أوباما يخرج قنبلة إسرائيل النووية من القبو !!     

أوباما يخرج قنبلة إسرائيل النووية من القبو !!


بقلم : أحمد عز الدين
Emai: ezz@ahmedezzeldin.net

ليس هدفي أن أقدم تحليل مضمون لخطابي الرئيس أوباما ، الأول الذي حاول أن يحيط بالحالة العربية الجديدة ، أو الثاني الذي تلاه أمام إيباك ، فقد خضعت مفردات كل خطاب قبل جمله وقضاياه لكافة مناهج التحليل ، بما فيها المنهج الإحصائي ، فإذا كانت كلمات الخطاب الأول قد بلغت 5671 كلمة ، فقد كان من بينها 275 كلمة لا تخرج عن كونها نزعة دعائية للديمقراطية ، ومع أن الخطاب كان موجها للإشادة بالثورات العربية ، فقد أورد ذكر إسرائيل وحدها 28 مرة ، بينما أورد ذكر مصر وتونس وسوريا مجتمعة بنفس العدد السابق الخاص بإسرائيل أي 28 مرة ، كان نصيب مصر منها 13 مرة ، وتونس 10 مرات ، وسوريا 5 مرات .

كما أنني لست معنيا بالبحث عن تفسير لذلك ، وما إذا كان الأمر يعكس توازنا عدديا مقصودا بين إسرائيل على جانب ، والعالم العربي على الجانب الآخر ، وهو توازن مختل بالطبع ، أم أنه يعكس اختلالا في الرؤية بحكم العمر الزمني ، والأوزان السكانية والتاريخية والحضارية بين الجانبين ، لأن الثابت عندي ، أن الخطاب في النهاية ، يعكس انضباطا منهجيا صارما ، سواء حظى منتوجه بالقبول أو الرفض ، وليس في ذلك كله ما يدعو إلى الدهشة ، لكن الذي يستحق التوقف والدهشة معا هو وجود نتوء بارز لرأس نووية مطمورة في الخطاب الثاني أمام إيباك ، دون أن ترى هذا النتوء عين ، وكأنه وضع في منطقة الرؤية الميتة في عيون كافة خبراء الاستراتيجية والتحليل غربا وشرقا ، بالرغم من أنه يشكل – في تقديري - أهم وأخطر ما في الخطابين ، ففي معرض حديثه عن أمن إسرائيل ، أضاف أوباما شيئا جديدا وخطيرا عن " دعم التفوق العسكري النووي الإسرائيلي" ، وهو ما يشكل توجها استراتيجيا علنيا جديدا ، على مستوى كافة وثائق الأمن القومي الأمريكي ، وكافة المبادئ المعلنة للإستراتيجية الأمريكية .

لقد كان الحديث دائما عن دعم تفوق إسرائيلي في إطار الأسلحة التقليدية ، ولم تجرؤ وثيقة أمريكية رسمية واحدة ، أو رئيس أمريكي على الحديث عن دعم التفوق العسكري النووي لإسرائيل ، أو حتى الاعتراف بامتلاكها ترسانة أسلحة نووية .

ثم السؤال : تفوق عسكري نووي على من ، وضد من ؟.
وما هي حاجة الترسانة النووية الإسرائيلية إلى دعم أمريكي ، وما هي طبيعته بالضبط ، ولماذا الآن تحديدا ؟

هل قصد الرئيس أوباما بكلامه هذا أمام إيباك ، تبدبد سحب الدخان الساخن التي أطلقها نيتنياهو في وجهه ، بعد حديثه في الخطاب الأول ، عن انسحاب إسرائيلي إلى حدود الخامس من يونيو 1967 ؟




لا يبدو هذا صحيحا لسببين :

الأول : أنه أعاد تفسير ما قاله في خطابه الأول مؤكدا أنه قد أسئ فهمه ، فقد قصد حدودا أخرى غير حدود 67 ، حيث ربط تعبير الحدود بالحقائق الجديدة فوق الأرض ، أي بالمستوطنات القائمة ، وبتبادل المناطق بين الجانبين ، ولم يتحدث عن تجميد الاستيطان ، فضلا عن إزالة المستوطنات .

الثاني : هو ذلك المنهج الصارم الانضباط ، الذي أشرنا إلى أنه يتخلل كافة مفردات الخطاب ، حتى على مستوى حساب عدد المرات التي يورد فيها أسماء الدول ، ( لاحظ – مثلا – أنه لم يورد اسم السعودية في هذا الخطاب ولا مرة واحدة ) .

لم يبق إلا أن يكون تأكيد أوباما على دعم التفوق العسكري النووي الإسرائيلي ، هو وعد مستقبلي مضاد ، يريد أن يستبق مسافة سنوات قادمة ، قد تتكفل بأن تنجز إيران بعدها إنتاج أسلحة نووية .

لكن هذا لا يبدو – أيضا – صحيحا ، لأنه قد يعني إعلانا واضحا بالتسليم أمام مشروع نووي إيراني يصرَ الغرب كله على أنه ذو طبيعة عسكرية ، لأن الردَ عليه سينتقل من خيارات العقوبات والحصار ، والتهديد باستخدام القوة المسلحة ، إلى خيار آخر ، وهو مجرد دعم إسرائيل نوويا كمعادلة له وفي مواجهته .

يضاف إلى ذلك أن الاستراتيجية النووية الإسرائيلية ، قد استندت منذ البداية وحتى الآن ، إلى مبدأ الردع بالظنَ ، أو " القنبلة في القبو " وقد رأت في ذلك فوائد جمَة ، في قواعد اتفاقيات السلام السابقة ، وفي اتفاقية أوسلو ، وفي المراحل التالية من المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ، لأن تغليب اعتراف إسرائيل بوجود ترسانة أسلحة نووية في حوزتها ، على مبدأ الردع بالظنَ، كان من شأنه أن يدفع الأطراف العربية المتفاوضة ، إلى إدخال هذه الترسانة كعنصر في المفاوضات ، ومن ثم في بنود الاتفاقيات على جانب ، وفي طلب ضمانات موازية لها على الجانب الآخر .

ما الذي تغير – إذا – في قواعد العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ، حتى يتكفل الرئيس أوباما بنفسه بإخراج القنبلة من القبو ، ووضعها على مائدة الحوار في الشرق الأوسط ، سواء جلس عليها المتفاوضون ، أم لم يجلسوا ، وما الذي تبدل ، حتى يختار هو لإسرائيل التحول من مبدأ الردع بالظنَ إلى مبدأ آخر ، لا يعني سوى دمج الترسانة العسكرية النووية الإسرائيلية في نظرية " الردع الشامل " ؟!

لقد ظل مبدأ الردع بالظن ، يشكل التوجه الأكثر غلبة وتأثيرا في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي ، على امتداد سنوات طوال ، وظلت أطروحة الدكتوراه التي قدمها باحث إسرائيلي ، وهو ( فيلدمان ) في الولايات المتحدة ، تشكل المرجعية النظرية لهذا التوجه ، غير أنه تعززت خلال السنوات الأخيرة الأطروحات التي تجيز الانتقال إلى نظرية شاملة للردع ، تشكل الترسانة العسكرية النووية أهم أبعادها ، على أساس أن هذه النظرية ستكون أكثر قدرة على فرض تطبيع شامل ونهائي مع العرب ومع الإقليم ، وبناء حدود مستقرة على الارض وفي الفضاء ، تتبوأ إسرائيل بموجبها وضع القوة الأقليمية الكبرى في ضوء الصراع الإمبراطوري الذي يجري على قدم وساق ، فوق تخوم المنطقة ، فهل تكون الكلمات القليلة الملغمَة ، التي أطلقها الرئيس أوباما ، في هذا الحيز الضيق ، هي مقدمة متفق عليها للإعلان الذي تريده إسرائيل لتجاوز مبدأ الردع بالظنَ ، خاصة إذا كان يحمل في صلبه ، اعترافا ضمنيا بمشروعية إسرائيل النووية ؟

♦♦♦

إن هذا الجانب السابق ، قد تكون له وجهاته على المستوى النظري الخالص ، ولكن تلك المساحة المتفجرة في خطاب أوباما ، لا يعتقد أنها تشكل مجرد سند نظري لتوجه إسرائيلي جديد فحسب ، بقدر ما تنطوي على دور أمريكي في حيز التطبيق العملي .

لكن محاولة الاقتراب من حدود هذا الدور ، قد تتطلب المرور عبر قنوات صغيرة ضيقة :

1. قبل بضعة شهور قدم " عوزي أراد " رئيس مجلس الأمن القومي في مجلس الوزراء الإسرائيلي ، ومستشار نتنياهو لشئون الأمن القومي ، استقالة غامضة ، بدت في الفضاء السياسي الإسرائيلي كأنها طلقة في الليل من مسدس مزود بكاتم للصوت ، ثم تسربت بعد ذلك أسباب أقل غموضا ، هي التي دفعت نتنياهو لأن يلقي مستشار أمنه القومي إلى الطريق العام ، فقد تحدث الرجل جانبيا مع أحد المذيعين الثقاة في التليفزيون الإسرائيلي ، عن مشروع أمريكي إسرائيلي في حّيز السرية الاستراتيجية ، جرى الاتفاق عليه بين الطرفين ، وأن المشروع يدخل في مجال محدد هو المجال النووي.
2. عندما ذهب البعض يبحث في كنه هذا المشروع السري في المجال النووي ، الذي أطاح ذكر عنوان له بمستشار الأمن القومي الإسرائيلي ، تركز البحث في ما تسرب من داخل إسرائيل عن مشروع كبير ، بدأ العمل في بنائه في شكل مجمع صناعي هائل ، يحتوي على ثلاثة مفاعلات نووية عملاقة دفعة واحدة ، وكان اختيار موقعه وراء قيام الجيش الإسرائيلي بتفكيك عدة قرى لبدو عرب في الجنوب الفلسطيني ، وإجبارهم بالقوة على إخلاء منطقة صحراوية واسعة في النقب .

لكن الربط بين إشارة " عوزي " وبين المشروع المذكور ، الذي اكتمل بناء هيكله الخارجي ، بل وتسربت صور حديثة له من خارجه ، لم ينطو على قناعة كاملة ، فإسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى مساعدات أمريكية خاصة ، سواء في هندسة بناء المفاعلات النووية ، أو في قواعد إدارتها وتشغيلها ، كما أن حصولها على الكميات المطلوبة من اليورانيوم لا يشكَل معضلة ( تستخرج ثلث احتياجاتها على الأقل من اليورانيوم من خام الفوسفات الموجود لديها ، رغم أنه من نفس نوعية ودرجة فوسفات أبو طرطور لدينا )، والأمر نفسه ينطبق على وحدات أجهزة الطرد المركزي ، وكلا الأمرين بالتالي لا يشكل أساسا ينبني عليه مشروع أمريكي إسرائيلي سري في المجال النووي ، كي يعمد الرئيس الأمريكي إلى إشارة مبهمة إليه ، بينما تفرض هذه الإشارة على إسرائيل أن تنتقل من مبدأ في إستراتيجيتها النووية ، إلى مبدأ آخر يشكل نقيضه .

3. إن السلاح النووي ليس قنبلة نووية ، أو مواد نووية ، جاهزة للتفجير فحسب ، فهذا هو العنصر الأول في مكوناته ، ولكنه عنصر مجرد من أي قيمة عملية ، دون توفر ذراع طويل يحمله ويقذفه بدقة ، في إطار الإحداثيات المطلوب أن يصل إليه ، ووسائل الإطلاق هنا ، تتراوح بين الصواريخ الباليستية أرض / أرض ، أو التي يتم إطلاقها من داخل غواصات نووية مجهزة بها ، أو استخدام طائرات مجهزة لحمل وقذف قنابل نووية ، وليس معقولا أن تكون قاعدة المشروع الأمريكي الإسرائيلي ، الذي يحظى بهذا القدر من السرية ، هو وسائل الإطلاق وفق أي من التصنيفات السابقة ، فإسرائيل لديها صواريخ أرض / أرض من طراز ( أريحا – 3 ) القادرة على تحقيق ذلك ولديها غواصات ( دولفين ) المجهزة للقيام به ، وبعض طائرات أف-15 التي تتمتع بتجهيزات خاصة ، لحمل وقذف قنابل نووية ولكن بأحجام خاصة .

4. لقد كان الرد الجاهز دائما على مخاطر إسرائيل النووية المحدقة بالمنطقة والإقليم ، أن إسرائيل مزروعة في قلب المنطقة ، وقرب الوحدات السياسية التي قد تكون مستهدفة بأسلحتها النووية ، وهو ما يبطل بنفسه إمكانية استخدامها، إذ أن إسرائيل نفسها لن تكون بمنجاة من الغبار النووي ، الذي سينجم عن هذا الاستخدام خاصة في حالة مصر ، كما أن الولايات المتحدة لن تكون في موضع توافق مع إسرائيل ، إذا كان الاستخدام في دائرة أوسع ، لأن هذا الغبار النووي لن يطول حلفاءها في الخليج مثلا فحسب ، ولكنه سيطول بعض جنودها وقواعدها فوق الأرض ، وفي مياه البحرين الأحمر والأبيض المتوسط ، وإذا كان مثل هذا الرد لا يخرج عن حدود الطمأنة ـ فإنه يدخل في إطار أوسع من التعمية الاستراتيجية .

ذلك أن إسرائيل منذ بدء تعاونها النووي السابق مع جنوب إفريقيا ، وهي تأخذ مسارا محددا في تجاربها وإنتاجها ، وهو الوصول إلى بناء قنابل نووية تكتيكية ، أي ذات أحجام وتأثيرات تدميرية محدودة ، ورغم أن منتوج هذه التجارب وموادها بما فيها أرصدة جنوب أفريقيا منها ، قد سلمت كاملة إلى إسرائيل قبيل أسابيع قليلة من إعلان سقوط النظام العنصري ، إلى أن النتائج لم تكن قد وصلت إلى درجة كبيرة من الإنجاز والتقدم ، رغم أن معهد " كاليسرو " الألماني ، كان منخرطا في هذه المحاولة .

5. الملفت للنظر حقا أنه بعد أقل من 24 ساعة على خطاب أوباما الأخير ، وما تضمنه من إشارة إلى دور أمريكي معلن ، في دعم إسرائيل النووية ، سربت الوكالة الدولية للطاقة النووية ، محتوى تقريرين حديثين لها وصفا بالسرية ، كان ما تسرب من التقرير السري الأول يقول :" إن مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب ، مستمر في الزيادة " وكان ما تسرب من التقرير السري الثاني يقول : " أن الموقع السوري الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية في عام 2007 ، كان على الأرجح مفاعلا نوويا سوريا ، وكان يتعين على سوريا الإبلاغ عنه " ( وهو تأكيد يمكن ان يؤدي إلى إحالة دمشق إلى مجلس الأمن الدولي )

ومن المؤكد أن الأمر يصعب أن يكون بعيدا عن " يوكويا أمانو " المدير العام للوكالة ، فقد أبلغ الولايات المتحدة قبل توليه المنصب ، حسب وثائق ويكيليكس – إنه في صف الولايات المتحدة بوضوح في عدد من القضايا ، بما في ذلك طهران - ثم أبلغ السفير الأمريكي في الوكالة بعد توليه المنصب في عدة مناسبات ، أنه " في صف الولايات المتحدة بوضوح في كل قرار استراتيجي مهم ، من تعيين الشخصيات المهمة ، إلى التعامل مع برنامج التسلح النووي الإيراني " .

وفي توقيت التسريب ، وفي مناخ تمتد فيه النيران ، في المنطقة كلها ، يصعب الفصل الجازم بين إعلان أوباما ، وبين محتوى تسريبات الوكالة ، التي لا تستهدف التغطية على ما أعلنه ، بقدر ما تستهدف منحه مبررات إقليمية .
♦♦♦




كيف لنا أن نستخلص مؤشرات محددة ، يمكن أن تتشكل من مفردات هذا السياق كله :

أولا : أن الرئيس الأمريكي أعطى إسرائيل منحة فريدة ، تتمثل في إضفاء شرعية من جانب الولايات المتحدة ، على ترسانتها العسكرية النووية ، وبالتالي فإن الدعوة إلى نزع أسلحة الدمار الشامل من الإقليم ، أصبحت خارج أهداف الولايات المتحدة الأمريكية ، بل ومتناقضة معها .

ثانيا : إن هذه المنحة الفريدة ، التي تغلف مشروعا مشتركا ، يدخل في نطاق السرية الاستراتيجية ، كما هو واضح ، تنتهي إلى دمج الردع النووي الإسرائيلي في نظرية الردع الإسرائيلية ، وهو ما يمثل نقلة كيفية سواء في انتقال إسرائيل إلى نظرية الردع الشامل ، أو في تأثير ذلك المباشر ، على كافة نظريات الردع في المنطقة والإقليم ، وهو أمر بالغ التأثير في موازين القوى الإقليمية بشكل عام ، ويشكل مخاطر مستجدة مضاعفة .

ثالثا : إنه لا سبيل إلى الدخول في مرحلة الردع الشامل من جانب إسرائيل ، بما فيه الأسلحة النووية ، إلا باستجابة أمريكية لحاجات إسرائيلية محددة في هذا الإطار ، تشكل بالضبط قاعدة المشروع السري الأمريكي الإسرائيلي المشترك ، والذي يكتنفه الغموض ، ووفقا لمعطيات الواقع النووي الإسرائيلي ، والقدرات العسكرية النووية الإسرائيلية ، فأغلب الظن أن قاعدة هذا المشروع هي إنتاج قنابل نووية تكتيكية ، لأنها العنصر الجوهري في توجه الصناعة العسكرية الإسرائيلية من ناحية ، كما أنها العنصر الغالب الذي يمنح نظرية الردع الشامل فاعلية حقيقية في ضوء موقعها على خريطة الإقليم ، وقد لا يستبعد أن تكون إسرائيل قد حصلت على قنابل جاهزة من ترسانة الولايات المتحدة التي تضم 9600 قنبلة نووية متعددة المعايير .

رابعا : إن الإعلان الأمريكي نفسه ، أشد ما يكون ارتباطا بتعزيز نظرية الردع الإسرائيلية ، ذلك أن نظرية الردع عموما ، يتكون هيكلها من ثلاثة شروط لازمة :

1. أن يمتلك الرادع قوة ردع حقيقية يعكسها إعلانه المباشر أو غير المباشر عنها .
2. أن يتم إقناع الخصوم بأمرين أساسيين : وجود هذه القوة الرادعة فعليا ، وتوفر إرادة استخدامها ، عند تحقق شروط هذا الاستخدام في الواقع .
3. أن تتوفر لدى الرادع الإرادة الحقيقية لاستخدام قوة الردع في الوقت المناسب ، وأن يقنع خصومه بذلك .

( لأن نظرية الردع ، تسقط في حالتين ، إذا توفرت شروط استخدام القوة الرادعة في الواقع ، ولم يتم استخدامها ، وإذا توفرت هذه الشروط وتم استخدامها بالفعل )

خامسا : أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ، قد أكملت بشكل كامل انتقالها من مرحلة " التحالف الاستراتيجي " إلى مرحلة جديدة هي " الاندماج الاستراتيجي " ، إن مبدأ الاندماج العسكري الوظيفي ، بين إسرائيل والولايات المتحدة ، موجود في نطفة إسرائيل قبل أن يكتمل اختلاقها ، والأمر نفسه ينطبق على مبادئ أخرى ، كنظرية الأمن المطلق ، وكفصل العمل الاستراتيجي العسكري عن الظروف السياسية ، وعدم السماح بإخضاعه لها ، فاستخدام القوة ينبغي أن يخضع لقوانين القوة وحدها ، لا الظروف السياسية ، أو لمواقف الرأي العام ، لأن الحرب ليست امتدادا للسياسة بوسائل أخرى ، في المذهب العسكري الإسرائيلي ، وإنما السياسة هي التي تشكل امتدادا للحرب ، لكن الاندماج الاستراتيجي ، شئ مختلف عن التحالف ، لأنه لا يشكل روابط مؤقتة ، ولا تشكله دوافع موقوتة ، ولا تدفعه أهداف على مرمى البصر .

سادسا : يبدو لي أن في بعض الخطوط أو الخطوات التي يتم دفعها ، بموجب نظرية إسرائيلية جديدة للردع ، ما يؤكد أنها ارتكزت على وثيقة صدرت منذ سنوات عن معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة في واشنطن ، وضعها آن ذاك فريق من الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين ، برئاسة " ريتشارد بيل " فقد كانت الخطوة الأولى التي انتهت إليها الوثيقة ، تقول بالنص : " ينبغي إحداث تغيير كامل في سياسة إسرائيل الخارجية ، يقضي على المثالب الأمنية ، التي سببتها عملية السلام ، وأن يكون ما حصل عليه العرب حتى الآن من تنازلات إسرائيلية ، هو نهاية المطاف ، وأن على إسرائيل أن تستغل حالة الضعف العربي الحالية ، في شن حرب باردة ، تستهدف إحداث تغيير جذري في عملية السلام ، على أن تكون على استعداد لتحويلها إلى حرب ساخنة عند اللزوم ، تعزز بها المكاسب الإقليمية ، التي في يديها حاليا " .

وهو ما يعني أن مشروع السلام الإقليمي ، قد سقط استراتيجيا – وقد أكدت على ذلك منذ سنوات – بعد أن ظل فترة طويلة في حالة موت سريري .

سابعا : في جنبات المسرح الاستراتيجي للإقليم ، يتبدى بوضوح دور وظيفي جديد لحلف الناتو ، لا يتصل – فقط – بالعمل العسكري المباشر ، وإنما يتجاوزه إلى ضبط التفاعلات في عموم الإقليم ، والعمل بصيغ مختلفة داخل وعلى حواف وحداته السياسية .

والحقيقة أننا أمام مثلث جديد للقوة في المنطقة ، يأخذ شكل اندماج استراتيجي كامل ، تتوزع رؤوسه بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلنطي وإسرائيل ، يمثل إعلانا بتطبيع المواقف وتحديد الموازين في الشرق الأوسط وبشكل نهائي .

ثامنا : يترتب على ذلك كله ، أننا أمام مسرح استراتيجي جديد ، ورؤى استراتيجية جديدة ، وأهداف استراتيجية جديدة ، تمثل جميعها مفصل تحول في أوضاع الإقليم والعالم ، وهي ليست في توجهها الاستراتيجي وطبيعتها ، وتداخل أدوارها ووظائفها ، بعيدة عن احتواء الحالة الثورية الجديدة في المنطقة ، وزعزعتها وضربها ، إذا لم تتحقق إمكانية الاحتواء في مرحلة تالية .

♦♦♦

إن أصابع الصهيونية ، لم تكن بعيدة عن صياغة خرائط التقسيم في " سايكس بيكو " القديمة ، وتحديد تضاريسها وحدودها ، وبالتالي يصعب فصلها عن الحدود والخطوط في أية خرائط قادمة .

وإذا كانت هذه الأصابع ، تبدو بعيدة عن الخرائط الجديدة ، فقد بدت كذلك عند رسم الخرائط القديمة ، وقد تتطلب تتبَع آثارها والإمساك بها ، وقتا وزمنا ، كما تطلب اعترافا جارفا أو جارحا ، من الذين انغمست أصابعهم في لعبة التقسيم ، فبعد أكثر من ثلث قرن أكد سايكس الابن " كريستوفر " أن سايكس الأب " مارك " في كتاب له بعنوان " دراسة فضيلتين " قد اعتنق الصهيونية قبل عام واحد من صياغة الاتفاقية ، و ما تضمنته من خرائط 1916 ، وأن جهود والده قد لعبت دورا كبيرا ، في صدور وعد بلفور ، بل حدد الابن من أخذ بيد أبيه وهداه إلى طريق الصهيونية القويم ، وهو "موسى جاستر" ، بعد تعيينه وزيرا مساعدا لوزارة الحرب البريطانية ، أما " بيكو " ممثل فرنسا ، فإن بعض الدراسات تشير بوضوح إلى أن " ناحوم سوكولوف " القائد الصهيوني البارز ، هو الذي هداه بدوره إلى طريق الصهيونية ، مثلما هدى معه " جورج لويد " رئيس وزراء بريطانيا إلى الطريق ذاته .

♦♦♦
لماذا ننغرس في ذواتنا على هذا النحو ، ولماذا نستخرج من تربتنا كل هذه التناقضات النائمة ، سواء أكانت عدائية أو غير عدائية ، ولماذا يبدو كل ما هو ذاتي ، له الغلبة واليد العليا على كل ما هو عام ووطني ..

لسنا روما القديمة ، التي سقط انقسامها كالصخرة على رأسها ، فسقطت بدورها ، رغم أنها انقسمت حول إجابة سؤال بسيط للغاية هو :

هل الملائكة من جنس الرجال ، أم من جنس النساء ؟!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :