أحمد عز الدين     

أجرى الحوار / محمد نعيم

أجهزة استخبارات أجنبية تمارس استراتيجية "شد الأطراف" في مصر


نفى الخبير الاستراتيجي أحمد عز الدين وجود فلول للقاعدة في سيناء، أو اعتزام تنظيمات راديكالية إقامة إمارة إسلامية في شبه الجزيرة، وقال في حديث خاص لـ إيلاف إن هناك أصابع لأجهزة استخبارات أجنبية تحاول تقليص دور مصر الاستراتيجي، مؤكداً أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق هذا الهدف منذ فترة طويلة

اوضح خبير الشؤون الاستراتيجية أحمد عز الدين في حواره مع "إيلاف" العديد مما وصفه بالحقائق الغائبة عن طبيعة ما يدور في شبه جزيرة سيناء، واستفاض في الحديث عن اشكاليات اخرى ذات صلة بشبه الجزيرة المعروفة بـ "أرض الفيروز".

بادئ ذي بدء، ما صحة ما يشاع عن اعتزام جهات راديكالية مثل تنظيم القاعدة الارهابي تحويل شبه جزيرة سيناء الى إمارة اسلامية؟

لا اعتقد ان هذا الحديث ينطوي على أدلة تعكس الواقع الامني في شبه جزيرة سيناء، فسيناء هي بوابة مصر الشرقية، ولن يُسمح لأية جهة داخلية او خارجية بالتلاعب بأمن مصر القومي، وما يجري في سيناء هو نتيجة لعدم تعافي جهاز الشرطة في مصر، نتيجة لأحداث ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، فما إن تعود الشرطة إلى وضعيتها السابقة وتسترد عافيتها، سيعود الامن والامان الى سيناء مجدداً.

ماذا عن الحشود العسكرية المصرية (الجيش والشرطة) التي بدأت تتوافد بشكل مكثف على سيناء؟ الا يعني ذلك ان هناك قلقًا وتحسبًا أمنيًا؟

كما قلت هناك قلق، والقلق يتطلب يقظة امنية في سيناء وفي غيرها من المناطق والمدن المصرية للسيطرة واستتباب الأمن، ولعل هذا هو ما يحدث بالفعل، ولكن ينبغي وضع الامور في نصابها الصحيح، فهناك فارق بين العمل ضد مجموعات مسلحة في سيناء وبين تنظيم كتنظيم القاعدة.

امارة اسلامية في سيناء

فما تصنيفك إذاً للمجموعات التي يعمل الجيش والشرطة ضدها في سيناء؟

في البداية علينا ان نضع تصنيفاً صحيحاً لما يجري في سيناء، فالإعلان حالياً عن وجود لتنظيم القاعدة في سيناء، ومساعي تنظيمات راديكالية إلى إقامة إمارة اسلامية في المنطقة عينها، يعكس محاولات جهات اجنبية، وأخصّ بالذكر أجهزة استخبارات أجنبية خلق اختناقات أمنية في الداخل المصري، ويمكن أن يُطلق على هذه المرحلة مرحلة "شد اطراف" مصر.

المجموعات المسلحة التي تعمل في سيناء حالياً هي اصابع لأجهزة استخباراتية أجنبية تتصدرها الاستخبارات الاسرائيلية "الموساد"، فهذه المجموعات ليست قوى مستقلة، كما إنها لا توجد في سيناء فقط، وانما تمارس نشاطها المشبوه في شرق مصر على الحدود مع ليبيا، وفي الجنوب على الحدود مع السودان.

وتمارس تلك المجموعات عمليات "شد اطراف" مصر، ويؤكد ذلك نوعية الاسلحة التي تستخدمها، إذ انها في معظمها رشاشات آلية متطورة وبنادق متقدمة جداً في القنص، وتواصل تلك المجموعات تبني استراتيجيتها، ولعل ذلك بدا واضحاً جداً عندما تم التهديد بإغلاق قناة السويس والتأثير على مسارها الملاحي، ومن هذا يتضح ان الامور اوسع بكثير من مسألة إقامة إمارة اسلامية في سيناء، او وجود لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة.

ما هدف تلك المجموعات من استراتيجية "شد الاطراف" التي يدور الحديث عنها؟

الهدف الرئيس لتلك المجموعات هو وضع مصر في بوتقة الضغوط متعددة الاتجاهات، ويؤكد ذلك تفجر الاوضاع الامنية المتتالي في سيناء، إضافة الى رغبة هذه المجموعات في تشتيت تركيز الجيش وبعثرة القوة الامنية، خاصة ان الشرطة المصرية لم تتعاف بعد، والهدف من ذلك عندما يدور الحديث عن إغلاق الملاحة في قناة السويس هو تعطيل دور مصر الاستراتيجي، ولعل ذلك هو الهدف الاسرائيلي الاول، سواء كان ذلك في الماضي أو الحاضر وحتى في المستقبل.

برأيك هل من الممكن ان يكون للاستخبارات الايرانية والحرس الثوري في طهران دور في محاولات تقليص الدور الاستراتيجي لمصر؟

أنا شخصياً لا اعتقد ذلك، سيما أنه ليست للإيرانيين ثمة مصلحة كبيرة او مباشرة من تفجير الوضع في سيناء او في غيرها من المناطق المصرية، وربما يعود ذلك إلى اسباب عدة اولها: ان ايران مقبلة على مرحلة مغازلة الثورة المصرية، وترغب في توطيد علاقتها بمصر، ثانياً ان الوضع في الخليج بات مضطرباً، ثالثاً وجود ازمة حقيقية في سوريا ولدى حزب الله، وفي ظل هذه الاجواء لا يمتلك الايرانيون فرصة حقيقية للعبث بمصر، او فتح جبهات جديدة مناوئة لها، إضافة الى ان ايران تعلم في النهاية ان مصر قادرة على ضبط قواعد اللعبة جيداً لمصلحتها.

بعثرة وتفريق قوى الجيش

انشغال الجيش المصري بـ "تطهير سيناء" والعمل على مسار الامن الداخلي هل يبعثر او يفرق قوته؟

أستطيع أن أجزم بأن تفعيل دور الجيش داخلياً لم ولن يكن على حساب دوره في الدفاع عن حدود البلاد وأمنها القومي بمفهومه الشامل، فقوات الجيش المنتشرة في الداخل المصري تقتصر على بعض وحدات الشرطة العسكرية وغيرها، وهذا لا يمثل نسبة تُذكر من قوى الجيش المصري الحقيقية.

الوضع الامني السيء في سيناء تحديداً لم يكن وليد اليوم، ولم يكن نتاجاً لانعدام تعافي الشرطة، وانما جرى الحديث عنه قبل ثورة يناير بفترة طويلة، برأيك ما السر في ذلك؟

الوضع السيء في سيناء يترتب على ما تفرضه اتفاقية السلام مع اسرائيل، خاصة البند "ج" الذي يحجم وضع قوات من الجيش المصري في مناطق معينة في سيناء، وحاولنا لمرات عديدة تعديل بنود الاتفاقية بما يسمح بفرض قبضة الجيش بشكل اكبر على سيناء، ولكن دونما استجابة من اسرائيل.

ولكن اسرائيل سمحت في الأيام الاولى لثورة يناير باقتراب قوات الجيش المصري من الحدود مع اسرائيل؟

هذا صحيح، ولكنه لا يمثل جزءاً ضئيلاً مما نطمح اليه من تعديلات، كما إن ما يتم التباحث حوله في هذه النقطة لا يتجاوز الحديث، ولا يخرج عادة الى حيز التنفيذ على ارض الواقع.

وماذا عن المجموعات الفلسطينية المسلحة في سيناء؟

هناك مجموعات فلسطينية تنتمي الى حركة فتح كانت تعيش في قطاع غزة، وبعد الانقسام الفلسطيني تسرّبت تلك الجماعات الى رفح المصرية، اي الى سيناء، واعتقد ان تلك الجماعات ملتزمة، ولا تعتزم القيام بأي عمل يتعارض وأمن مصر القومي، وذلك على خلفية ما رددته بعض وسائل الإعلام من اعتزام تلك الجماعات تنفيذ عمل مسلح في المستقبل المنظور ضد اسرائيل.

ميزان القوى الاستراتيجية

برأيك ما اسباب اقدام اسرائيل على بناء قاعدة عسكرية "مركزية" جديدة في الجنوب اي قرب الحدود المصرية؟

لم تستطع اجهزة اسرائيل الاستخباراتية، بما في ذلك الموساد والشاباك وامان، التنبؤ بثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير، وهو الحال الذي باتت عليه الآن، إذ انها ليست على يقين بما يمكن ان يسفر عنه المستقبل المنظور في ما يتعلق بتوقعات ميزان القوى الاستراتيجية في المنطقة، وربما اقدمت اسرائيل على تلك الخطوة للحدّ من القلق الذي بات يسيطر عليها، فرغم اعلان مصر التزامها الرسمي باتفاقية السلام مع اسرائيل، الا ان الاخيرة ما زالت متخوفة مما قد يحمله المستقبل، وتتحسب من امكانية هيمنة سلطة ذات توجهات اكثر شدة وتطرفاً على امنها القومي.

ما المشكلة التي تواجهها اسرائيل حالياً في منطقة الشرق الاوسط بما في ذلك مصر؟

المشكلة في اسرائيل نفسها، فتلك الدولة تتحسب من اية خطوات تقليدية تتخذها دول الجوار، رغم ان تلك الخطوات تجري في اطارها المعتاد، على الرغم من ذلك ليس لاسرائيل ما يعرف بـ "الورقة البيضاء"، التي تحدد فيها نواياها ومبادئها وتوجهاتها الاستراتيجية، الامر المعمول به في العلاقات الدولية، ليس بالنسبة إلى دول الجوار الاسرائيلي فقط، وانما لدى مختلف دول العالم، وتتضمن هذه الورقة بعض العمليات العسكرية والمناورات، ويتضح من ذلك انه من الأحرى توجّس دول الجوار الاسرائيلي من اسرائيل، وليس العكس.

الا يمكن ان تقدم اسرائيل على عمل استباقي مسلح ضد ما تصفه بتنظيم القاعدة وجيش فتح الاسلام في سيناء؟

اعتقد ان الوضع الاستراتيجي العام في منطقة الشرق الاوسط مرتبك، ولا اعتقد ان اي طرف سيقدم على عمل يمثل اخلالاً بالاتفاقيات الموقع عليها سلفاً.



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :