العشائر في العراق: مشاريع سياسية وبدائل عن القانون     

العشائر في العراق: مشاريع سياسية وبدائل عن القانون

جمهورية العراق الأولى ألغت عام 1958 قانون العشائر وقضت على سلطة القبيلة السياسية وحولتها إلى هيئة اجتماعية ريفية يمكن للمرء الرجوع إليها للمشورة. الفراغ السياسي الذي خلقه نظام صدام حسين أعاد للعشائر نفوذها.

يتزايد نفوذ العشائر في العراق يوما بعد آخر، فالعشائر اليوم صارت جزءا من المشهد السياسي يؤثر فيه بشكل كبير. ويجمع بعض النواب العراقيين أصواتهم عبر امتدادهم العشائري. كما تقوم بعض القوى السياسية بالكامل على تشكيلات ودواوين العشائر، ومنها على سبيل المثال مجلس إنقاذ الأنبار. بل إن العشائر تحولت في أحيان كثيرة إلى بديل عن القانون وسلطة تتحداه. فإذا دهس الإنسان شخصا فعليه أن يحل المشكلة بالفصل العشائري، وإذا أحبت فتاة شابا فقانون العشائر يمكن أن يعاقبها بالقتل لأنها أحبّت!

وفي حالات القتل - وهي كثيرة للأسف في العراق- لابد من قانون العشيرة لحماية حقوق القتيل والمتهم بالقتل. والقائمة تطول، فهل حلت العشيرة محل دولة القانون والمجتمع المتحضر؟

هي عودة غير حميدة إذن إلى أقدم تنظيم اجتماعي في التاريخ. وأسباب العودة نجدها في غياب الهيئات المدنية الحديثة التي يمكن أن تضمن للفرد حقوقه وأمنه وفي غياب القوانين وفي ضعف وفساد الأجهزة التنفيذية. ويضيف البعض إلى كل ذلك أفول ثقافة المجتمع المتحضر في البلدان التي غادرت عصور الديكتاتورية الطويلة.





"محاولات لجعل العشائر مؤسسات"

وعلى وجه العموم يحدد علم الاجتماع ثلاث وسائل أساسية فاعلة في مجال الضبط الاجتماعي هي: الدين والعرف والقانون. وحين يغيب القانون في المجتمعات المتحضرة يلجأ المجتمع إلى ضابط العرف أي القبيلة.

حميد الهاشمي الباحث في المركز الوطني البريطاني للبحوث الاجتماعية بلندن وأستاذ علم الاجتماع بالجامعة العالمية بالعاصمة البريطانية في حديث لمايكروفون برنامج العراق اليوم ذهب إلى "أن هناك توجها ظاهرا لجعل العشيرة مؤسسة بديلة عن مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة. وهكذا فقد أنشأت دائرة شؤون العشائر في وزارة الداخلية وهو أمر يؤسف له.

هذا التوجه يمكن رصده في المجالين السياسي والاجتماعي، حيث يدعم رئيس الوزراء مثلا العشائر ويزيد من اعتماده عليها، بعض القوى السياسية اعتمدت على العشائر أيام انهيار الوضع الأمني عام 2006 و2007." الهاشمي عاد واستدرك بالقول "مع كل ذلك، لا يلاحظ المرء نفوذا للعشيرة في الواقع الاجتماعي العراقي، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسة ميدانية لتحديد أبعاده، وبشكل عام وكدليل على ضعف دور العشائر سياسيا يمكننا أن نلحظ أن البرلمان مثلا يخلو من كتلة أحرزت مقاعدها باسم العشيرة الفلانية مثلا".

نفوذ العشيرة في العراق يبدأ من الريف ويصل إلى المدن، إلا أن السنوات العشرين الأخيرة شهدت حضورا ملموسا وقويا للعشائر حتى في الحواضر العراقية الكبرى مثل بغداد والموصل والبصرة، بل إن إقليم كردستان كله ما زال إلى حد كبير واقعا تحت تأثير عشائري قوي غير مرئي لكنه ملموس.

الصحفي عبد المنعم الديراوي، رئيس تحرير صحيفة شط العرب في البصرة، في حديثه لبرنامج العراق اليوم أكد هذا المفهوم مشيرا إلى "أن التصاق الفرد بالعشيرة في جنوب العراق واضح وملموس وحتمي لا يمكن الخلاص منه، بل إن هذه الظاهرة مرتبطة بمختلف المجتمعات العربية، فهي جزء من الشخصية العربية، وخير دليل على ذلك أن اثنين من المتحاورين في هذا البرنامج يعرفان نفسهما بأسماء عشيرتيهما". واستطرد الديراوي بالقول "إن النظام السابق حاول الحد من نفوذ العشيرة فشرّع قانونا يمنع استخدام وكتابة اسم العشيرة مع الاسم الشخصي في المعاملات الرسمية، لكن القانون ظلّ حبرا على ورق ولم يجر تنفيذه".



القبيلة: تنظيم مسلح يستفيد منه الساسة

ويرى البعض أن قانون العشيرة ليس قانونا جامدا، بل هو قانون متطور يراعي حاجات الزمن ومتطلبات العصور، وفي العراق لم تعد المرأة- على سبيل المثال - جزءا من الدية المتعارف عليها بين القبائل، وهذا تطور ملحوظ كما يرى عبد المنعم الديراوي.

من جانب آخر، يصف البعض القيم العشائرية بأنها قيم المجتمعات المتخلفة، مطالبا العشيرة بإنتاج مثقفين، وهذا ما لم يتحقق، وإن تحقق فالمثقف الذي تنتجه العشيرة سرعان ما يهجرها إلى مجتمعات مدنية تبتعد عن القيم القبلية. والمحصلة أن القبائل تفتقر بشكل دائم إلى مثقفين، وهو ما ذهب إليه الكاتب جاسم المطير الذي شارك في حوار برنامج العراق اليوم من مدينة أمستردام مشيرا إلى "أن الانتساب إلى العشيرة ظاهرة عامة في كل المجتمعات - العربية وغير العربية- وهذا يرتبط بالمجتمعات البدوية وشبه البدوية. والقضية هي جزء من التوجه السياسي، فهناك فترات في العمل السياسي تجبر بعض القوى السياسية أن تتبني القيم العشائرية وتعتمد عليها للبقاء في السلطة، في المقابل هناك مراحل وعهود سياسية تقلص فيها القوى السياسية دور العشيرة وتحجّمه. وما يعيشه العراق اليوم هو مرحلة لا تحمل فيها القوى السياسية فكرا وبرنامجا إستراتيجيا للتغير، لذا تعتمد هذه القوى على قوة القبيلة".

واعتبر المطير أن "صدام حسين سلك مع العشائر سبيلين: الأول حين لم يكن مسيطرا تماما على نفوذ العشائر( وفي التعريف العراقي للعشيرة أنها تنظيم اجتماعي مسلح) فأصدر قانون منع الألقاب لاحتواء قوى القبائل وتغييب نفوذها، والثاني في فترات أخرى وبعد انتفاضة 1991 حيث بدأ يعتمد على العشيرة كقوة مسلحة تخدم أغراضه، من هنا فإن تكتيكات صدام حسين كانت تقوم إلى حد كبير على الاعتماد على العشائر، الأمر الذي وسع نفوذ العشائر في المجتمع العراقي بالشكل الذي نراه اليوم".



"العشيرة باقية والأحزاب والعقائد تختفي"

حميد الهاشمي وصف العشيرة بأنها تنظيم فطري يقوم على رابطة الدم، هذا التنظيم يرثه الفرد بالولادة. فهو يجد نفسه منتسبا إلى العشيرة الفلانية ولا يختار ذلك. وهي في النهاية شبكة مصالح تعتمد في الغالب على الطرف الأقوى في تسوياتها، والخاسر دائما في التسويات العشائرية هو الطرف الأضعف. أكد هذا المفهوم إلى حد ما الشيخ كريم البيضاني في اتصال من بغداد مشيرا إلى "أن العشيرة تركيبة اجتماعية قديمة موجودة قبل الإسلام. فالعشيرة منظّمة بشكل طوعي، وأغلب البلدان العربية هي مجتمعات قبلية. والعشيرة والمرجعية الدينية هي الضوابط الثابتة في المجتمعات العربية، لأن الأنظمة السياسية تتغير والأحزاب القوية تتلاشى، أما العشائر فباقية ثابتة لا تتغير، من هنا يعتمد الفرد على هذا التنظيم الاجتماعي القوي ليضمن حقوقه، والفرد الذي يسكن المدينة يحتاج إلى رابطة العشيرة كما يحتاجها من يسكن الريف".



ملهم الملائكة

مراجعة: أحمد حسو


دوتشيه

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :