سلام القوة ..!!     

سلام القوة ..!!
بقلم : أحمد عز الدين
أكبر ما يمكن أن نقع فيه من وهم تغذّيه حركة الأحداث المصنوعة من حولنا ، أن نتصور أن الصراع في الإقليم العربي قد تم حسمه على هذا النحو ، وأن الثمرة قد سقطت كاملة بين يدي إسرائيل ، وأنه لم يبق أمام العرب ، دولا ، وجيوشا ، ومنظمات ، وأحزابا ، وقوى ، سوى أن يعلقوا أعلامهم بيضاء من غير سوء ، وأن يغسلوا عنها دماء شهدائهم ، ووقائع تاريخهم ، وأركان عقائدهم ، وأن ينحنوا إنحناءا مذلا أخيرا أمام ( سلام القوة ) الذي تروج له أمريكا وإسرائيل ، وبعض العرب ، الذين لا يخرج دورهم الذي ارتضوه ، ووظيفتهم التي رأوا أنها تليق بهم ، سوى أن يعملوا وكلاء أمنيين لإسرائيل ، ولا يبلغ قصارى طموحهم ، وغاية أمانيهم ، وسماء مجدهم ، سوى أن يرتقوا في لحظة فاجعة من رتبة الوكيل الأمني المؤقت ، إلى رتبة الوكيل الأمني الدائم .
(2)
هل هناك صلة ما بين تفجير بيروت ، وإعلان إسرائيل والإمارات الإنطواء في اتفاقية وصفها من المقربين إلى ( نتنياهو ) بأنها " مجرد انتقال من وضع العشيقة السرية لإسرائيل على امتداد عقدين ، إلى وضع الزوجة " ؟ .
نعم .. أحسب أن هناك أكثر من صلة .
لقد كتبت قبل بضعة أشهر ، مقالين متتاليين تحت عنوان واحد هو ( المعركة بين الحروب ) ، وقد رد على المقالين كاتب لبناني كبير ، معتبرا أن التوصيف السابق إنما يشي بقصد عمدي ، لتصغير أدوات وطبيعة الصراع في الإقليم ، الذي لا يخرج عن كونه حربا ، بعدها بأسبوع واحد ، خرج أحد جنرالات الموساد السابقين مؤكدا أن نمط التفكير الإسرائيلي في هذه المرحلة ، إنما يدور في إطار مبدأ ( المعركة بين الحروب ) وقد عرّفته سابقا ، بأنه إشغال مساحات ما بين المعارك هنا وهناك ، وبين الحرب الكبرى ، ويشمل كافة أشكال التصعيد العسكري ، والعمليات العسكرية السرية والعلنية ، والغارات الجوية ، والتفجيرات ، وأعمال المخابرات .
ولذلك ، فإن الصلة بين الإعلان الإسرائيلي الإماراتي ، وتفجير لبنان ، ليست فقط صلة تراتيبية ، من حيث متوالية الزمن ، أو وحدة المكان ، ولكنها صلة قاعدية من حيث المبدأ والتوصيف والهدف ، وفي تقديري فإن العمليتين ترتيبا زمنيا ، لا تخضعان لقانون المصادفة ، كما أنهما توصيفا تعكس كل منهما شكلا من أشكال مبدأ المعركة بين الحروب ، وكل منهما أداءا وأدوات ، لا تخرج في التصنيف الأخير عن كونها عملا من أعمال المخابرات ، وإذا كانت الأولى تعبر عن عقيدة ثابتة في الاستراتيجية المضادة للإقليم ، وهي عقيدة ( الصدمة والرعب ) فإشعاعها صدمة ورعبا ، لم يقتصر على جغرافيا لبنان ، وإنما كان مطلوبا أن تتجاوز قلبه المحتقن والمتصدع ، وأن تسري أمواجه كالكهرباء ، لتمس أوتار الجهاز العصبي المركزي في عموم الإقليم ، فالرسالة الدموية للصدمة والرعب في لبنان ، وزعت نفسها على الجميع ، وأوصلت حروفها الدامية إلى الجميع ، بغض النظر عن أولئك الذين تلقوها ، سواء بإرادة كاملة ، أو إرادة ناقصة ، أو إرادة منكسرة .
ثم أنه ، في نسق استراتيجية مضادة كبيرة ، على مقاس الشرق الأوسط ، لابد وأن تجد تجانسا مذهلا بين مفرداتها ، بغض النظر عن المكان والزمان والأدوات والتكتيك ، ولهذا فإن الخطاب الإسرائيلي نفسه ، هو الذي تبنى هذا الربط الجازم ، بين تعبير السلام وتعبير القوة ، وهو الذي قط الطريق على نحو مباشر ولحظي على كل محاولة من الجانب الآخر ، لإضفاء أي معنى آخر على الاتفاقية ، يمنحها بريقا خادعا ، أو مبررا كاذبا ، غير أنها وليدة القوة ، أو أنها السلام عبر القوة مجسدا ، أي أنها تمثل نقلة من ( استراتيجية الردع ) إلى ( استراتيجية القسر ) .
والحقيقة ، أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي ، كان بالغ الوضوح ، دقيق الهدف ، بل إنه تعمد أن يعمل صيادا بالنيران المباشرة ، كلما أطلق الجانب الآخر في الفضاء إدعاءا زائفا في شكل بالونات ملونة ، من قرار تجميد بسط السيادة على ( يهودا والسامرة ) وانتهاءا بصفقة ال 35 F.
والمدهش ، أنه كلما قدم الإسرائيليون اتفاقهم في شكل طلقة خارقة ، خرجت من بندقية القوة المطلقة ، كلما أمعن الطرف الآخر في التذلل حد إعلانه الرضا عن تصفية النظام الإقليمي العربي ، وبتر الجامعة العربية .
ثمة إشارة أخيرة ، يصعب تجاهلها في الإجابة على السؤال السابق ، عن العلاقة بين تفجير بيروت ، وتفجير النظام الإقليمي العربي ، رغم أنها قد تبدو شكلية خالصة ، وما هو مؤكد من تقديم الإمارات عرضا لرئيس وزراء لبنان الأسبق ، بتأجير مرفأ بيروت لشركة موانئ دبي ، لكن الملفت هنا حقا ما قاله مستشار ولي عهد الإمارات بعد التفجير : " لو أنهم وافقوا على تأجير المرفأ لدولة الإمارات ، ما حدث التفجير "
(3)
لقد قلت أن الخطاب الإسرائيلي الرسمي ، كان بالغ الوضوح ، ودقيق الهدف ، وقد نزع الغطاء كاملا ، إلا في مسألة واحدة ، هي التأكيد على أن توقيع الاتفاقية قد تأخر عاما كاملا ، وهكذا قام بدوره بوضع غطاء على مسألة التوقيت ، فالحقيقة أن الإعلان عن الاتفاقية قد تقدم عن موعده ، ولم يتم استكمال تجهيز الفضاء العربي لاستقباله ، ولم يستبقه مباشرة إلا اتصالات ببعض المسئولين العرب ، للإحاطة والعلم ، مربوطا عند البعض بقضية تأكيد تجميد بسط السيادة الإسرائيلية على الضفة ، ( وكانت قد تجمدت بالفعل ، بفعل ضغوط أوربية وأمريكية عميقة ) ومربوطا عند البعض الآخر بقضية عاجلة ، هي إعطاء الرئيس ترمب هبة عربية ، تثقل موازينه ، في مواجهة منافسه في الانتخابات الأمريكية ، وإذا كان البعض قد رأى جانبا آخر من الصورة ، يزدحم فيه فيض غضب التظاهرات ، حول بيت نتنياهو ، فالحقيقة أن نتنياهو نفسه - حسب المصادر الإسرائيلية - أمضى أيامه الأخيرة يصلي من أجل أن يعاد انتخاب ترمب ، غير أن المفارقة ، أن المصادر ذاتها هي التي تؤكد أنه " من الصعب الحصول على شخص في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية ، سيترك مصيره أو مصير الدولة في يد ترمب ، لذلك لا يشارك العديد من مسئولي الأمن والمخابرات الإسرائيلية في صلاة نتنياهو من أجل انتصار ترمب " غير أن المشهد عربيا كان مختلفا ، فقد انخرطت أغلب دول الخليج بسلطاتها وأجهزتها في الصلاة من أجل انتصار ترمب ، بل ومارست ضغوطا على دول عربية أخرى للمشاركة في صلواتها الجماعية ، ومع أن الرئيس ترمب نفسه ، شارك في صنع الأضحية العربية التي قدمت إليه على مذبح الانتخابات الأمريكية ، لكن الأمر برمته عند أولئك الذين يعرفون بدقة ، حقائق موازين الصراع داخل أمريكا ، لا يعدو أن يكون بمثابة تقديم كوب من الليمون في يوم قائظ ، ورغم أنك تستطيع أن تستنتج بنفسك من ذلك ، ضعف الطالب والمطلوب ، إلا أن البعض أراد أن يقنعنا ، أن نتنياهو الصهيوني الخالص ، أخذ يصلي من أجل انتصار ترمب المعادي للصهيونية .
(4)
ثمة أوصاف أحسبها زائفة ، تطلق على هذه الاتفاقية ، على غرار أنها اتفاقية سلام ، في نفس سياق اتفاقية كامب دافيد ، وعلى غرار أنها اتفاقية تطبيع ، كما تضمنته بنود الاتفاقية السابقة ، وأحسب لأن كلا الأمرين يتناقض مع الحقيقة ، فكامب دافيد - أيا كان تقييمها - أتت بعد معركة عسكرية كبرى ، أبدع الجيش المصري فيها قطعة عبقرية نادرة من الاستراتيجية العسكرية الهجومية ، ودفع في أوردتها تيارا عاصفا من البطولة والفداء والدم ، وربما كان منطق الرفض أو النقد الأساسي لها ، أن فيض العبقرية ، وفيضان الدم والبطولة لم ينعكس بأثقاله الحقيقية على ميزان الاتفاقية ، لكننا أمام اتفاقية لم تستبقها رصاصة واحدة ، ولا قطرة دم ، ولا حتى مشاجرة بالعصي ، ثم أنه رغم مرور أكثر من أربعة عقود على هذه الاتفاقية ، فإن الجيش المصري لم يسمح بتجاوز أمنه الوطني ، فحتى عندما ألحّت إسرائيل قبل سنوات بعد أن اتسعت أشكال التهريب عبر الحدود ، في تسيير دورات عسكرية مشتركة ، كان الرفض من الجانب المصري قاطعا ، لكننا أمام اتفاقية استبقتها كل صور التداخل العسكري المباشر ، سواء في مجالات التدريب أو غرف العمليات الميدانية ، فالمدهش أن يكون توحيد المفاهيم ، وتوصيف التهديدات والمشاركة العملية ، تدريبا وفعلا ، سابقا على ما وصف بأنه اتفاقية سلام ، بل أن يكون إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل ، بعد انخراط عسكري مشترك معها ، في غرف عمليات مركزية ، لتدمير مواقع حاكمة فوق الجغرافيا الاستراتيجية العربية ، سواء كنا نتحدث عن اليمن أو سوريا أو العراق .
وإذا كان سلاح الجو الإماراتي ، قد مارس تدريبات العلم الأحمر مع سلاح الجو الإسرائيلي ( وهو تمرين على القتال الجوي تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية ) في مارس 2017 وأبريل 2019 ، إضافة إلى ( اينيو هوس ) في اليونان مسبقا ومؤخرا ، فإن سلاح الجو السعودي بدأ تدريباته مع سلاح الجو الإسرائيلي في إحدى القواعد الأسبانية ، قبل اندلاع ما يسمى بالربيع العربي بعام كامل ، وتلك مجرد إشارات للتدليل فقط ، لكن التفاصيل الدقيقة متوفرة وليس هذا مكانها .
لذلك ، إذا كان هذا ما يوصف بالسلام ، أو يُعرّف بالتطبيع ، فهو في الحالتين وصف زائف وتعريف مضلل .
(5)
عندما يقول رئيس الموساد السابق ، أن الاتفاقية مع الإمارات أهم من الاتفاقية مع مصر ، فهو بحكم التوقيت والعائد لم يجاف الصواب ، لأن جوهر الاتفاقية ، لا هو السلام ولا هو التطبيع ، وهو ما يمكن أن يفسره ما نشره ( العتيبي ) في إحدى الصحف الإسرائيلية عن ( وحدة الجيشين الكبيرين الإماراتي والإسرائيلي ) مع أن التعبير نفسه يشي بفقدان ( حاسة التناسب ).
وقد يفسر الاتفاقية ما يتعلق بالعرض السابق الإشارة إليه والخاص بميناء بيروت ، فلم يكن العرض كما تضمنت أوراقه خاصا بإدارة الميناء فقط ، وإنما وضع في صلبه مشروع لربط الميناء بميناء دبي ، بسكك حديدية تمر عبر أربع دول عربية ، على أنه سيختصر زمن نقل السلع بين البحر الأحمر والأبيض إلى 36 ساعة ، وهو محور بديل لقناة السويس ، وحتى في المشروع التالي ، الذي مازال في حيّز العرض أو الدراسة ما يعطي الانطباع ذاته ، بربط دبي بحيفا وإيلات عبر الأراضي السعودية بقطار كهربائي ( هايبرلوب ) محطته التالية الرياض ثم العقبة ليستكمل طريقه تحت الماء إلى إيلات ثم حيفا .
غير أن ما يجري في البحر الأحمر بضفتيه ، وفي جنوب اليمن تحديدا ما يشكل مخاطر أكبر ، وتهديدات أعظم ، ربما يتجلى في هذه اللحظة في وضع الجانب الغربي من أرخبيل ( سوقطرة ) الحاكم لباب المندب ، تحت أقدام الجيش الإسرائيلي ، ولهذا أحسب أننا أمام إمبريالية صغرى ، تحاول أن تشد على عظمها جلد قوة إقليمية كبيرة ، ساعية إلى الاحتماء بجدار القوة المرشحة لأن تكون القوة الإقليمية الكبرى الحاكمة للإقليم .
إن بعضا من ضباط البنتاجون هم الذين أطلقوا على الإمارات وصف ( سبارتا الصغيرة ) ومع أنها صغيرة بالفعل وليست سبارتا ، لكن مع افتراض ذلك ، فأين هو موقع ( روما الكبيرة ) الواقعة تحت التهديد في الإقليم العربي ؟
(6)
هامش المناورة ، قد تقلص كثيرا ، والخطوط المتعرجة ، أصبح محتما أن تعود خطوطا مستقيمة ، لكن جانبا من المشكلة هنا ، أن ( اللوبي الإماراتي السعودي ) في مصر قد تضخم على نحو غير مسبوق ، وأحدث من منظور مبادئ الأمن القومي اختراقات واضحة ، في الإعلام والثقافة والسياسة والرياضة والفن ، وكثيرا من أوجه الحياة العامة ، ولم يسبقه سياسيا أو أمنيا في مصر ، ما يماثله ، أو يشكل سابقة شبيهة به ، فلم يبلغ تأثير اللوبي الأمريكي في مصر خلال أي مرحلة سابقة هذا المدى ، الذي بلغه تأثير اللوبي السعودي والإماراتي في هذه المرحلة ، وللأسف فإننا - دون دخول في التفاصيل - أمام إشعاع لا تخالطه المبادئ الوطنية والقومية ، بقدر ما تخالطه المنافع الذاتية والشخصية .
باختصار شديد ، فإنه لم يعد مقبولا ولا معقولا ، أن تختلط أوراق مصر النقية ، بأوراق غيرها ، لأن جانبا من المطلوب في هذه المرحلة ، هو نزع الطابع القومي عن مصر ، جنبا إلى جنب ، مع نزع الطابع المصري عن الإقليم .





 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :