسرع والأسهل ، وهو لا يعلى فقط من مفهوم الأمن الذاتي ، ولكنه يحوله إلى أمن مطلق ، ولذلك فإن تراكم القوة يمثل تهديدا مباشرا بغض النظر عن ارتباطه بأطماع توسعية ، لأنه يتحول بذاته إلى حقل خصب لنمو هذه الأطماع .
ثالثا : أنه لا ينبغي اعتماد موازين القوى الإقليمية في حساباتها العامة ، عند وجود خصم لعدد من الدول على مستوى الإقليم ، وإنما ينبغي أن توضع موازين القوى الوطنية ، بشكل منفصل لكل دولة في مواجهة هذا الخصم ، كما أن حسابات الردع ينبغي ان تتسم بالمنهج ذاته، لأن حساب موازين القوى إقليميا هو حساب مخادع ، طالما أن هذه الدول ليست منخرطة ، في نظم من التوحد العسكري الميداني أو الدفاعي.
رابعا : عند حسابات موازين القوى في صيغها المباشرة ، ينبغي أن يكون التركيز واضحا على طبيعة التوجه التسليحي ، فلا يتم الخلط بين التوجهات الدفاعية المحضة ، وتوجهات التسليح وفقا لمبادئ هجومية واضحة .
خامساً : إن نظرية الردع لا تنجح ، دون أن تتوفر لها ثلاثة شروط أساسية:
1. وجود قوة قادرة على الردع .
2. اقتناع الخصم بوجود هذه القوة وبفاعليتها .
3. وجود الاستعداد التام لاستخدام هذه القوة واقتناع الخصم بوجود هذا الاستعداد ، فإذا توفرت القوة الرادعة ، وتوفرت قناعة وجودها عند الخصم ، وتوفرت النية لاستخدامها عند أصحابها ، ولم تتوفر لدى الخصم قناعة بتوفر النية لاستخدامها ، تصبح نظرية الردع بغير فاعلية .
سادسا : الربط بين العقيدة السياسية للخصم ، وبين عقيدته القتالية ، أمر بالغ الأهمية ، لأن العقيدة السياسية ذات التوجهات التوسعية ، لا يمكن إلا أن تقود عقيدة قتالية ، مبنية على التوجهات ذاتها .

سابعا : " السيناريو الأسوأ " قد يكون السيناريو الأضعف ، ولكنه ينبغي أن يوضع في المرتبة الأولى ، عند ترتيب الاحتمالات المضادة.
(3)
لقد كتبت السطور السابقة قبل سنوات ، في إطار نقدي لـ ( تقدير موقف ) تجاه الحالة الإسرائيلية ، كنت أرى أن حساباته ، لا تتسم بالصحة والرشاد ، لكنني أكتبها هذه المرة ، في إطار تحية واجبة لـ ( تقدير موقف ) يعكس حسابات بالغة الدقة والصحة والسلامة ، وهو تقدير ترجم نفسه عمليا ، مع أول ضوء يوم 28 يناير 2011 ، إلى دفع القوات المسلحة المصرية عناصر من الصاعقة والمظلات والقوات الخاصة ، مدعومة بالمدرعات وطائرات الهليكوبتر ، إلى المنطقتين " ب " و " ج " في شبه جزيرة سيناء ، وهما منطقتان لا يسمح فيهما بتواجد وحدات عسكرية مصرية مقاتلة ، وفقا للاتفاقية الأمنية ، الملحقة باتفاقية " كامب ديفيد " .
وقد كان دفع هذه العناصر من القوات حتى الحدود الدولية ، سابقا على إخطار الواقفين على الجانب الآخر من التل به ، ولذلك فقد شكل بذاته مفاجأة أخرى ، أضافت مزيدا من الوقود إلى المفاجأة الاستراتيجية الكبرى ، التي شكلها بزوغ فجر الثورة المصرية ، خاصة بعد أن أصبح الحضور العسكري المصري في المنطقتين ، أمرا واقعا ، ووضعا قائما ، لا يقبل الجحد ولا الإنكار .
في صبيحة يوم 25 يناير نفسه ، وعندما بدأت مقدمات الصدام الدامي قرب ميدان التحرير في القاهرة ، كان " أفيف كوخافي " رئيس شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية " أمان " يقف أمام لجنة الأمن والخارجية في الكنيست ، مؤكدا بصوت قوي ، وبحروف واضحة " إن النظام في مصر مستقر ولا خطر عليه مطلقا " ، وهو ما أدى بعد ذلك إلى تصاعد المطالبات في الكنيست ، بالتحقيق فيما أكده ، والذي عكس فشلا ذريعا في الرصد والتنبؤ ، حد تأكيد صحيفة " يديعوت أحرنوت " أن الثورة المصرية أطاحت بحسابات المخابرات الإسرائيلية ، كما حدث في حرب أكتوبر .
قبل ذلك بأيام قليلة ، كانت مدينة " هرتزليا " تشهد وقائع المؤتمر السنوي للأمن القومي الإسرائيلي ، والذي يشارك في صياغة رؤيته ، كافة قيادات الجيش والأمن والإدارة والأحزاب في إسرائيل ، إضافة إلى خبرات استراتيجية وأمنية خاصة ، من داخل إسرائيل ومن خارجها ، وهو مؤتمر يكاد مستخلص أعماله ، أن يمثل التوجه الاستراتيجي العام ، الذي تنتظم فيه كافة مفردات العمل العسكري والأمني ، فضلا عن السياسي والاقتصادي .
كان التصور الذي قدمه الجنرال " داني روتشيلد " رئيس المؤتمر ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية ، شأنه شأن بقية التصورات التي قدمها أهم خبراء الاستراتيجية والأمن في إسرائيل ، من " عوديد عيران " إلى " شلومو أفنيري " فقد خلت جميعها من أية إشارة إلى تغيير محتمل ، أو مقدمات تغيير متوقع ، في البيئة الاستراتيجية للإقليم ، بل إن بعض الأصوات الأكاديمية ، التي تحدثت في المؤتمر ، كررت على نحو ببغاوي رتيب ، ما كانت تؤكد عليه بعض وسائل الإعلام في مصر ، والذي أخذ شكل مقولة ثابتة هي : " مصر ليست تونس " ، وهي مقولة اعتمدها كل نظام عربي بعد ذلك ، عندما بدأت النار تمسك بثيابه .
هكذا كان واضحا ، أن الرؤية الاستراتيجية العامة في إسرائيل ، مستقرة على أن أوضاع الإقليم ، أنظمة وجماهير وموازين قوى ، ستظل ثابتة على حالها ، وكأنها جزء من قوانين الليل والنهار ، ولهذا فإن أغلب الأهداف الاستراتيجية التي تمت الإشارة إليها ، توقفت عند حيز تعميق الحضور الإسرائيلي في الإقليم ، اعتمادا على أنظمة أكثر انصياعا ، وأكثر قدرة على البقاء في الوقت ذاته ، مع إشارات مبهمة إلى مخاطر محتملة ، لصعود قوى إسلامية إلى سدة الحكم ، ولكن بوسائل ديموقراطية خالصة ، وهذه الرؤية الاستراتيجية الواثقة المطمئنة ذاتها ، هي التي أصطبغت كافة إصدارات مركز أبحاث الأمن القومي في إسرائيل ، على امتداد العام السابق ( 2010 ) حيث تنتهي مراجعتها جميعها ، إلى خلوها من أي رصد أو تنبؤ ، باحتمال حدوث تغيير ذي طبيعة جوهرية ، في دائرة هذه البيئة الإقليمية ، سواء في إطارها المحيط المباشر ، أو تخومها الواسعة .
ولم يكن الأمر مختلفا عن ذلك ، من قريب أو بعيد – ودون دخول في التفاصيل – في عمق أجهزة المخابرات الأمريكية ، البالغة التعدد والتشعب ، فقد جاءت الثورة المصرية، توقيتا، وحجما، وطاقة، ونتائج ، خارج كافة الحسابات والتوقعات ، ولهذا مثّلت بذاتها مفاجأة استراتيجية كاملة .
(4)
• ينبغي أن يكون واضحا – أولا – أننا حين نتحدث عن السياسة الخارجية الإسرائيلية ، فإننا نتحدث بتحديد قاطع ، عن أحد فروع التخطيط العسكري الاستراتيجي .
• وينبغي أن يكون واضحا – ثانيا – أننا حين نتحدث عن صياغة الرؤية الاستراتيجية في إسرائيل ، فإننا لا نتحدث عن أفراد ، وإنما عن مؤسسات ، ولهذا فإن محاولة تبرير المفاجأة الاستراتيجية ، التي مثلتها الثورة المصرية ، والارتباك الكبير ، الذي ترتب عليها ، بأن إسرائيل عاشت خلال الأسابيع السابقة على الثورة ، تغييرا في جميع رؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن والجيش ، من قيادة الموساد ، إلى قيادة المخابرات العسكرية ، إلى موقع رئيس أركان الجيش ، بوضع ذلك كغطاء لغياب هذه المفاجأة الاستراتيجية ، عن كافة التوقعات والتقديرات الإسرائيلية ، هو من قبيل تبرئة هذه الأجهزة الإسرائيلية لنفسها ، من اتهام استخدمت معه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية نفس التعبير ، الذي استخدمته مع المفاجأة الاستراتيجية للعبور العظيم في حرب أكتوبر ، وهو تعبير – التقصير - .
• وينبغي أن يكون واضحا – ثالثا – أن هول المفاجأة لم يقتصر على منظومة القوة في إسرائيل ، فلم تكن الصدمة أقل عنفا في أوساط الرأي العام الإسرائيلي نفسه ، بحكم عاملين :
الأول – أن الأزمة الاجتماعية الاقتصادية ، تمكنت في الفترة الماضية من اختراق سقف الأيديولوجية ذاتها ، وقد شكلت ضغوطا شديدة على الحكومة الإسرائيلية ، حد إعلانها عن التوجه إلى تقليص جانب من موازنة الأمن ، التي بلغت 15 مليار دولار ( 18% من الموازنة الإسرائيلية العامة ) وذلك في العام القادم ، لتوجيهه نحو إطفاء بعض نار الانتفاضة الاجتماعية ، ولكن الأمر غدا معكوسا ، بعد الثورة المصرية ، فمطالب الأمن المستجدة تضغط بشدّة ، لضخ أموال إضافية في موازنته ، بدلا من تقليصها ، وهو أمر لن يخلو من إنتاج تفاعلات جديدة داخل إسرائيل .
الثاني – أن هناك استقطابا شعبيا حادا في إسرائيل تجاه اليمين ، لا تؤكده استطلاعات الرأي ، التي أجريت مؤخرا فحسب ، والتي قالت أن 70% من الإسرائيليين يرون أن احتمالات السلام تتراوح بين مستحيل وضعيف جدا ، وأن 69% منهم يرون أن هدف العرب يتراوح بين احتلال إسرائيل ، و احتلالها مع القضاء على جانب كبير من السكان اليهود ، بل إن هذا الأمر يبدو واضحا ، في قيام " باراك " بالانشقاق على حزب العمل ، بعد أن وصفه بأنه يمثل آراء يسارية متطرفة ، وقد كان ذلك بمثابة نشر نعي في صفحة الوفيات لحزب العمل ، وباقي قوى اليسار ، بعد المعاناة من عجز مزمن ، كما كان استقراءا صحيحا من جانب " باراك " لعوامل بقائه الذاتي على سطح الحياة السياسية .
• وينبغي أن يكون واضحا – رابعا – أن الأوضاع المستقبلية ، التي تدخل حيز الاحتمال لا اليقين ، تحظى في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي بأولوية كبيرة ، لقد وضع الإسرائيليون – على سبيل المثال – بشكل مبكر جدا ، احتمال الانسحاب الأمريكي من العراق ، على مائدة بحث شاركت فيه كل الأجهزة المسئولة ، من الموساد إلى الجيش مرورا بمجلس الأمن القومي والخارجية ، وقسم التخطيط العسكري ، للإجابة على سؤال محدد: " كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي على المصالح الاستراتيجية لإسرائيل ؟ " وكانت الإجابة : أنه سيترتب عليه ، إعادة تشكّل شرق أوسط جديد ، وبعد جولات من المباحثات الأمريكية الإسرائيلية ، لم تجد الولايات المتحدة بديلا عن تهدئة القلق الإسرائيلي البالغ المترتب على ذلك ، سوى رفع المساعدات الأمريكية لإسرائيل بمعدل 3 مليارات دولار كل عام .
• و ينبغي أن يكون واضحا – خامسا – أن المفاجأة الاستراتيجية المصرية ، وما تلاها من تحرك عملي على الأرض ، ساهمت في اهتزاز جانب من المعتقدات الإسرائيلية ، الحاكمة في صياغة المواقف واتخاذ القرارات ، في الحقلين العسكري والسياسي ( الردع فوق الحوار – القوة قبل الإقناع – التشدد أكثر فاعلية من التوفيق – الفعل فوق الأرض أهم من السياسة ) وربما هذا ما دعى قبل أسبوعين ، كاتبا إسرائيليا " عوفر شيلح " إلى إطلاق إعلان مدو ، بأن : " عنصر الردع لم يعد ذو جدوى ، في الصراع العربي الإسرائيلي " ، لكن الأهم من ذلك هو تأثير هذه المفاجأة الكبير ، على المفاهيم الاستراتيجية الإسرائيلية ، وعلى الاستراتيجية العسكرية ، في طابعها العملي ، التي تنتظم مفردات التسليح ، والتدريب ،وتوزيع القوات ، وخطط العمليات في إطارها.
ولهذا كانت ردود فعل بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين ، على المتغيرات في مصر ، تعبّر عن أعصاب محترقة أحيانا ، وعن ارتجاج عقلي في أحيان أخرى ، فعندما يقترح خبير استراتيجي إسرائيلي بارز هو " رون بن يشاي " - صاحب نظرية الردع الجارف في مواجهة الفلسطينيين – أن تدرس الحكومة الإسرائيلية على نحو جاد ، مطالبة الحكومة المصرية بأن تسمح للجيش الإسرائيلي ، بإدخال عدد من قواته إلى سيناء ، ريثما ينتهي بناء الجدار العازل ، فهو يتحدث من مساحة خارج العقل ، وعندما يقترح " إيفي ديختر " وزير الأمن الإسرائيلي السابق ، - والذي أشاع في محاضرة شهيرة له ، تحولت إلى رادع معنوي للعرب جميعا ، أن الأجهزة الإسرائيلية نجحت في الإمساك بقلب مصر بين أصابعها - قيام الجيش الإسرائيلي باحتلال سيناء من جديد ، فإنه يتحدث من خارج الزمن والعقل على السواء ، ومن جهاز عصبي حولته نار الثورة المصرية إلى رماد.
• وينبغي أن يكون واضحا – سادسا – أن جانبا من الإحساس العميق بالإحباط ، إنما يرجع إلى أن لغز ( أبو الهول ) الذي انتفض في مصر ، لم تستطع كل أدوات الاختراق في الداخل ، وهي عميقة ومتعددة ، ولا كل وسائل الاستشعار عن بعد ، وهي قوية ومؤثرة ، أن تكشفه وأن تحل شفرته.

إن العدد الأكبر من قضايا التجسس الإسرائيلي ، التي تم الكشف عنها مؤخرا في مصر ، ترتبط بتكنولوجيا التجسس الإلكتروني ، ويثير الانتباه هذا الإلحاح الإسرائيلي ، على هذا النمط من التجسس تحديدا ، حيث يعكس توسعا منهجيا ، وهو ما تجسّد عمليا في قاعدة " أوريم " والتي تمثل أهم محطة للتجسس الإلكتروني في إسرائيل ، كمحطة أرضية لاعتراض الإشارات الفضائية ، تقوم بنقل الرسائل مباشرة إلى مقر الوحدة 8200 ، التي تتبع رسميا الجيش الإسرائيليي في مدينة هرتزليا ، رغم أنها تشكل مركز الجهاز العصبي ، لمعلومات المخابرات الإسرائيلية ، ومنها يتم نقل الرسائل ، إلى مراكز القيادة والسيطرة ، في الجيش والمخابرات ، وقد توسع عمل قاعدة " أوريم " ليضيف إلى مراقبة الاتصالات الدولية الفضائية ، في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا ، التصنت على الكابلات البحرية في البحر المتوسط ، إضافة إلى الأقمار الصناعية المحلية .

والحقيقة أن درس المفاجأة الاستراتيجية المصرية ، الذي تلقته إسرائيل ، رغم هذا التوسع الهائل في التجسس الإلكتروني ، ليس بعيدا عن عدد من الدروس المشابهة ، التي تلقتها أجهزة المخابرات الأمريكية ، من بينها تفجيرات الهند النووية ، التي تم تضليل الأقمار الصناعية الأمريكية ، عن رصدها ، بوسائل تمويه بدائية ، وتفجيرات السفارتين الأمريكيتين ، في نيروبي ودار السلام ، وقد لخص الاستراتيجيون الفرنسيون هذا الدرس ، في أن التوسع في التجسس الإلكتروني ، قد أعطب أدوات التجسس المباشرة ، اي العناصر البشرية التي ما تزال تمثل الأدوات الأكثر فاعلية ودقة ، في أعمال المخابرات ، إذ أنه كلما تطورت وتعقدت التكنولوجيا الحديثة ، كلما كان تضليلها أكثر سهولة ويسرا .

(5)
لقد نشر الجيش الإسرائيلي أعدادا كبيرة من جنود المشاه ، على طول الحدود مع مصر ، وحشد في ميناء إيلات عددا من زوارق الصواريخ الأكثر تطورا ، ودفع بسفينتين حربيتين إلى عمق البحر الأحمر ، كما عززت أمريكا دفاعاته ضد الصواريخ بأربع بطاريات لنظام القبة الحديدية ، وقد يكون بعض أسباب هذه التحركات الإسرائيلية – كما قال خبراء عسكريون مصريون – هو إظهار القوة ، واستفزاز مصر ، وقد تكون هذه التحركات مقدمة لتحركات أكثر استفزازا وإظهارا للقوة .

ورغم أهمية رصد ذلك ومتابعته ، واستخلاص أهدافه ، لكنه ليس بديلا ، عن دراسة محددات السلوك الإسرائيلي في الفترة القادمة ، وحسابات الاحتمالات ، في ضوء ما استخلصه العقل الإسرائيلي ، من بروز أوضاع جديدة ، وتهديدات مستجدة ، تتعلق بموازين القوى ، واتجاهات المجهود الرئيسي .

إن كافة التحركات الإسرائيلية السابقة ، لا تعدو في تقديري ، أن تكون غير تعبير عن نفي شكلي ، لإحساس إسرائيلي عميق ، بأن إسرائيل ذاتها ، مع غموض في الأوضاع والنوايا والمستجدات من حولها ، قد أصبحت مقيدة ، لكن السؤال الجوهري الآن هو : " كيف يفكر العقل الإسرائيلي ، في فكّ هذه القيود ؟"

وهذا ما سيتواصل معه الحوار في العدد القادم






 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :