مشروعية الإمبريالية الفاضلة ، في ضرب الاستبداد الوطني     




بقلم : أحمد عز الدين

31/7/2010

حاولت جاهدا أن أكتب عن مشروع القانون رقم 586 الذي تقوم به أربعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ، وعلى رأسهم جون ماكين المرشح الرئاسي الأمريكي السابق ، إلى مجلسهم لإقراره ، كي يفرض على الحكومة المصرية ، وفق أحد بنوده إلغاء رقابة الدولة على التمويل الأجنبي ، الذي يذهب إلى تغذية ما أطلقت عليه ذات مرة " شرطة العولمة المحلية " إضافة إلى بنود مكررة حول الديموقراطية والحريات .
وحين أخذت أفتش في أوراقي القديمة ، وصل إلى يدي هذا المقال ، الذي مضت على كتابته أكثر من سبع سنوات تحت عنوان " مشروعية الإمبريالية الفاضلة في ضرب الاستبداد الوطني "
وحين استعدت قراءته ، غمرني إحساس طاغي ، بأنه هو نفسه المقال الجديد الذي أسعى جاهدا إلى كتابته ، ولهذا أُعيد نشر المقال ، بحروفه القديمة ، ليس لأنها ما تزال نضرة ومتوهجة ، ولكن لأن الجديد للأسف الشديد – ما يزال على قديمه .

نهران جوفيان يجريان مندفعين ، في تربة الوطن، نهر من الغضب ونهر من القنوط ، أما نهر الدموع فوق الأرض ، فقد جف أو كاد من سخونة شمس الحقيقة ، وعندما يتزوج الغضب باليأس ، فإنك لا تعرف من أي بقعة هشة في قشرة الأرض ، يمكن أن يخرج الانفجار ،ولو كان خروجه في حيز اليقين ، ولا أي حمم ثقيلة يمكن أن يقذف بها ، ولو كانت تستعر كجوف بركان ، فعندما يطفأ مصباح العقل ، تضئ نار الجنون ، وعندما ينكمش رغيف الخبز ، يتضاعف الإحساس بضمور الكرامة ، وعندما تغلق الأبواب والنوافذ أمام النبض الوطني الخالص ، تخرج الأشباح منقلبة من شقوق الحوائط ، وعندما تسعي الحكومة وأجهزتها وإعلامها ، إلي طرد ذكور النحل الوطني من خلية المجتمع، يسود العقم ، ويصعد الإنهيار علي سلالم الكساد والفشل .
أقول لكم أن المراثي لم تعد نافعة ، ولا الدموع مجدية ، ولا رسائل الاستغاثة مسموعة ، ولا أجراس الإنذار في موضع انتباه، فدورنا- علي حد تعبير كاتب غربي- لم يعد دور الملاح ، وإنما دور المسافر ، وهو مسافر ليس زاده الخيال ، وإنما زاده الخوف ، والشعور بالمهانة ، والإحساس بأنه أصبح فائضا عن الحاجة ، فما قيمة ثقافة المقاومة ، إذا كان المطلوب تعميم ثقافة الانهزام ، وما جدوى إيقاظ الروح الوطنية في الزوايا الضيقة ، إذا كان اللذين ينتقون للجلوس علي منابر التأثير ، يوظفون لإشاعة وهن وطني في فضاء المجتمع المفتوح ، ويوزعون عليه أسلحة الاستسلام ،وما قيمة أبجديات العقيدة الوطنية ، إذا كان المستحب أن توضع العقيدة نفسها ، في موضع ازدراء ونكران، وما قيمة فلسفة الأمن القومي و مفكريه ، إذا كانت المهمة قد تم قلبها ، لتقف علي رأسها ، بدل قدميها ، فلم يعد المطلوب ، في مفصل انقلاب استراتيجي في أوضاع الإقليم والعالم ، هو إبداع أساليب جديدة لإلغاء التأثيرات المضادة لهذا الانقلاب الاستراتيجي، علي الاستراتيجية القومية العليا ، وإنما أصبح المطلوب هو إلغاء التأثيرات المضادة ، للاستراتيجية القومية العليا ، علي هذا الانقلاب الاستراتيجي . إن هذا هو جوهر فلسفة التكيف : الامتثال لديموقراطية الإذعان ، وتقديس حرية العبودية ، والدفاع عن إمبريالية الفضيلة الأمريكية .
****
أشواط جديدة ، تنتظر أن نقطعها ، فبعد أن قطعنا شوطا طويلا في تحويل الدولة ، إلي بنية مكروهة في حد ذاتها، حين أمعنا في أن نسبغ عليها صفات الفشل في كل شئ ، ، الصناعة ، التجارة ، والخدمات ، وذبحنا علي مذبح هذه الكراهية المستوردة ، كل الأبقار المقدسة ، وحولنا السوق الذي يمسك بقلبه الاحتكار والفساد ، إلي بقرة مقدسة وحيدة ، لأنها تتمتع بقداسة العولمة ، بات علينا أن نقطع شوطا جديدا ، في إقناع أنفسنا بأن القومية العربية ، هي بنية فكرية فاسدة في ذاتها ، ينبغي أن نتخلص منها ، ومن أفكارها ومشاعرها ، وأن نتجرد من ظل تاريخها الثقيل ، الذي يكبل مداركنا وقناعتنا ، ويكبل خطانا ، فماذا أخذنا من هذه العروبة ، غير نزيف دم ، وتبديد طاقة ، وجهد ومال ، وتلك هي نقطة البداية الصحيحة لقبول ما لا يقبل ، وتجرع ما لا يستساغ ، لأنها مقدمة التطهر من رجس سنوات الدفاع عن هوية قومية لا وجود لها ، وعن أمة عربية ما تزال- كما قال أحد القوميين السابقين- مشروعا لم يؤسس له بعد .
ولأن تجريد مصر من الطابع القومي ، هو المدخل الحتمي لتجريد الإقليم كله ، من الطابع المصري ، فعند ذلك يمكن ، لمفهوم الأمن القومي المصري ، أن ينكمش داخل حدوده ، وأن يتوقف عند تخومه الداخلية المخفورة عسكريا ، وغير المحصنة استراتيجيا ، فيفض اشتباكه مع أمن العالم ، ومع أمن الشرق الأوسط، ومع أمن النظام الإقليمي العربي ، وبقدر هذا الانكماش ، يتوسع مفهوم الأمن الإسرائيلي ،فلم يعد أمن إسرائيل، مرتبطا بالشرق الأوسط- كما قالت بحق كونداليزا رايس – وإنما أصبح مرتبطا بأمن العالم ، لأن ما يقتطع من مفهوم الأمن هنا ، يضاف إلي مفهوم الأمن هناك ، وما يضاف إلي هناك ، يقتطع من هنا ، وتلك إحدى البديهيات في أبجديات الأمن القومي .
لكن تغيير مفهوم الأمن القومي ذاته ، لا يعني فقط تغيير الوظيفة الإقليمية ، والدور الإقليمي ، ولكنه يعني قبل ذلك ، إعادة بناء سلسلة طويلة من المفاهيم الأساسية ، ومن الجذور ، لعل أخطرها مفهوم الوطنية نفسه الذي غدا واقعا تحت التهديد .
وإذا كان مفهوم الوطنية غير قابل للإلغاء ، فالبديل هو نزع القشدة من حليبه ، وتحويله إلي ماء ملوث ، ولكن كيف لذلك أن يتم :
• يتم ذلك-أولا- بنزع الحساسية الوطنية تجاه زيادة المكون الأجنبي في القرار الوطني .
• ويتم-ثانيا- بتخفيض درجة الإحساس الوطني بالخطر ، تجاه التهديدات الاستراتيجية القائمة والبازغة .
• ويتم- ثالثا- بتضليل حواس التفاعل الوطني النشط ، مع التغيرات المستجدة في موازين القوى الإقليمية .
• ويتم-رابعا- بالخلط بين خواص المجتمع المفتوح ، والشروط المفروضة لبناء المجتمع المكشوف .
• ويتم-خامسا- بالسعي إلي تخفيض التناقض مع الخارج ، علي حساب تصعيد التناقضات في الداخل .
• ويتم-سادسا- بفرض الانكماش علي حدود السيادة الوطنية المنظورة ، للدولة القومية .
• ويتم –سابعا- بتزكية قناعة عامة ، بتدني منفعة القوة العسكرية ، مع زيادة تكلفتها ، وزيادة فاعلية القوة الناعمة للدولة ، مع قلة أعبائها .
• ويتم-ثامنا- بتقليص درجة اندماج منظومة القوة بالدولة ، في صياغة القرار السياسي .
• ويتم-تاسعا- بتصغير الذات الوطنية ، سواء بتسطيح الذاكرة التاريخية ، أو تجريم المراحل الثورية ، ومعارك النضال الوطني ، أو هدم أوثان التحرر والمقاومة ، أو باتخاذ موقف عدائي مبدأي ضد الخصوصية الوطنية ، وضد التاريخ الثقافي الذاتي ، وضد الموروث الحضاري ، وتحويل الماضي إلي منجم للهزيمة ، والتخلف ، والكراهية .
• ويتم- عاشرا- ببناء قطيعة معرفية مع الذات ، وقطيعة وجدانية مع التراث ، وقطيعة عقلية مع الواقع .
• ويتم- حادي عشر – بترويض الفكر السياسي الوطني ، لصالح نزعة استحواذ أجنبية ، تجري الدعاية مبذولة ، لتجميل وجهها القبيح ، واستحسان سطوتها القاهرة .
• ويتم- ثاني عشر – بوضع حقوق الوطن في تناقض مع حقوق المواطنة ، ووضع الثانية في مرتبة أعلي من الأولي .
• ويتم- ثالث عشر – باختزال الفرد في مجرد مشروع ذاتي ، باعث علي الربح، وباحث عن اللذة .
• ويتم- رابع عشر – بتخفيض الاستراتيجية إلي مستوي التكتيك ، وتصعيد التكتيك إلي مستوي الاستراتيجية .
• ويتم- خامس عشر - بتجريم المقاومة ، واستحسان التبعية ، وإضفاء المشروعية علي الاستعمار .
• ويتم- سادس عشر – بتمكين أكثر العناصر تبجحا ، في التبشير بالمفردات السابقة ،من مواقع هامة ، في مفاصل العمل الوطني والحزبي .
****
كنت أبحث عن المفردات الجديدة التي يمكن أن تستخدم لصياغة قصائد مديح جديدة في الذات الأمريكية ، بعد أن تهشمت واجهتها الليبرالية الجذابة اللامعة ، وبعد أن برهنت علي أنها ليبرالية من زجاج رديء قابلة للكسر ، وملوثة في حقل التطبيق العملي ، إذا كيف يمكن جمع هذه الواجهات الأمريكية التي تناثرت شظايا كالقنابل العنقودية ، في بركة الدم العراقي الواسعة ، وتحت أكوام من الموت ، وجبال من الخراب والدمار ، وكيف يمكن إذا جمعت أن يعاد تصنيفها ، وترتيبها وصقلها ، ليتم لصقها علي هيكل تمثال الحرية ، ليستعيد بعد ترميمه ، كبرياءه المشع ، في عيون العالم ، غير أنني وجدت بعض ما أبحث عنه في ثنايا حكاية قصيرة ، ضمنها بول سارتر ، كتابا فرضه عنوانه عليّ ، وهو (الغثيان) ، تقول القصة :
{ في أحد الفنادق الصغيرة ، كان ثمة رجل عجوز يحتضر ، بعد أن أفسد الفلاسفة الماديون إيمانه ، وقد تجمع حوله عدد من القساوسة ، يحاولون إقناعه بأن يتناول طقوسهم الدينية الأخيرة قبل الموت ، لكنهم جربوا كل شئ لإقناعه بغير جدوى ، وحين مر بالمصادفة السيد " دورلبو" ، وكان بدوره زنديقا لا يؤمن بشيء ، تراهن مع كبير القساوسة ، علي أن بإمكانه إعادة الرجل المحتضر إلي حظيرة الإيمان ، في أقل من ساعتين ، ولم يجد كبير القساوسة بديلا ، عن قبول الرهان ، ولم تمض الساعتان ، حتى كان السيد "دورلبو" قد كسب الرهان ، فقد عاد الرجل العجوز إلي حظيرة الإيمان ، وأقبل بحرارة علي الاعتراف ، ووقف كبير القساوسة مشدوها ، يخطب في السيد " دورلبو" : لابد أن تكون قوى الحجة والبرهان ، قادرا علي الإقناع ، حتى تهزم رجالنا ، لكن السيد "دورلبو" رد قائلا : إنني لم أناقش هذا الرجل العجوز المحتضر ، ولم أجادله ، فقد حصرت مهمتي في أمر واحد ، هو أن أجعله يخاف من جهنم} .
وهكذا إذا لم يكن بمقدورنا الآن ، أن ندفع إلي الطمع من جنة الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد أن ثبت أنها علي غرار عنوان قصيدة (اليوت) الشهيرة : الأرض الخراب ، فإن بمقدورنا أن ندفع إلي الخوف من جهنمها ، ما دام الهدف واحدا في الحالتين ، وهو الدخول في حظيرة الإيمان ، بالإله الأمريكي ، إما بقوة الحجة ، وجاذبية الهدف ، أو بغريزة الخوف ، وحين حاولت أن أبحث عن صدي نظرية السيد "دورلبو" ، في الدعوة في متون قصائد المديح المستحدثة في الذات الأمريكية ، بعد الاحتلال الدامي للعراق ، وجدت أنها تشد خيوط أكثر من نظرية مبتذلة .
كانت النظرية الأولي ، التي نشرت في مقال لرئيس تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام ، هي أكثر النظريات محاولة للتماسك ولإضفاء طابع علمي شكلي علي نفسها ، حتى أنها حفزتني ، إلي أن أعيد صياغة متنها علي النحو التالي : نظرية " مشروعية الإمبريالية الفاضلة ، في ضرب الاستبداد الوطني " ، أما جوهر النظرية فهو بسيط للغاية ، فما دام الاستبداد الوطني ، قد أحكم قبضته علي سلطة الدولة القومية ، وما دام اقتلاعه من الداخل مستحيلا ، فإن من حق الولايات المتحدة ، باعتبارها رسول الحرية والديموقراطية ، أن تتدخل بالقوة المسلحة ، لاقتلاع هذا الاستبداد الوطني من جذوره في التربة الوطنية ، وهذه النظرية علي بساطة سندها الإنساني الديموقراطي ، تذخر بمعاني بالغة العمق ، فهي- أولا- تمثل رسالة تحذير واضحة ، لكل أشكال الاستبداد الوطني ، بأن هناك مشروعية دولية جديدة قد تم تخليقها علي المستوي الإقليمي ، تمنح الولايات المتحدة حق التدخل بالقوة ، لفرض الحرية والديموقراطية ، وهي-ثانيا- تضفي علي التدخل الأمريكي بعدا إنسانيا وأخلاقيا ، بالغ اكتمال النبل والتضحية ، فقد تم الغزو العسكري من أجل سعادة شعب مقهور ، لا من أجل النفط ، ولا من أجل الموقع الاستراتيجي الحاكم، ولا من أجل تحويل العراق إلي قاعدة وثوب إلي ميادين الإقليم المفتوحة ، والساقطة استراتيجيا ، تحت براثن الاحتلال الأمريكي المقيم، وهي-ثالثا- تضفي علي امتداد الاحتلال العسكري الأمريكي مشروعية البقاء ، تحت أي سقف زمني ، لأنه إذا كان هدف الاحتلال إنسانيا ، وديموقراطيا ، فمن الطبيعي أن يكون سقف بقائه ، رهنا بتغيير البيئة ، لتكون صالحة لاحتضان بذور الحرية والديموقراطية ، وهو تغيير يستحق السعي من ورائه ، استنفاد أحقاب، واستهلاك أجيال وثروات، وهي-رابعا- تساهم بجدية في إعادة صياغة المخيلة الوطنية التاريخية ، التي تشكلت بالخطأ علي اعتبار أن الاستعمار ظاهرة عدوانية ، هدفها نزع الحقوق ، ونزع الثروات ، وهي-خامسا- تضع الولايات المتحدة بديلا للنظام الدولي كله ، وتستبدل المشروعية الدولية ، بالمشروعية الأمريكية ، وتصنف استخدام القوة علي أساس أنه أفضل أدوات التغيير علي المستوي الدولي ، وأكثرها حسما ، وهي- سادسا- تجرم مقاومة الاحتلال الأمريكي ، لأن مقاومة الشعب للديموقراطية والحرية ، لابد أن تصنف علي أنهما عمل إجرامي ، فإبداء القبول بالاحتلال ، من جنس القبول بالديموقراطية ، وهي-سابعا- – تغذي رفض أي نزعة لتقديم العون ، أدبيا ، أو ماديا ، للمقاومة العراقية ، لأنها نزعة تهديد للدور الديموقراطي للاحتلال، بل إن مساعدة الاحتلال واجب أخلاقي ، تعززه وحدة الطموح الإنساني ، في تجسيد القيم الليبرالية .
لابد أن يكون الغزو العسكري الأمريكي-إذن- تجسيدا لمبدأ شجاع ، ولفكرة نبيلة ، أو كما يقول أحد المفكرين الأمريكيين متندرا ، أن أمريكا بريئة بالتعريف ، لأن جنودها أطفال سفر الرؤيا ، وليسوا أولاد التاريخ ، ولأن الأجانب الفاسدون-علي شاكلتنا- يرتكبون الجرائم ضد البشرية ، أما الأمريكيين فيطهرون العالم من شوائبه ، وبسبب ما فطروا عليه من خير ، فلا حاجة لهم بالقوانين ، فالقوانين وضعت لغير المحظوظين ، اللذين ولدوا بغير أن تسبح في دمائهم ، جينات الفضيلة .
بعد ذلك لا يهم ما يمكن أن يفرضه اعتماد هذه النظرية ، من مخاطر وتهديدات ، علي السلطات الوطنية والشعوب ، فوق تخوم الإقليم ، فإذا كان الاستبداد الوطني دالة مشروعة للتدخل الأمريكي ، فإن درجة التدخل وطبيعته ، يمكن أن تتوقف علي درجة هذا الاستبداد ، فإذا كان من حق الولايات المتحدة ، أن تضرب نظاما وطنيا مستبدا ، علي شاكلة النظام العراقي بالقوة المسلحة ، فإن من حقها أن تفرض علي أنظمة أقل استبدادا ، وأضعف قبضة ، كافة الأشكال المتاحة للإكراه السياسي ، والضغط المعنوي ، كي تنتظم مفرده طائعة، في متن التحرير والليبرالية علي الطريقة الأمريكية ، أي أن درجة استخدام القوة الأمريكية ، ضد دولة في الإقليم ، ينبغي أن تتناسب طرديا مع درجة استبداد سلطتها الوطنية ، لكنه استخدام تندمج فيه مشروعيته الذاتية ، بغض النظر عن درجة الاستخدام أو درجة الاستبداد ، وتبقي الولايات المتحدة مرجعيته الوحيدة، بغض النظر عن رفض السلطات ، أو ضيق الشعوب .
لكن نظرية : " مشروعية الإمبريالية الفاضلة ، في ضرب الاستبداد الوطني "، تبدو لي أقل جاذبية وشجاعة ، من نظرية أخري يمكن أن نطلق عليها :" حتمية استدعاء الاستعمار ، لتحقيق الحداثة " ، وهي كالنظرية الأولي من إبداع كاتب يشترك مع الأول في أنه من قيادات جريدة الأهرام ، ومن الوجوه البازغة في إحدي اللجان العليا بالحزب الوطني الديموقراطي ، أما متن النظرية الثانية ، فليس أقل صفاءا من الأولي ، لأنه يستند إلي تجربة عملية ، هي الاحتلال الأمريكي للمكسيك ، وإلي نتائجه الرائعة ، التي أدت إلي تحديث بنية المكسيك ، ونقل جرثومة الحضارة الأمريكية إليها ، فلماذا نحصر تفكيرنا في زاوية نظرية ضيقة ، للتساؤل عن مشروعية الاستعمار ، ما دامت تحت أبصارنا تجارب استعمارية مجيدة للولايات المتحدة ، كتجربتها المكسيكية ، أدت تفاعلاتها البعيدة إلي التحديث والعصرية والديموقراطية ، بغض النظر عما اقتطعته بالقوة من أراضي المكسيك ، وما استحوذت عليه من ثرواتها ، وتاريخها ، وما دمرته من خصوصيتها الوطنية ، لأن ذلك كله ، يدخل في باب التفاعلات الجانبية ، التي يمكن احتواؤها ، وتقليل آثارها بمرور الزمن ، وعبور قاطرة التحديث .
والحقيقة إنني قرأت نصوصا كثيرة ، في فقه استحسان التبعية ، والحض علي القبول بالاستعمار ، ولكنني لم أجد في كل ما قرأته ، نصا أكثر توهجا ، في تقديس الاستعمار ، وتمجيد الاحتلال ، حد التحريض علي طلبه ، والسعي من ورائه ، وليس هذا هو الجوهر في أهمية النص ، ولكن في أن التحريض علي الدعوة ، إلي استدعاء الجيوش الأجنبية ، ستكسب التدخل العسكري الأجنبي في المستقبل مشروعية وطنية خالصة ، وتخلق نسلا معارضا جديدا ، لا يكتفي بالوقوف علي أسطح البيوت ، لطلب السفن الحربية الأجنبية من وراء البحار ، ولكنه سيشارك في شحن مدافعها بالقنابل ، وإضرام النار في عظام وطنه طالما هداه فكره البرجماتي النفعي الخالص ، إلي أن هذه هي الوسيلة المتاحة لحصوله علي الدفء .
إن ذلك يدفعني إلي أن أتساءل بجدية : هل هذه هي المدفعيات السياسية والإعلامية الثقيلة ، للفكر الجديد للحزب الوطني الديموقراطي ؟ ، إذا كانت هذه هي القناعة ، فلن يطول الوقت قبل أن يكتشف أن هذه المدفعيات ، التي أسقطت علي سطحه بالمظلات الواقية ، لا تختلف في أدائها ، عن تلك المدفعيات التي وضعت في يد الجيش المصري ، في حرب عام 1948!.
لقد كتب أحد رؤساء المكسيك ذات يوم ، بالنص يقول : " إن مشكلة المكسيك ، أنها بعيدا جدا عن الله ، وقريبة جدا من أمريكا " ، ويبدو أن مشكلتنا علي هذا النحو :" أننا قريبون جدا من الله ، وبعيدون جدا عن أمريكا "!.
****
ماذا نفعل في مواجهة أولئك الذين يستعيدون دور (سيثرو) ، الخطيب المفوه للتوسع الإمبراطوري الروماني ، وينشرون في الفضاء الوطني ، جراثيم التوسع الإمبريالي ، ويعملون صيادين محليين ، في بركة الدم العراقي والفلسطيني ، يصطادون أسماك الحداثة والليبرالية ، ويضعونها علي موائدنا ، مكتملة الشواء في نار جهنم الأمريكية ، ماذا نفعل إذا كانوا يطلون علينا من فوهات مدافع غابات فرجينيا ، وإذا كانوا يعمقون بشكل غير مسبوق ، ظاهرة الاختراق الأجنبي .
هل أصبحت قضية الولاء الوطني ، محل التباس شأنها شأن مفهوم العقيدة الوطنية ونظرية الأمن القومي ؟
إنك تقرأ حتى تصاب بالذهول ، الخطوط الأساسية ، التي أصبحت في موضع اتفاق ، في جلسات المباحثات الأخيرة بين الحكومة ، وبين هيئة المعونة الأمريكية ، ممثلة في مدير مكتب المعونة الأمريكية بالقاهرة ، والسفير الأمريكي، الذي اعتاد علي القفز إلي مكاتب الوزراء دون موعد مسبق ، تمهيدا لتقديم ميزانية برنامج المساعدات للعام المالي 2003-2004.
قد يكون مفهوما أن يبدي الجانب الأمريكي ، اهتماما خاصا بموضع التعليم ، وأن يطلب توسيع تدريس اللغة الإنجليزية ، وأن يربط زيادة مخصصاته للتعليم ، بالأمرين السابقين إضافة إلي توسيع مشاركة المجتمع المدني ، في إدارة المدارس ، بل إنني أتجاوز علي قناعتي الوطنية ، وأقول أنه قد يكون مفهوما- أيضا- أن يربط الجانب الأمريكي بين برامج مدفوعة الأجر لتدريب الإعلاميين ، ودعم بعض مراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية ، وتقوية جمعيات أهلية بعينها ، بتحسين صورة أمريكا في مصر ، رغم أنها مهمة مستحيلة ، لأن سلوك أمريكا نفسه ، هو المسئول الوحيد عن تحسين صورة أمريكا ، فماذا بمقدور (الماشطة) ، أن تفعل لتجميل الوجه العكر، وإذا لم يتغير وجه الولايات المتحدة من خلال سلوكها ، فإن الطريقة الوحيدة لتغييره في نظر الرأي العام المصري ، هو وضعه في محلول مركز من حامض الكبريتيك ، أقول أن ذلك كله مع التجاوز ، قد يوضع في موضع تفهم ، ولكن الذي لا يمكن أن يكون جائزا ، ولا مشروعا ولا مطلوبا ، ولا مبررا ، أن توافق الحكومة المصرية ، علي منح الأجهزة الأمريكية مشروعية ذاتية تلقائية ، في فتح قنوات اتصال وحوار ، مع كافة الاتجاهات والأحزاب السياسية المصرية ، إن ذلك بمثابة منح أجهزة المخابرات الأمريكية ، وثيقة حكومية شرعية ، غير قابلة للاسترداد ، بحق العمل داخل بنية الأحزاب والتيارات السياسية المصرية ، إنني لا أدفع بالشك في المكون الوطني للتيارات والأحزاب السياسية المصرية ، ولكنني أدفع بالشك في تخليق مشروعية وطنية ، تتيح لأجهزة المخابرات الأمريكية ، الاتصال بهذه التيارات والأحزاب ، تحت غطاء حكومي شرعي ، خاصة إذا لم يكن لدينا من بين أكثر من 14 حزبا شرعيا ، ما يمكن أن ينطبق علي بنيته توصيف الحزب ، غير حزبين أو ثلاثة ، أما بقيتها فهي أشكال جنينية أو تجمعات حول أفراد ، لا حول عقائد وقوى سياسية واجتماعية ، وخاصة إذا كانت المشكلة الأكثر حضورا في عمل بقية هذه الأحزاب والتجمعات ، أو الجماعات السياسية هي ندرة مصادر التمويل المادي ، التي تتطلبها حاجات ملحة ، قد تكون واسعة التأثير ، في صياغة الخيارات الوطنية والاجتماعية .
هل يمكن إضاءة هذه الغرفة المعتمة ، باستعادة تجربة المخابرات المركزية الأمريكية ، في حزب العمل البريطاني نفسه ، إن التجربة موثقة بالشهادات والوثائق ، فمع نهاية الحرب العالمية الثانية ، كان حزب العمل البريطاني ، هو الذي اكتسح تشرشل ، وكان الأمريكيون منشغلون بالحليف البريطاني الجديد ، بعد أن انهارت قوة حزب المحافظين ، وفي قلب حزب العمل تبلورت مجموعة يمينية جديدة ، أطلق عليها أسم (المراجعون) ، رفعت شعار التحديث ، وبلورته في حذف المادة الرابعة من برنامج الحزب عن التأميم ، وكانت هذه المجموعة- كما تقول بالوثائق- فرانسيس ستونر سوندرز- في كتابها ، الحرب الباردة الثقافية- هي التي قدمت للمخابرات المركزية الأمريكية ، الخطاف الذي كانت تبحث عنه ، لكبح جماح الفكر السياسي البريطاني ، وترويضه ، بما يتناسب مع مخططات الاستراتيجية الأمريكية ، لقارة أوروبا ، هذه المخططات التي تم رسمها بوضوح ، في وثائق متوالية لسياسة الولايات المتحدة ، لدمج التحالف الأطلنطي ، ومجلس الدفاع الأوروبي ، وإقامة سوق مشتركة ، علي الجانب الآخر كانت جماعة الضغط الرئيسية لدفع فكرة أوروبا متحدة في شراكة مع الولايات المتحدة ، هي الحركة الأوروبية ،التي كانت منظمة أو مظلة ، توجه سلسلة من الأنشطة ، صوب الهدف ، وكان في مقدمة منظمي هذه الحركة ، وينستون تشرشل نفسه ، إضافة إلي أفريل هاريمان ، وبول هنري سباك ، وكانت تعمل تحت الإشراف الدقيق للمخابرات المركزية ، عن طريق واجهة وهمية ، تسمي اللجنة الأمريكية لأوربا الموحدة ، التي قدمت تمويلا ، ضخما من المخابرات المركزية ، لبرامج منح هائلة ، للحركات السياسية والطلابية ، والاتحادات الشبابية ، والثقافية ، ولم تكن هذه الحركات والمنظمات كلها ، سوى الواجهات الأمامية الحادة ، لحملات دعاية واختراق أمريكي .
أما بالنسبة للأمميين الليبراليين الأوروبيين ، اللذين كانوا مهتمين بفكرة أوروبا الموحدة ، حول مبادئ قومية أوروبية داخلية ، لا تتطابق مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية ، فكانت تعليمات أجهزة المخابرات الأمريكية محددة ، بتوجيه وسائل الإعلام والبرامج ، نحو الخلاص منهم وتدميرهم .
لقد كان ( جيمس انجلتون ) مسئول العمليات السرية في المخابرات المركزية ، وهو صهيوني متعصب ، هو المسئول الأول ، عن عملية اختراق الأحزاب السياسية الأوروبية ، والاتحادات العمالية ، وفي إطار الأحزاب والنقابات كانت المهمة واضحة ، استبعاد العناصر الغير موالية للولايات المتحدة ، وتصعيد القيادات المرضي عنها من واشنطن ، وفي دوائر حزب العمل البريطاني والنقابات العمالية ، كانت عناصر الاختراق ، هي التي وجدت نفسها بعد ذلك ، في صعود إلي مواقع القيادة والتأثير .
أما التمويل فقد كان مبذولا ، ويتحايل للوصول إلي أصحابه بطرق تبدو مشروعة ، وفي أثناء عملية تحقيق في الكونجرس الأمريكي ، بخصوص الإعفاءات الضريبية للمؤسسات الأمريكية الخاصة ، والتي قام لها النائب (رايت باتمان) ، تسربت معلومات حددت أسماء ثمانية مؤسسات أمريكية وهمية ، كانت تختفي وراءها المخابرات المركزية الأمريكية ، حيث تبين من التحقيق أنها كانت مجرد محطات بريدية ، أي ليست أكثر من عنوان ، يتلقي أموال المخابرات الأمريكية ، التي يمكن تحويلها إلي أي مكان ، أو شخص ، أو جماعة ، بشكل يبدو مفعما بالشرعية .
أما مشكلتنا نحن ، فإنها تبدو مزدوجة ، فهي لا تتركز فقط ، في أن هناك جماعات يمينية جديدة ، داخل عدد من الأحزاب السياسية ، علي غرار جماعة (المراجعون) ، التي قادت الانقلاب ، علي المتون السياسية للفكر السياسي ، لحزب العمل ، ولبريطانيا ، وأنها ترمي بنفسها الخطاف ، للأجهزة الأمريكية المتربصة ، ولكن في أن لدينا حكومة قررت أن تمنح الأجهزة الأمريكية ، بالموافقة علي اتصالها المباشر ، بالأحزاب والجماعات السياسية ، مشروعية التقاط هذا الخطاف !
****
لم يعد في أمريكا رئيس في وزن أيزنهاور ، يقول: أن تفجير قذيفة مدفعية واحدة ، يسرق الخبز من فم طفل جائع لمدة عام ، بل هناك من يقول متبجحا : أننا ندعم أبطال الديموقراطية في العالم ، الذين نشتريهم بأثمان بخسة ، كتلك الأجور التي تدفع لعمالة الأطفال في حقول الفراولة المكسيكية ، لكن هناك في أمريكا-أيضا- مثقفون كبار ، أعادوا نحت الشعار الذي كتبه الروائي الأمريكي العظيم (جون شتاينبك ) صاحب رواية عناقيد الغضب ، في أوج حملة المكارثية ، أما نص شعار (شتاينبك) الذي تدب فيه الحياة ، فيقول : ( لو أننا قاومنا منذ البداية ، بدلا من الهرب ، لما أمكن لما يحدث الآن أن يحدث ) .
إن الخشية ألا نتذكر نحت شعار شتاينبك ، وألا نرد إليه الاعتبار ، إلا بعد حقبة أخري من الزمن العاصف الرديء!

التاريخ القديم 9/5/2003




 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :  
 
 

شادي عمر الشربيني

1 - رجاء

إنني أرجوا من الأستاذ أحمد عز الدين أن يشرع فورا بوضع كتاب عن التحديات التي تواجهه الأمن القومي المصري و العربي في القرن الواحد و العشرين.
إن موضوع على هذا القدر من الأهمية، بل و الخطورة، يجب فتحه و معالجته بشكل استراتيجي موسع و شامل لجميع مكونات الأمن القومي، إن آخر خطوط الدفاع عن هذا الأمن هو السلاح، و هو أيضا بدون جبهة داخلية متينة و قوية، و اقتصاد مستقل و قادر، و شخصية مكتملة الهوية و ممتلئة الذات، لا يستطيع قبل توافر كل هذه المكونات و أكثر، أن يردأ خطرا أو يدفع عدوانا، أما إذا توافرت هذه المكونات في أمة و شعب، فذلك يعني انه حتى لو خسر السلاح، فإن الهزيمة، لو حدثت، ستكون في معركة لا الحرب. ضياع الأمن القومي و سقوطه، يبدأ من الداخل لا الخارج.
مرة أخرى من الأستاذ أحمد عز الدين أن يشرع فورا بوضع هذا الكتاب، فلعلله هو الوحيد الذي يملك القدرة و الملكة و الهمة التي تملك الاقتراب من، و معالجة هذا الموضوع الخطير، خاصة عند مفترق طرق يقف أمامها هذا الوطن.

مع الشكر و الاعتزاز بالكاتب الكبير
شادي عمر الشربيني