في العمق الاستراتيجي ..! الجزء الأول     

في العمق الاستراتيجي ..!
الجزء الأول
بقلم : أحمد عز الدين
أدهشتني علامات الدهشة التي أطلت من بعض التعليقات والكتابات ، لقيام ( داوود أوجلو ) بإشهار سيف تأييده المطلق لكاقة مفردات الاستراتيجية التركية التي تتدافع في أنحاء الإقليم.
أما علامات الدهشة عند هؤلاء فمردّها إلى ما تم الترويج له من أن أوجلو وحزبه الجديد ، المنقسم على أردوغان ، سيكون بديلا عقلانيا مامولا له ، ولسياسته وتوجهه .
وأما ما أدهشني حقا في ذلك فمردّه - أولا - إلى أن البعض مايزال يرى الموقف التركي في حدود الشخص ، لا في حدود الجماعة التركية السياسية التي يعبر عنها ، وبالتالي فإن الكشافات القوية التي تم تركيزها على الشخص ، حجبت خيوط الضوء عن سواه .
ومرده - ثانيا - إلى أن الأبعاد الأعمق في القواعد الفكرية والثقافية التي تحكم التوجه التركي ، تبدو مطموسة وكأنه إعصار مغلق لمغامرة فردية الطابع ، بغير ايديولوجية ، وبغير منظومة فكرية .
ومرده - ثالثا - إلى أن الاستراتيجية التركية ، ليست إلا تركية الوجه ، ولكنها بالجزم واليقين ، كما تستند على قواعدها الفكرية والثقافية والسياسية الذاتية ، ترتكز حد الاندماج في استراتيجية غربية ، يكاد التعبير الصافي عنها أن يكون ترجمة عملية لاستراتيجية حلف الأطلنطي ، وهو ما يعني أن هناك تطابقا فوق إحداثيات التوجه بين تركيا والأطلنطي على جانب ، وبينها وبين إسرائيل على الجانب الآخر، وأن هذا التوجه ليس محصورا في بعض وحدات الإقليم ، كسوريا والعراق وليبيا، أو في شرق المتوسط فحسب ، وإنما يطول البحر الأحمر بجانبيه في القرن الأفريقي ، امتدادا إلى أثيوبيا ، مع دور كبير خفي يتعاظم في اليمن ، ثم بحر العرب والخليج العربي ، وحتى ظلاله الثقيلة في المحيط الهندي .
ومرده - رابعا - إلى أن هذا التوجه التركي ، ماتزال قواعده وأبعاده الأساسية ، هي ترجمة مباشرة للمنتوج الفكري لداوود أوجلو ذاته ، حتى يكاد ما أخرجه أوجلو علنا من تأييد مطلق للتوجه التركي ، أن لا يكون تأييدا لشخص أردوغان بقدر ما هو تأييد ذاتي لشخص أوجلو .
لقد أصدر أحمد داوود أوجلو كتابه الشهير " العمق الاستراتيجي " ممثلا لأسس التوجه الاستراتيجي لتركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية في عام 2002 ، ولكنه أضاف إليه في طبعته السادسة والأربعين بعد سنوات فصلا جديدا من أربعين صفحة يحمل عنوانا مشبعا بالدلالة وهو "ما بعد العمق الاستراتيجي " ، " تركيا دولة مركز " ، واصفا دولة المركز بأنها لا تنحصر في منطقة بعينها ، وأن لها سمات معينة أهمها الاستمرارية التاريخية ، العمق الجغرافي ، التأثير الثقافي المتبادل ، الترابط الاقتصادي المتبادل ، وهو تعبير لا علاقة له بتعبير الدولة المحورية ، الذي صاغه " بول كيندي " ولم يصنف تركيا تحت نعريفه ، فهو لم ير في تركيا دولة ينطبق عليها وصف الدولة المحورية ، الذي خلعه على مصر في الإقليم ، لكن أوجلو أضاف مصر تحت سقف توصيفه لـ" دولة مركز " جنبا إلى جنب مع عدد محدود من الدول إيران إقليميا ، وروسيا وإيطاليا وألمانيا وغيرهم على المستوى الدولي ، وإن كانت بعض السمات التي حددها هي بذاتها محل جدل في الحالة التركية ، خاصة ما يتعلق بالاستمرارية التاريخية على جانب ، وطبيعة التأثير الثقافي على الجانب الآخر ، وهما ظاهرتان فريدتان ومحسومتان في الخصوصية المصرية .
غير أن ( أوجلو ) يوصّف وضع تركيا وتوجهها بالتالي أنها دولة أوربية - آسيوية -بلقانية - قوقازية - شرق أوسطية - متوسطية ، في الوقت الذي توصّف مصر موقعها بأنها دولة عربية - أفريقية - آسيوية - شرق أوسطية - متوسطية ، ولهذا فإن هناك تداخلا كبيرا بين دوائر الأمن القومي الخاص بتركيا من منظورها ، والخاص بمصر من منظور مصر ، وهو أمر يطرح إشكاليات متباينة ، ويخلق على نحو طبيعي صيغا مختلفة للتنافس ، لكنه في الوقت ذاته ، يختلق بحكم التوجه الاستراتيجي التركي ، مساحات واسعة للصدام ، خاصة إذا كانت القواعد الراسخة للأمن القومي المصري ، تمتد بين منابع النيل والقرن الأفريقي ، حتى مضيق ملجا بين أندونيسيا وماليزيا ، أو حسب التعبير العربي القديم من ملقا إلى ملجا.
إن ذلك يبدو أكثر وضوحا في اعتراض أوجلو على فصل تركيا عن المجال الجغرافي التاريخي العثماني ، وحسب ألفاظه ذاتها ، فإنه لا مجال لتركيا كيف تقصر مجال تخطيطها وتفكيرها " الدفاعي " داخل حدودها القانونية ، وعندما تقول التخطيط والتفكير الدفاعي خارج الحدود القانونية ، فإن الحديث يبدو متلازما مع توظيف واستخدام القوة العسكرية بل هو يبدو أكثر اتساعا ومدى ، من حدود نظرية الردع .
وهو ما يبدو - أيضا - أكثر وضوحا في أسباب اعتراضه على انفصال تركيا عن المجال الجغرافي التاريخي العثماني ، فانفصالها أو ابتعادها عن بيئة الجغرافيا الثقافية للمنطقة العربية تحديدا ، والتحاقها بمحيط حضارة أخرى ، يفقدها التأثير الكافي في البيئة الجغرافية والاقتصادية للمنطقة ، قبل أن ينتهي إلى معادلة بالغة الوضوح والشفافية والدلالة ، تحدد الهدف بعد تحديد الوسيلة ، يقول منطوقها : " إن الجغرافيا الثقافية هي المدخل إلى بيئة الجغرافيا الاقتصادية الغنية في المنطقة" ، أما المعادلة الثانية الأكثر وضوحا فهي " توظيف الروابط الشرقية كسند لتعزيز التوجه الغربي "
أي أن هناك سقفا أيديولوجيا فكريا وثقافيا ، قد أسس لنفسه نظرية مجال حيوي جديد ، وهي نظرية مشبعة بنزوع إمبريالي استعماري خالص ، قد وظف الثقافة بما فيها الحضارة العربية الإسلامية - بل والإسلام نفسه - لاستثمار البيئة الاستراتيجية والاقتصادية الغنية ، في إطار هذا المجال الحيوي ، وهو يريد أن يوظف الثقافة ، بما فيها المفردات السابقة في تعزيز التوجه التركي للالتحاق بالغرب في الوقت نفسه .
لقد ظلت حسابات قوة الدولة، والعوامل الأساسية الداخلة في تشكيلها ، مشكلة ملّحة لا يمكن قياسها بوحدات القياس الكمي أو الطولي ، ولذلك صدرت عن مفكرين استراتيجيين عديدين معادلات مختلفة ومتابينة لحساب قوة الدولة ، أو القوة الاستراتيجية لها ، من بينها مثلا معادلة ثلاثية المستويات تبدأ بالأرض ( الموقع الجغرافي - المساحة - القوة البحرية ) وتنتهي بالموارد ( الموارد البشرية كما ونوعا - الموارد المادية ) وانتهاءا بقدرة العمل الجماعي على تحوبل الموارد إلى ثروات سياسية وعسكرية ، ومن بينها مثلا أن قوة الدولة = حاصل تكعيب المنتج القومي للدولة مضروبا في الجذر التربيعي لعدد سكانها ، لكن أحمد داوود أوجلو أسس معادلة جديدة لقوة الدولة ، يمكن القبول بوضعها معادلة للحسابات بين مصر وتركيا ، بل بين مصر وبقية دول الإقليم كافة ، وإذا ما وضعنا معادلة أوجلو لقوة الدولة أو القوة الاستراتيجية في معادلة من الرموز ، فقوة الدولة ( ق ) = م ث + م ت × زس × خ س × رس
حيث ( م ث ) هي معطيات القوة الثابتة المكونة من التاريخ وهي = ( التاريخ + الجغرافيا + عدد السكان + الثقافة ) ، وحيث ( م ت ) هي معطيات القوة المتغيرة ( القدرة العسكرية - الاقتصاد - التكنولوجيا ) وحيث ( زس ) = العقل الاستراتيجي و ( خ س ) = التخطيط الاستراتيجي ، و ( رس ) = الإرادة السياسية .
أي أن قوة الدولة أو القوة الاستراتيجية للدولة = حاصل جمع التاريخ والجغرافيا والسكان والثقافة مع القوة العسكرية والتكنولوجيا والاقتصاد مضروبة في العقل الاستراتيجي والتخطيط الاستراتيجي والإرادة السياسية ، حيث يمثل الجانب الأول من المعادلة القوة الكامنة ، بينما يمثل الجانب الثاني القوة الفاعلة ، التي تضاعف تأثير عوامل القوة الكامنة .
ولذلك فإن مصر حتى بمعادلات أوجلو نفسه للقوة الشاملة ، لديها رصيد هائل لا ينازع ، سواء من معطيات القوة الثابتة ، أو المتغيرة ، وأي حسابات مقارنة بين مصر وتركيا في إطار هذه المعادلات ، فإن المحصلة النهائية لصالح مصر ، بل تضع مصر بحسابات قوة الدولة أو القوة الاستراتيجية ، في الشرفة العليا فوق سلالم الإقليم ، وهو استحقاق في الواقع فوق أنه استحقاق في التاريخ .
وحتى بغض النظر عن معادلة أوجلو لحسابات القوة الاستراتيجية ، فإنني من أكثر الناس إيمانا بأن القوة الاستراتيجية للدولة المصرية ، هي الأغنى وهي الأقوى ، وهي الأكثر قدرة على المجابهة والصمود ، في كافة أشكال المبارزة الاستراتيجية التي تزرع الإقليم بالطول والعرض والعمق ، ولذلك فإن أعداء وخصوم مصر ، يفهمون جيدا أن مصير الإقليم العربي كله ، بل مصير الشرق الأوسط الكبير معلق بمصير مصر .
غير أن الحقيقة الأخرى التي ينبغي أن ننظر من خلالها ، وليس من خلال هذا اللغط الإعلامي المسطح والجهول ، أننا لسنا أمام مغامرة تركية فردية ، تمشي على قدمين عسكريتين في الفضاء ، ولكننا أمام استراتيجية مشبعة بنزوع إمبريالي استعماري ، تتحرك تحت سقف أيديولوجي بأبعاده الفكرية والثقافية والتاريخية ، تتبنى نظرية جديدة لمجال حيوي أقرب إلى المجال الحيوي للنازية القديمة ، ومع ذلك فليس ثمة تناقض بين أننا في مواجهة إمبريالية إقليمية تعمل لخدمة أيديولوجيتها ولخدمة ذاتها ، بينما تعمل في الوقت نفسه خادمة بالأجر عند استراتيجية استعمارية غربية ، في درجة متدنية من التحالف ، يعبّر عنه دورها كوكيل أمني لهذه الاستراتيجية ، على سبيل العموم ولإسرائيل على وجه الخصوص .
وللحديث بقية ...

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :