الخروج من "متاهات الوهم" ..! ماهو أسوأ من استضافة " محمد رمضان "     

الخروج من "متاهات الوهم" ..!
ماهو أسوأ من استضافة " محمد رمضان "
بقلم : أحمد عز الدين
لم يستطع عقلي أن يبتلع خبرا عن ترتيب ظهور دوريّ لـ ( يوسف زيدان ) على شاشة التليفزيون المصري ، كي يلقي أفكاره الملوثة وطنيا ، على جمهور مصري / يفتش فيما يُلقى عليه أو يتلقاه ، عن خشبة طافية يتعلق بها ، في مهبّ عاصفة ، ومصبّ زلزال ، فمن ذا الذي يعمد إلى أن يصنع من شاشة وطنية ، منبراً لازدراء وتحقير ونفي مُسلمات وطنية ، هي الأكثر استقرارا ورسوخا في العقل والوجدان المصري .
لكنني قلت لنفسي ، ربما في كواليس هذا الظهور شئ لا نراه ، يمكن أن يكون متلامسا مع المصلحة الوطنية ، أو ربما أن في هذا الظهور في مواجهة الناس شيئا خافيا ينفع الناس ، وهكذا ندبت نفسي للبحث في هذا الشئ الخفيّ ، ساعيا إلى أن أمسك به لو كان موجودا ، كي يرتاح ما ارتج في داخلي .
لقد قلت لنفسي – أولا – أليس من الحكمة أن يُسمع لتيار فكري مهما خفّ وزنه ، واضمحل حجمه ، بأن يطلّ على الناس ، ليعبّر عن نفسه ، في مواجهة تيارات فكرية أصيلة وعميقة وعريضة ، مادامت النتيجة محسومة لغير صالحه ، ومادام دوره لن يمثّل أكثر من منشّط في حقل الفكر والثقافة ، أقرب ما يكون إلى أن يلعب دور التلقيح بالميكروبات المضادة ، التي من شأنها أن تستثير كافة الكرات الوطنية البيضاء ، وأن تدفعها دفعا إلى مواجهة لابد أن يكون منتوجها هو زيادة المناعة الوطنية .
لكن الإجابة عندي لم تتسع لشئ من ذلك ، ذلك أننا أمام ساحة فكرية تكاد أن تكون خاوية كفؤاد أم موسى ، وأمام فراغ فكري شديد الوطأة ، يمكن لخفافيش الظلام وهوامه أن تتخذ منه مسكنا ، وأن تتوالد فيه بالتالي ، حتى لا يصير في الفضاء غيرها ، فتستقوى به عمّا عداها ، وفي هذا الخواء فإن صدى الإبرة الصدئة ، يمكن أن يمثّل زعيق نفير ، ونعيق الغراب يمكن أن يعطي رجع زئير ، وفي الجدب الفكري العام ، ما يعين هشيم القشّ ، على أن ينبت حقولا ، لن يكون حصادها إلا أكوام قشّ ، تذروها الرياح أشواكا في عيون الناس ، ثم أننا لسنا أمام تيار فكري أو ثقافي أيا كانت سماته أو ملامحه أو مناهجه ، بل ولسنا أمام خط فكري ، وإنما أمام خطأ فكري – أو قل خطيئة – يمثل جنوحا حادا ، ولذلك تبدو علّته في أنه لا يمثل إلا شخص صاحبه ، ولا يعبّر إلا عن تورّم واعتلال ذاتي مغلق على ذاته .
وفي النهاية فإننا لسنا بصدد تنشيط للفكر ، وإنما بصدد اعتلاله ، ولسنا بصدد تلقيح يقوي المناعة الوطنية ، وإنما بصدد جراثيم خالصة ، من شأنها أن تفعل فعلها الهدّام في هذه المناعة .
ولقد قلت لنفسي – ثانيا – أليس مشروعا في عمل الحكومات أنه كلما أحست بوطأة الأوضاع وثقلها على أكتاف وعقول الناس ، أن تأخذهم قليلا بعيدا عنها ، وأن ترمي بين صفوفهم بمسألة أو قضية ، تستقطب جانبا من اهتمامهم ، وبالتالي تخفض من درجة استقطابهم الساخن ، تجاه ما يعتريهم ويشغل بالهم ، ألا يُعدّ ذلك توجها مشروعا للتنفيس والتهدئة ، ومع ظني أن ذلك من قبيل الممكن والمتاح ، لكن هذا الظهور لا يمثل تنفيسا ، ولن ينتج تهدئة ، ذلك أنه في ذاته بمثابة توليد مزيد من الضغوط والأعباء ، خاصة في ظلّها الثقيل فكريا ونفسيا ، فإن كانت الصورة العامة التي تنتج خبز الصمود والمقاومة والتحمل ، الذي يقتاته الناس في مواجهة الأخطار الحقيقية ، التي تستهدف وطنهم ، تتشكل مفرداتها من تاريخهم وجيشهم وأبطالهم وعقيدتهم الوطنية ، ثم تصادمت معها صورة أخرى تتشكل من مفردات هجينة ، تسعى إلى إقناعهم بأن تاريخهم زائف ، أو أبطالهم من ورق ، وجيشهم من زجاج ، وأن المقاومة والصمود لم يجرّ عليهم غير الخراب والفقر والهزائم ، وإذا تم حشر الناس بين هاتين الصورتين المتناقضتين ، فإن النتيجة لن تكون تنفيسا ولا تهدئة ، وإنما نشر أعواد ثقاب في أكوام من الحطب .
ولقد قلت لنفسي – ثالثا- أن الكاتب بما يطرحه من أفكار ، أيا كانت زيفا أو افتراءأً على التاريخ الوطني ، وعلى الذاكرة القومية ، لم يعدم من يحتفي به ، ويحيطه بهالة من التقدير ، ويقيم له الندوات واللقاءات في دول جوار بعينها ، وبالتالي فإن إضفاء طابع من القبول الإعلامي به في مصر ، قد يكون من شأنه أن يفتح جسورا أوسع لتفاهمات قد تكون مطلوبة في هذا الوقت بالذات ، لأن تأكيد حضوره على شاشات التليفزيون الوطني ، يعني أن هذه الأفكار ، وإن لم تكن في موضع قبول ، فهي ليست في موضع حصار أو مصادرة.
لكنني لم أجد في هذا الحقل الحجري ، ما يمكن أن يكون قابلا للإنبات ، إذ كيف يمكن لنفي التاريخ الوطني ، ورمي وجود البطولة فيه بالأحجار ، وتشويه وجوه المحاربين العظام ، وتحقير معاركه وثوراته ، أن يكون سبيلا لكي تتقارب الجسور المغلقة في فضاء الإقليم ، ثم أننا بذلك أمام سابقة غير مسبوقة ، لأنه ليس في تاريخنا أو وجوه محاربينا ، أو معاركنا أو ثوراتنا ، ما يستوجب خجلا ، أو نكوصا ، أو اعتذارا ، أو مراجعة ، بل ليس في تاريخ المصريين كله ما يمكن أن يُتبرءوا منه ، أو يشيحوا بوجوههم بعيدا عنه ، بل إن ما يستوجب الخجل بالمقابل ، أن زوائد دودية في جسم الإقليم ، عمرها أقل من عمر نخلة على ضفاف النيل ، تؤلف بالباطل لها تاريخا ، وتضع من أكوام رمال سائبة ، صروحا كأنها إشارات إلى تاريخ لم يكن يوما ، ولم يقم للحظة واحدة ، بينما يسعى أبناء التاريخ ، وصناع الحضارة ، وأقدم المحاربين ، إلى أن يدفعوا بصوت زائف ، كي يقوم خطيبا بينهم ، ليوزع أسلحة الاستسلام عليهم ، منكرا وجاحدا ، استحقاقهم التاريخي .
كان ذلك ما حاولت رصده من أسباب ، دون أن أتجاوزها ، فليس معقولا أن أتصور أن هناك من يدفع في اتجاه إعادة صياغة الوعي الوطني على نحو مقلوب ، فهو أمر فوق التوقع أو التصور أو الاحتمال ، خاصة وأن متاهات الوهم التي تسجل رؤية الكاتب ، لا تشكل إلا قائمة اتهامات مرسلة للتاريخ الوطني ، بجيوشه وعقوله ومقاتليه ، وأمواجه الوطنية العالية ، فالعسكريين عنده هم سبب خراب الدنيا منذ أن شبّ التاريخ طفلا في وادي النيل ، ورموز الدولة المصرية من مبناها إلى معناها ، أو قل من أحمس إلى عبد الناصر ، ليسوا إلا نجوما من الوهم ، أما الخيمة الكبرى للأسطورة التي تنشر أركانها فوق مصر ، فهي أنها مستهدفة ، بينما لا تستحق أن تكون هدفا لأحد ، أليس في ذلك كله ، ما يشكل امتهانا متدنيا للتاريخ الوطني ، وازدراءا للوطنية المصرية ، وتحقيرا لمدرسة العسكرية المصرية ؟!
ثمة خط بعيد أدوّنه مكرها ، لأنه يعني أن خيوطا بعينها تتجمع عن قصد ولهدف ، فقبل عقدين تقريبا ، تواترت معلومات عن أن د. مراد وهبة ، قد أصبح عضوا بارزا في المحفل الإسرائيلي للفلسفة ، فقد عُرضت عليه العضوية فقبلها وانخرط فيها ، ثم وجدت نفسي بلا مقدمات طرفا في حوار مباشر معه على شاشة التليفزيون المصري لساعة كاملة ، وهو حوار مسجّل وموجود ، كان أهم مفرداته تدور حول مفاهيم بعينها : المقاومة والإرهاب ، الأصولية والسلفية ، المجتمع المكشوف والمجتمع المفتوح ، والتعبير الأخير كان عنوانا لكتاب ( كارل بوبر ) الذي يشكل قاعدة كبيرة في عقيدة الدكتور ، وفي صباح اليوم التالي تلقيت رسالة شفوية من العقل الإستراتيجي الأول المحترم في الدولة المصرية ، كان جانبا من نصها يقول تقريبا : " شكرا .. لقد علمنا من هو المفكر ومن هو المدّعي " .
بعد أكثر من عقدين من الزمن هناك من أعاد التنقيب عن الدكتور ، ورفعه ، ووضعه على مقعد المفكر الأكبر ، وأستاذ الفلسفة الأوحد ..!
ماذا أقول ؟!
إن جسم الإستراتيجية الوطنية سليم ، ولكن وضع التكتيك في تناقض معها ، يضعفها ، ويشكل عبئا عليها .!



 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :