دروس الحالة الإيرانية: كيف تشيخ الثورات.؟!     

بقلم : احمد عز الدين



حبر كثير أريق فوق تضاريس الحالة الإيرانية، غير أن أغلبه للأسف اختار أن يتوزع بين أربعة خطابات رئيسية:

خطاب شامت يرى أن إيران التي كانت تبدو عصّية ومنيعة، غدت قابلة للانشطار. وخطاب محرض، لم يسمح لنفسه أن يجمع من جوانب الصورة الإيرانية الواسعة، غير بقع الدم، وأصوات الغضب، وشروخ السلطة. وخطاب مبرر، ظل متمسكا برؤية إيران كتلة واحدة متجانسة، ليقدم تفسيرا وحيدا يلقى بعوامل الغضب والرفض، في يد مؤامرة غربية متصلة، دأبت على أن تزرع العواصف، وتختلق الفتن، أما الخطاب الأخير فهو خطاب مزور، أراد عامدا إلا يلتقط ويوزع إلا بعدا واحدا للمشهد الإيرانى كله، وقد كان أوضح صورة غلاف مجلة النيوزويك الذي زين نفسه بمقولة أرادها أن تصبح تفسيرا جامعا مانعا للحالة الإيرانية، كان نصها يقول :"التململ من الثيوقراطية" أى من نظام الحكم الذي يرتدى العمامة.
وبين الشماتة والتحريض والتبرير والتزوير كان السعي قليلا، والجهد ضنينا للوصول إلى أهم ما كان ينبغي أن يدخل في صلب اهتمامات العقل الوطني، وهو الإجابة على سؤال محدد: ما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها من الحالة الإيرانية، خاصة وأن الانفجار كان مفاجئا وكبيرا، وواسع التأثير والمدى.





-1-


إن الشعوب لا تطلب التغير دفعا للملل، ولا تطلبه على غرار طلب الناس لعصير الليمون فى قيظ الصيف، فطلب التغيير شعبيا عندما يتبدّى فى دوائر واسعة من الغضب والرفض، لابد أن يعنى أن هناك خللا مركبا فى توازنات النظام، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، يعبّر عن نفسه فى مظاهر خلل آخر، فى توزيع عوائده، خاصة عند منسوب القاعدة المنتجة العريضة، وفى صفوف الأجيال الجديدة الصاعدة.
وعندما يضطر النظام – أى نظام – تحت ضغوط الشارع، إلى أن يعتمد على قوة السلاح بدلا من قوة الفكر، للحفاظ على تماسكه ، فمعنى ذلك أن النظام المعنوى للسلطة الحاكمة، قد أصابه قدر واضح من التآكل، مع العلم بأن السلطات لا تحكم بمنظومات القوى وحدها، ولا بقوة السلاح الذى تملك حشده، وإنما بقوة نظامها المعنوى، فعند حد ما من تآكل النظام المعنوى لأية سلطة، تفقد منظومة القوة، وقوة السلاح ، فاعليتها وتأثيرها، وتتحول البنادق المحشوة بالرصاص فى أيدى الجنود، إلى قطع من الخشب.

ولقد كان ذلك هو الدرس الأول فى تجربة الثورة الإيرانية ذاتها، عندما اندفع جنود "السافاك" فى لحظة الانفجار الكبير إلى أن يلتقطوا من بين أشجار الشوارع فروعا خضراء يحشون بها فوهات بنادقهم الآلية، فقد انهار النظام المعنوى للسلطة، وتبددت معه قوة الفكر، وتجاوز الوقت إمكانية، أن تحل محلها ، فى الضبط ، قوة السلاح .
رغم ذلك فأن الغرب لم يجد فى أسباب انهيار النظام المعنوى لسلطة الشاه، رغم كل الأسلحة، التى كدّسها بين يديه، شيئا يتعلق بالتناقض بين الاستبداد والديمقراطية، آو بين الغنى الفاحش، والفقر المدقع، أو بين الخصوصية القومية، ودفع التغريب باسم الحداثة بالقوة، لأنه لم يكن يريد أن يرى ذلك أو بعضا منه، فقد كانت أكثر الأفكار الغربية شيوعا، فى تفسير ما حدث، تنتهى إلى أنه نتيجة التناقض الناشىء بين عوامل التحديث فى القشرة الرقيقة التى صبغ بها النظام سطح المجتمع، وبين عناصر التخلف فى أحشاء المجتمع وقواعده، فقد لفظت هياكل المجتمع، قشرة التحديث، وفصلتها ، وأسقطتها، ومعها الشاه ونظامه، الأن يبدو التفسير الغربى موازيا، ولكنه معكوس، فالتحديث فى البيئة الإيرانية الواسعة، وفى هياكلها المجتمعيّة، هو الذى يريد أن يفصل قشرة التخلف التى يمثلها رأس الحكم الدينى وفق رؤيته.

ومن المؤكد رغم ذلك، أن الغرب لم يخلق هذه الحالة داخل إيران، بل وليس لدية القدرة على أختلاقها، ولكنه وجدها حاضرة أمامه فسعى إلى استثمارها بطرق وحدود مفتوحة، تحت تصور متوهم بأن تفاعلات ما يجرى فى إيران، قابلة للتغذية من الخارج، على غرار ما جرى فى أوكرانيا، منذ اللحظة التى بدأ المتظاهرون فى التشكيك فى نتائج الانتخابات، ومع اتساع الصدام حولها، ولم تكن المشكلة فى هذا الفهم، أن موسوى ليس يوشينكو أو فى أن نجاد ليس ينكوفيتش ولكن فى أن إيران بالمطلق ليست أوكرانيا.





-2-


لقد رأى الغرب، بركة غضب مشتعلة، وسمع أصوات صدام عالية، رفضا لنتائج الانتخابات، فاندفع فى محاولة عبثيّة، لأن يستنسخ منها الحالة الأوكرانية ، الأمر الذي يعنى أن رؤيته توقفت عند سطح الصورة الخارجية.
فلم ير ما وراءها من عوامل الخصوصية فى الحالة الإيرانية، ولم يهتد بالتالي وربما لم يرغب فى الإمساك بتفسير صحيح لها.
أن بعضا من عوامل هذه الخصوصية، وثيق الصلة بتجربة الثورة الإيرانية ذاتها، وهى عوامل قوة ذاتية في بنيتها، تواصلت ونمت معها على امتداد ثلاثين عاما، وأحسب أنه يمكن تلخيص أهم ملامحها فيما يلي:

1- أن الثورة الإيرانية بدأت أيامها الأولى بفعل صحيح، بعيدا عن الانفعال الذى يتحرك كالغبار حول عجلات الثورات عادة، فرغم موقفها العقائدى من تجربة التحديث التى قام بها الشاه، فلم تشرع معاولها لهدم ما اعتبرته انجازا فى الحياة الإيرانية، يستوى فى ذلك أجهزة الدولة الإيرانية ومنظومة القوة فيها، بما فيها الجيش والسافاك (المخابرات) وباقى الأطر المجتمعية التى امتدت اليها يد التحديث، كالجامعات، ومراكز البحث العلمى، لقد تغيّرت العناوين والأسماء، وبعض الوجوه الكبيرة، ولكن معاول الهدم لم تطل أيا من هذه الأطر والمؤسسات، ولهذا فقد هدمت النظام، ولكنها لم تهدم الدولة، ولا أضعفت مصادر القوة فيها. (على غرار تجربة الاحتلال الأمريكى للعراق مثلا).

وينبغى التدليل فى هذا السياق، بالتجربة النووية الإيرانية ذاتها ، فلقد كانت حلقاتها العلمية الرئيسية، وقواعدها سابقة على الثورة، ولكن الثورة لم تحافظ عليها فحسب، بل سعت الى تنميتها وتطويرها..
فالبرنامج النووى الإيرانى يعود الى عام 1957 ، عندما وقّّعت أمريكا فى عهد ايزنهاور أول اتفاقية تعاون نووى مع إيران، ظلت سارية حتى سقوط الشاه، بينما تولت إدارة فورد بعدها، مد إيران بثمانية مفاعلات نووية دفعة واحدة، إضافة إلى أجهزة ليزر متقدمة بحسابات ذلك التوقيت، وبالمفارقة فان أركان إدارة فورد الذى أدخلوا إيران فى عصر الذرة، كانوا هم أنفسهم الذين أعلنوا الحرب على إيران فى إدارة بوش لاخراجها عنوة من هذا العصر، وقد كانوا فى الحالتين هم : ديك تشينى ورامسفيلد وولفيتز.
الأمر نفسه ينطبق حرفيا على كافة محاور بناء القوة العسكرية، فمشروع الصواريخ الإيرانية ارض / ارض بدأ يأخذ قوة دفعه الحقيقية فى عام 1984، لإحداث توازن مع العراق، ولكنه استند إلى بدايات حقيقية، كانت قائمة قبل ان تقوم الثورة، ولقد توجهت خطوات تطوير وبناء منظومة القوة كلها فى عدة اتجاهات تنم عن رؤية إستراتيجية، تتسم بالعمق، فقد تم توحيد كافة مؤسسات التصنيع العسكرى فى عام 1989 فى مؤسسة واحدة هى مؤسسة الصناعة الدفاعية، (عمودها المؤسسة الصناعية سانام)، وتم فى الوقت ذاته، بناء علاقات إستراتيجية مع القوى الأسيوية الكبرى، والحصول على تكنولوجيا الصواريخ والطائرات، وليس العمل بنظام تسليم المفتاح، وقد أدت هذه العلاقات إلى تحول فى رؤية روسيا والصين بل واليابان فقد أصبحت المعركة حول إيران فى منظورهم ، معركة من اجل تأمين السيادة الأسيوية، ضد التوسع الأمريكى. إضافة إلى وضع مبادئ صحيحة للضغط على القطاعات العسكرية الأكثر حيوية فى ضوء أولويات التوجه الاستراتيجي الإيرانى.

وكان ذلك كله فى مضمونه ومنتوجه، إضافة جوهرية رسّخت قواعد أساسية، لكائن تاريخى يتم إضعافه وتقزيمه هنا وهناك، لحساب رؤية الغرب ومصالحه، وهو الكائن الذى ما نزال نطلق عليه اسم الدولة.

2- جانب آخر من خصوصية الحالة الإيرانية، يتبدىّ بقوة، فى مسألة المجتمع المدنى، فقد أقامت التجربة الإيرانية مجتمعا مدنيا لا علاقة له بالنمط الغربى، تكوينا ونشاطا، وتوجها، وبالتالى فهو مجتمع مدنى، معنى بهموم الداخل ومشاكله وصعابه، منبت الصلة بالخارج، فلا هو تابع لمعاهد ولجان الكونجرس الأمريكى، ولا هو واقف يمد يديه إلى الخارج أو إلى سفاراته فى الداخل ليحصل على الهبات والصدقات،ولا تحركه بالتالى مصالح التمويل الأجنبى وأجنداته وأهدافه، وليس بمقدور أحد فى الغرب، أن يستخدمه فى اللحظة المناسبة، ليكون رصيدا له فى دفع الصدام والمواجهة، ومد الحريق بمزيد من الوقود.


إن هذا المجتمع المدنى الهائل فى إيران يبدو نسيجا بالغ التعقيد، ولكنه كان محدد الهدف منذ البداية، فقد كان هدفه الأول هو كيف يمكن إعادة إنتاج العقيدة فى إيران، على نحو مستمر ودائم، وبغض النظر عن توجه السلطة الحاكمة، فى المستقبل، وهكذا تعددت التجمعات ذات الطبيعة الدينية، بأشكالها المختلفة، والتى تقدم خدمات وتسهيلات ومساعدات، لتثبيت العقيدة وممارساتها فى صفوف الناس.
وكان هدفه الثانى، هو سد الفضاء الاجتماعي الذى لا تقدر موازنة الدولة على القيام به اقتصاديا فى حاجات المستويات الاجتماعية الدنيا، وقد أخذ التوجه أشكال منظمات غير حكومية، متعددة لا تستهدف الربح، بما فى ذلك إنشاء المدارس والمعاهد الخاصة، المجانية.
وفى الحالتين فان النشاط ظل موجّها لخدمة الداخل، وتأمينه عقائديا واجتماعيا.
غير أنه ينبغى الإشارة إلى أن أحجام المؤسسات التى لاتستهدف الربح كبيرة للغاية، فمؤسسة كمؤسسة (المستضعفين وجرحى الحرب) تضم ألاف الشركات الصناعية والتجارية، والزراعية، بل وفى قطاع الطيران المدنى، وفى قطاع الائتمان المالى، وهى تضخ وغيرها فى المجتمع أموالا بالمليارات لتحقيق الهدفين السابقين.

3- لقد توجه سعى النظام الجديد منذ لحظة ولادته الأولى، إلى بناء أذرع عسكرية قوية، موازية لمنظومة القوة فى الدولة، دون أن تتقاطع معها أو أن تنتقص من وظيفتها، وهى أذرع نظامية وشعبية فى الوقت ذاته، هدفها حراسة الثورة، وتأمينها، وإجهاض آية محاولة لزعزعتها، أو للانحراف عنها، تتوفر لها قدرات هائلة على التعبئة والحشد، تضم ملايين الشباب المستعدين لبذل أرواحهم دفاعا عن الثورة ونظامها، فمنظمة (الباسيج) قادرة على تعبئة مليون طالب خلال ساعات، نالوا جميعهم قسطا وافيا من التدريب العسكري الميداني، بل أن قدرتها على التعبئة، تتصل بتسعة ملايين عضو ينخرطون فى تنظيماتها المسلحة.


أما الذراع الأكبر والأقوى فهو الحرس الثورى الذى ينخرط فى كافة مشروعات وأعمال منظومة القوة.. بما فى ذلك القطاعات الإستراتيجية الأكثر حيويّة فى مشروعات التطوير والتحديث العسكرى.ولم يكن من الممكن بناء هذه الأذرع العسكرية النظامية الشعبية، بقوامها الذى يتشكل من ملايين المواطنين، بغير بناء مشروع قومى، عموده الفقرى البرنامج النووى الإيرانى، الذى أصبح مصدر فخر قومى، يمثل سقفا، أعلى بكثير من كافة الخلافات أو الصدامات بين عناصر النخبة السائدة فى المجتمع.

4- من المؤكد أن إيران محكومة بنظام يمكن وصف بعده الديمقراطي ، بأنه يمثل نوعا متسلطا من الديمقراطية المقيّدة ، فالمجالس المسئولة عن توجيه آليات الممارسة الديمقراطية، هى مجالس ليست منتخبة، ولكن ذلك لم يمنع النظام من أن يضفى على هذه الديمقراطية المقيّدة، عدة صفات تجعل الإحساس بقيودها أقل وأخف:

• نحن – أولا – أمام ديمقراطية مقيَدة، ولكنها لا تعكس قيودها على التعدديَة العرقية فى الممارسة، بل إنها تتيح إمكانية التعبير عن التنَوع العرقي من خلال المرشحين أنفسهم، وفى إطار الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإذا كان نجاد هو الفارسى الأصيل الوحيد، فان موسوى يمثل أقلية قومية هى الازرية، بينما ينتسب كروبى إلى قبيلة ال(لور) ويجهر رضائى بأنه بختيارى.

• ونحن – ثانيا- أمام ديمقراطية مقيّدة، ولكنها ليست غائمة فممراتها مضاءة، وقيودها محدده، ومرجعياتها واضحة، هناك دستور، وقانون كلاهما مستبد، ولكنه ليس استبدادا مقنّعا، يدهن وجهه بكل مساحيق الديمقراطية، ويمارس تحت ألوانها الزاهية، كافة الأفعال، الناطقة بسيف الاستبداد.

وقد يكون من حق البعض أن يرى أن احترام قواعد المرور، فى مدينة يسوء فيها تخطيطه، انحيازا لأصحاب السيارات على حساب المشاة، أفضل من عدم احترام قواعد المرور، فى مدينة يحسن فيها تخطيطه انحيازا إلى المشاة، على حساب أصحاب السيارات ، ويستوى الأمر نفسه فى حالة قواعد المرور السياسى.

• ونحن – ثالثا- أمام ديمقراطية مقيّدة، تسد سلالم الصعود الى السلطة، إلا لمن يخرج من خلال مصفاتها، لكنها – رغم ذلك – تترك آفاقا أخرى مفتوحة أمام أولئك الذين تسد سلالم الصعود دونهم.

لقد التقط الغرب مظاهر التحديث فى القواعد الإيرانية من خلال حروب الدعاية بين المرشحين عبر الوسائل الالكترونية الحديثة، ثم رآها أكثر إقداما وتأثيرا فى حروب المواجهة بالشارع، حيث رأى العالم ما يحدث فى إيران من خلالها، كما لاحظ أثناء الانتخابات ما أطلق عليه بعض المحللين الغربيين، زيادة الطابع الاحترافي للحياة السياسية.

وغير عالم الالكترونيات وألعابه الإيرانية التى أبهرت الغرب، فان آفاقا أكثر عمقا، مفتوحة فيما يتعلق بالثقافة والأدب بل والفنون، ويكفى للتدليل، أن موسوى ذاته، لا يحتل – قط – موقع رئيس أكاديمية الفنون، ولكنه واحد من الرسامين البارزين، وان دور المرأة كان حاضرا بقوة خلال مراحل الانتخابات وما بعدها، سواء على الشاشات الساخنة أو فى الشوارع الملتهبة.

-3-


وكما لم ير الغرب بواطن القوة السابقة فى تجربة الثورة الإيرانية لم ير بدوره بواطن الضعف، أو عوامل الهدم، التى أنتجت الحالة الإيرانية الراهنة، وهى نفسها عوامل الضعف والهدم، التى تصل بأية ثورة الى حالة من الشيخوخة المبكرة.

ولذلك ليس الأمر فى إيران أمر انقسام فى النخبة بين محافظين وإصلاحيين، لأن تعبير الإصلاح ذاته استخدم للتغطية على العوامل الحقيقية لهذا الانقسام، الذى لا يعكس – كما يدعى البعض – تنافسا على قاعدة مصالح إيران القومية.

وليس الأمر فى إيران أمر غضب من نتيجة الانتخابات الرئاسية، لان الغضب العام سابق على الانتخابات، فقد تم احتواء تسع وتسعين مظاهرة غاضبة فى جامعة طهران، قبل التوجه الى الانتخابات الأخيرة.

وليس فى إيران، أمر تململ من الثيوقراطية، أى من نظام حكم يرتدى العمامة، حسب التفسير الذى سعى الإعلام الأمريكي الى ضخَه، عبر الحدود، فالأزمة ليست وليدة شكل الحكم، ولكنها نبت منتوجه وعوائده..

فالحقيقة أن بواطن الضعف وعوامل الهدم، ظلت تؤتى فعلها فى ثلاث اتجاهات محددة، ثم تراكمت نتائجها لكى تخلق تفاعلاتها، ومن ثم مضاعفاتها، تلك الحالة التى تعكس مقدمات وشيخوخة واضحة ، وهو ما كان ينبغى أن يدخل فى صلب اهتمامات العقل الوطنى المصرى. استفادة من الدروس والنتائج:

أولا: العجز عن دمج الأجيال الجديدة فى النظام السياسى العام للمجتمع.

فى آخر تقرير للمخابرات المركزية الأمريكية، حمل اسم جورج تنت ، قبل رحيله، قدم التقدير نبوءة مقبضة، حول تأثير الأوضاع الداخلية فى عدة دول شرق أوسطية، على توازناتها الداخلية، محددا التناقضات التى ستلد إشكال خلل يطيح بهذه التوازنات، وتنتج مستقبلا أنماطا من الصدمات الداخلية الرهيبة فى:

التناقض بين عجز عدة أمم فى الشرق الأوسط عن السيطرة على الحداثة، وما سينتج عنه من جمهور ثائر بلا عمل، وبين انتشار تكنولوجيا المعلومات التى تمكن الشباب فى مجالات عدة من تهديد الدول التى يعيشون فيها، خاصة مع تزايد ضعف الروابط الداخلية فى هذه الدول، ومع أجيال قلقة يصعب احتواؤها، فلا قيادة معروفة لها، ولا هياكل تنظيمية واضحة.

واقع الحال فى هذه النبوءة المقبضة، يتبدَى الآن أكثر من أى وقت مضى، وهو وجود أجيال جديدة غاضبه وثائرة. ربما تقدم التجربة الإيرانية ، نموذجا تشريحيا واضحا لها، - وان كانت لا تنفرد به- وهى أجيال تراكمت على امتداد أكثر من أحقاب ثلاث، وأصبحت تشكل أغلبية واضحة فى المجتمع، وفى الوقت الذى أثبتت فيه قدرة على الاندماج فى تكنولوجيا المعلومات، أثبت النظام عجزا عن دمجها فى هياكله السياسية العامة، بينما ونتيجة لعدم السيطرة على الحداثة، بنمطها الاقتصادى الاجتماعى، المعتمد دوليا، فقد أصبحت هذه الأجيال، واقعة بين أقواس نيران كافة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، واذا كان قمح الحصاد قد ذهب إلى القلَة حيث شاء هذا النمو الاقتصادي الاجتماعي، فلم تجد هذه الأجيال بين يديها غير قشَ الحصاد ذاته، بطالة وفقرا، وعجزا عن إشباع الحاجات الأساسية.

إن هذا الجمهور الغاضب، يشبه القنابل الموقوتة فى كل مكان، يظل مبثوثا فى تربة المجتمع ، حتى تصادفه درجة الحرارة المناسبة للاشتعال، وعندها يصبح توالى الانفجارات حتميا.

ثانيا: اتساع الفجوات بين الخريطة السياسية العامة والخريطة الاجتماعية:

لم يكن التصويت فى الانتخابات الرئاسية الإيرانية حزبى الطابع، وإنما فردى الاختيار، فكافة المرشحين وفى مقدمتهم نجاد نفسه لا يمثلون أحزابا أو أطرا سياسية محددة لها برامج وهياكل وقواعد وجمهور، وإنما يعبرون عن أشخاصهم، والأمر نفسه ينطبق على كافة المرشحين، بمن فيهم موسوى، الذى خرجت المظاهرات العارمة لتأييده، وكذلك رضائى، الذى ينتسب إلى الحرس الثورى، أما كروبى فقد وجد العون فى مجموعة صغيرة منظمة تلتف حول رافسنجانى يطلق عليها اسم كوادر البناء، فلم توفر له مجموعته الأكثر صغرا والتى تحمل اسم " إرادة الأمة"، العون الكافى فى عملية الدعاية والمساندة.

وفى المحصلة النهائية، فقد ظهر أن أمواج الصدام الجماهيرية العالية فى الشوارع بعد ظهور نتائج الانتخابات، شأنها شأن الأربعين مليونا الذين توجهوا إلى صناديق الانتخابات قبلها، تشكَلوا جميعا من كتل شعبية غير منظمة ، مدفوعة بمواقفها الشخصية البحتة، وبدا واضحا بعد ثلاثين عاما من الثورة، أن العلّة ما تزال قائمة فى الأبنية الحزبية، وفى النظام الحزبى، وان كلاهما يعانى من ضعف وهزال شديدين، وان المعادلة السياسية العامة فى المجتمع تعانى من قصور مزدوج، فهناك أحزاب صغيرة بلا جماهير، وهناك كتل جماهيرية هائلة بلا أحزاب ، وهناك بالتالى خريطة سياسية عامة، أصبحت الفجوات بينها وبين الخريطة الاجتماعية، محيط واسع بغير ضفاف.


ثالثا: تحولات الثروة فى إطار الثورة


هذا هو العنصر الثالث فى التفاعل الثلاثى الأبعاد، الذى يعّجل منتوجه بالدخول فى مرحلة شيخوخة الثورة – آية ثورة – ولكنه أخطرها جميعا، وأكثرها فاعلية وتأثيرا، ذلك أن منتوجه يتحرك فى اتجاهين متعارضين، يتحرك إلى أعلى ليشكل شروخا ، ثم تصدعات فى بنية النخبة الحاكمة، يمكن أن تتحول بدورها إلى انقسامات وصراعات وفتن، ويتحرك إلى أسفل، فيخلق فى القواعد الشعبية مناخا محبطا، يجعل الإحساس بمنتوج العنصرين السابقين (العجز عن دمج الجديد، ومحدودية الخريطة السياسية)، أكثر حضورا وحدَه .

وعندما تبدأ بوادر الانقسام فى النخبة، يكون غضب الإحباط فى القواعد الشابة تعبيرا عن اختناقها، قابلا لأن يتحول إلى وقود قابل لأن يوظف نفسه، لصالح الشريحة من النخبة الحاكمة، التى بدأت فى إظهار التمرد على النظام، خاصة أذا سعت بنفسها إلى استثمار غضب الشارع لصالحها، وحتى لو كانت توجهاتها الحقيقية، لا تمثل مصالح القواعد الغاضبة فى المجتمع، التى تبحث عن نافذة جاهزة تطل منها بوجهها الثائر على الأوضاع التى تحيط بها.
لقد كان نجاح نجاد كأول رئيس من خارج المؤسسة الدينية فى انتخابات عام 2005، تعبيرا مباشرا عن عمق تغلغل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، وعن مدى عنف معاولها التى سقطت فوق رؤوس الطبقة المتوسطة، والطبقات الدنيا، كما كان سقوط رافسنجانى ، تعبيرا عن يأس الشارع الإيرانى من إمكانية أن تتحسن أحواله، تحت حكم أولئك الذين أطلقوا على أنفسهم صفة الإصلاحيين،ولذلك لم تكن الأزمة مستوردة أو مصدرة ، إلى رابع قوة بترولية فى العالم، وإنما كانت من صنع الخيار الاقتصادي الاجتماعى الذى تمسكت به الحكومات الإيرانية المتعاقبة، والذى كان يتناقض جوهريا مع الشعارات الصافية للثورة، التى عبّرت فى متونها السياسية والدينية عن انحيازها للفقراء والمستضعفين، فلم يعد الاقتصاد الإيرانى اقتصاد سوق، ولم يعد قابلا للتسكين فى خانة رأسمالية الدولة، وإنما تجمعت توجهاته لتصوغ فى النهاية بعد ربع قرن من الثورة، معالم اقتصاد احتكارىَ يسيطر عليه رأس المال الخاص، فقد تبلورت أقلَية اقتصادية، استحوذت على الجانب الأكبر من الثروة، وساد رأس المال، بما يصاحبه دوما من ظواهر فساد تتجمع فى النهاية كنتف السحب، لتشكل وظيفيا منظومة متكاملة.

لقد بدأ التحول نحو نظام اقتصادي احتكاري بعد أن وضعت الحرب مع العراق أوزارها، وكان رافسنجانى نفسه هو صاحب العملية كلها من بدايتها إلى نهايتها، ومن وعودها البراقة بالرخاء والعدل، إلى صدامها الدام.

كان الصراع منذ بداية التسعينات قد بدأ يدور بين منظومتين متصادمتين، منظومة القيم الروحية والدينية التى بشَرت بها الثورة والتى تركزت على العدل والمساواة، ومنظومة القيم المادية التى ترتكز على أخلاقيات السوق، وعبر بناء مجموعة من التحولات الاقتصادية العنيفة، وبناء شبكات من العلاقات والمصالح المستجدة، لصالح تنمية الثروات الخاصة، حلَت قيم الثانية محل الأولى، وأصبحت لها السطوة داخل مؤسسات النظام، التى بنت جسورا قوية مع السوق، عبرت من أحد اتجاهيها، العقود الحكومية فى الاستيراد، والمقاولات، والنفط، وغيرها، وعبرت بعض عوائدها وأرباحها من الاتجاه الآخر.

كان تقرير البرلمان الإيرانى ذاته فى عام 1999 حول برنامج الخصخصة الهائلة الذى قامت به حكومة رافسنجانى الأولى، يفيد أن الشركات الصناعية الخمسين الذين تم بيعها قد استحوذ عليها أشخاص بعينهم، بأسعار زهيدة للغاية، وأن تمويل عملية البيع لصالحهم، قد تمت بقروض من الدولة، وان عملية البيع والتمويل، لم تحظ بقدر من الشفافية.

تلى ذلك قيام أعداد من الذين استحوذوا على الشركات، ببيع آلاتها، قبل أن يعلنوا إفلاسهم، ويقذفوا بالعمال إلى أرصفة البطالة.

ولم تكن عملية تحرير التجارة الخارجية على يد الحكومة ذاتها، بعيدة فى نتائجها وحصادها عن سابقتها، شراكة بين البيروقراطية الحكومية المتنفذة فى مفاصل رئيسية للدولة، وبين كبار تجار البازار.

وعندما أصبح الوقت أكثر ملاءمة لسطوة أكبر لرأس المال تم السماح بإنشاء البنوك الخاصة (عام2000)، لتتراكم بعد ذلك هياكل اقتصادية خاصة، كبيرة عبر قروض وصفتها تقارير إيرانية بأنها بعيدة عن الشفافية.


هكذا فاز نجاد فى انتخابات 2005 معتمدا على إعادة طلاء شعارات الثورة، عن الفقراء والمستضعفين، وخاض حملته المباشرة بعد فوزه ضد قروض البنوك الخاصة التى ذهبت بلا ضمانات، مهددا بالكشف عن قوائمها المتنفذة، وأمام ذلك، تحولت البنوك الى الاستثمار العقارى، فخلال أقل من عامين بلغت قيمة الصفقات العقارية 600 مليار$، وتجاوز الارتفاع فى أسعار العقارات 200%، قبل أن تنفجر فقاعات العقارات، فى العام الماضى، وتنهار البنوك بفعل تسكين 67% من قروضها فى خانة الديون شبه المعدومة، ولترتفع ديون البنك المركزى نفسه بين نهايتى عامى 97 و 98 بنسبة 106%.

كان الاقتصاد – إذن – هو ميدان الحرب المباشرة بين الثروات الجديدة التى استحوذت على معظم الكعكة الاقتصادية للمجتمع، وبين محاولة إعادة التوازن الاجتماعى، على قاعدة الشعارات البكر للثروة، ولكن نتائج الحرب جاءت فى النهاية، خصما جائرا من عوائد الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا، فقد ارتفعت نسبة التضخم خلال العام الأخير إلى حدود 50% ، وهو ما يعنى أن النقود فى يد القاعدة الشعبية العريضة، قد فقدت نصف قوتها الشرائية ، إضافة الى ارتفاع نسبة البطالة – حسب البيانات الرسمية – الى حدود 15% من الشريحة النشطة من السكان.

وربما يفسر ذلك، الحدَة القومية التى تميزت بها مفردات الخطاب السياسى لنجاد نفسه، فأذا كانت أقلية مترفة قد استحوذت على الثروة، فلتكن الثورة، والكبرياء الوطنى والمجد القومى،حقا يوزع بالقسطاس على الجميع، ولتكن هذه الشعارات هى أداة التعبئة فى المجتمع، طالما أن الأصول والفوائض وتوزيع العمل، قد فقدت هذه الوظيفة.

غير أن صراع النخبة سرعان ما التهب على حافة الانتخابات الأخيرة، وخلالها، وفى أعقابها، فالنموات الكبيرة فى الثروة، لم تقتنع بالخطاب التعبوى الحاد لنجاد، فضلا عن توجهه الاقتصادي الاجتماعي، الذى حاول أن يسد بعض الخلل فى التوازن، بتقديم جانب من عوائد البترول، الى الناس مباشرة، وبتوسيع دائرة الحصول على قروض صغيرة، لسد الحاجات الأساسية.

فقد أدى خطابه، إلى فقدان كبار المصدرين والمستوردين الأسواق التقليدية لإيران، فى معظم دول أوربا، خاصة ألمانيا وفرنسا، ومع تآكل السوق الداخلى وتدنى الطلب الداخلى، وتداعى القدرة الشرائية، أصبح إعادة فتح الأسواق الخارجية، هو المخرج الوحيد، أمام نموات رأسمالية، شأنها شأن كل رأسمال، لا تعرف غير النمو والتراكم والتوسع.

فى إطار هذا المثلث بأضلاعه الثلاثة السابقة، كان طبيعيا أن تنشأ الأزمة وأن تصبح الأجيال الجديدة، التى تعانى من الديون والبطالة، والعوز، هى الوقود الجاهز، لإشعالها فى الشارع، فقد تآكل النظام المعنوى للسلطة، وتراجعت قوة الفكر، وتقدمت قوة السلاح، حسب القانون العام لشيخوخة كل ثورة.





 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :