الجُنديّة...     

الجُنديّة...
بقلم : أحمد عز الدين
كاد قلبي أن يتصدّع ، أمام هذا المشهد المذل العابث ، الذي أحاط بجندي مصري ، من أجل بضعة جنيهات ، داخل أحد القطارات ، لأن المشهد أوسع وأعمق من حدود وقائعه وأبطاله ، ولأن قيما مصرية عظيمة ، في ضوئه أصبحت مهتزّة ، وينبغي استعادتها وتثبيتها .
(1)
ينبغي أن يكون معلوما بالضرورة ، أنه لا شرف يعلو على شرف الجندية ، إلا شرف الشهادة ، وأن كل جندي مصري أيا كان مكانه أو زمانه ينبغي أن ينظر إليه ، على أنه ليس شخصا ، وليس فردا ، ولكنه ببدنه وردائه وحذائه خلية صغيرة من جسد عظيم ، هو الجيش المصري ، فضلا عن أنه ليس حالة عابرة في المكان والزمان ، وإنما مشروع شهيد في أي زمان ومكان ، فالجندي كالعلم سواء بسواء ، معنى شاخصا من معاني الوطنية ، وخيطا حيّا في ثوب الدفاع الوطني ، ولهذا فهو يمثل قمة الكرامة ، وقيمة الدولة ، وقدسية الوطن .
(2)
إن كافة التصرفات وردود الأفعال التي تضمنها المشهد لا تمثل حالات فردية معزولة ، تخص أصحابها ، وقد تكون كلمات موظف القطار السوقية ، وأسلوبه المتدني ، انعكاسا لشخصه ، ولكن توجهه في النهاية ، علامة على ماتم في المجتمع ، من إحلال قيم السوق في موضع أعلى ، من منظومة القيم ، حتى في جانبها الإنساني المباشر ، فجوهر المشهد تذكرة قطار ، تساوي بضعة جنيهات ، تضعها قيم السوق فوق منظومة قيم المجتمع ، التي تضع الجندية ومن يمثلها فوق كل قيمة سواها ، وهذا جانب أساسي في المشهد ، لا ينبغي ردم تراب أي اعتذار أو محاسبة عليه ، واعتقادي أن قيم السوق وقوانينه ، التي يجري إضفاء قداسة كاذبة عليها ، قد شرعت كالديدان المفترسة تأكل في شجرة منظومة القيم الوطنية ، والمشهد المذكور في حد ذاته دالة على ذلك ، لكن بعضا مما أحاط بالمشهد يؤكد على جانب آخر ، أنه إذا كانت بعض أوراق الشجرة قد أدركها الذبول والتحول ، فإن العصارة الحية في جوفها ماتزال تقاوم حية ونابضة .
(3)
في سلوك وردود أفعال الجندي نفسه دالة أوسع من دلالته الشخصية ، وإذا كان البعض قد يرى أن ذلك قد جاء انعكاسا مباشرا لما تلقاه في بيئته الخاصة من قيم ، فإن ذلك لا ينفي أن البيئة الحاضنة ، التي انصهر فيها داخل القوات المسلحة ، قد أخرجت منه أفضل ما فيه ، وقد صاغته على شاكلتها، انضباطا ،وخلقا ،وكرامة موفورة ،وقامة مشدودة .
هذه صورة جندي مصري حتى في ملامحها المباشرة ، تملأ العين ، وتسكن القلب ، وهي أيضا الصورة البديلة والصحيحة للنجم وللبطل ، التي ينبغي أن تعمّم على قواعد المجتمع ، بديلا عن تلك الصور الرخوة والقبيحة ، التي يتم تعميمها إعلاما وفنا ورياضة وسياسة وأنشطة عامة .
(4)
حتى صورة هذه السيدة المصرية الأصيلة ، تبدو بدورها أكثر اتساعا وعمقا ، من الصورة التي روّجت لها ، فهي لم تتحرك ولم تبادر بمنطق سد فجوة بجنيهات لتحل أزمة ، وإنما كان تحركها وانفعالها بطول المشهد وعرضه ، تعبيرا عن وجدان مصري سخي ، لم يتحجّر بالكامل ، كما تنطق بذلك صور القتل والدم ، والجرائم غير المسبوقة ، التي تعكس أوضاع الطبقات الدنيا في المجتمع ، ولا كما تنطق به صور أخرى أكثر شذوذا وانحرافا وانفصالا عن المجتمع بين صفوف الشريحة الاجتماعية العليا ، التي استحوذت على النصيب الأكبر من الثروة الوطنية ، وعكست قيمها سطوة وانفصاما وانفصالا ، وكأنها جزء من كوكب قد انشطر ، وأصبح خارج مساره .
إن هذا ما تبقى من وجدان المجتمع ، حيا وسخيا ، يتمتع برقته الساحرة ، ودفئه الآخّاذ ، بين شرائح أكثر الطبقات تأزما وعسرا ومشقة : الطبقة المتوسطة المصرية .
(5)
هل نحن أمام مشهد مصنوع ؟
أحسب أن الذين يدّعون ذلك إنما يلقون بقنابل دخان ، يحسبون انها يمكن أن تغطي ، على ما ظهر في باطن المشهد من حقيقة راسخة ، وهي تلك العلاقة الثابتة ، التي تشد دعائمها حبائل من صخور صلبة ، أكثر بعدا وعمقا ، ليس من التاريخ الوطني ، وإنما من التاريخ الإنساني كله ، وهي تلك العلاقة بالغة الخصوصية بين الشعب والجيش في مصر ، عبر كل مسارات التاريخ .
لقد ظلت جبهة المجهود الرئيسي في كافة الاستراتيجيات المضادة لمصر تشحن أقوى مدفعيات التدمير ، وأعنف أدوات القصف وأسلحة الإبادة ، على إحداثيات هذه العلاقة ، أملا في شق ممر مفتوح على جانبيها ، تندفع في مساربه سيول الفوضى ، التي تشكل قمة كل استراتيجية مضادة لهذا الوطن ، ولذلك فإن الحقيقة الراسخة التي يجليها هذا المشهد ، هي أن هذا الشعب بذاكرته التاريخية الحيّة ، وحسّه الوطني المصقول ، وعبقريته الآسرة ، أكثر فطنة وأكبر ذكاءا ، من أن ينسب أخطاء البيروقراطية ، وضمور السياسة ، وخلل التوازنات ، إلى أولئك الرجال ، الذين يقيمون من دمائهم سورا ومتراسا لحمايته .



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :