عن حسن البنا والملك فاروق : وقائع التحالف والصدام والدم ..!     

عن حسن البنا والملك فاروق :
وقائع التحالف والصدام والدم ..!
بقلم : أحمد عز الدين
أصابتني دهشة مضاعفة ، عندما سمعت الأستاذ " نشأت الديهي " وهو يطلّ من شاشة قناة (Ten) متحدثا عن اغتيال ( حسن البنا ) مؤكدا أن التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين هو الذي قام باغتياله ، معلّلا ذلك بأن ( البنا ) كان متجها إلى الكشف عن المعلومات الخاصة بالتنظيم السري إلى الحكومة ، في أعقاب اغتيال ( النقراشي ) .
أما أسباب الدهشة المضاعفة فيعود إلى ما يلي :
أولا : أن قناة مصرية أخرى هي ( dmc ) استضافت صحفيا استبق ما قاله " الديهي " بأيام ، مؤكدا التفسير ذاته لواقعة الاغتيال ، مما يعني أن الأمر إما أنه يعكس توجها مقصودا ، ممن يديرون الإعلام ، وإما أنه يعكس غفلة عن الحقيقة التاريخية .
ثانيا : إن تفسير اغتيال ( البنا ) على يد التنظيم السري للإخوان ، إما أنه يتضمن تبرئة للرجل ، من الدماء التي سفكتها الجماعة ، ومن التنظيم السري الذي أنشأه وارتبط به ، وبالتالي فقد خرج المؤسس عن عقيدة الجماعة التي أسسها ، وهو كذب سافر على تاريخ الرجل وتاريخ الجماعة معا ، وإما أنه محاولة للتغطية على النظام السياسي الذي كان قائما وعمد إلى اغتيال البنا ، وقد كان على رأسه الملك فاروق ، وهو ما ينسحب على التغطية على ما يتصور أنه دور للبوليس المصري في ذلك ، مع العلم أن البوليس المصري لم يتم البدء في تمصيره جزئيا إلا في شهر يونيو عام 1946 ، فقد كان خاضعا تنظيما وقيادة وتوجها للبريطانيين .
ثالثا: المقطوع به تاريخيا ، وبحكم الوثائق البريطانية ذاتها ، أن صاحب قرار اغتيال ( البنا ) هو الملك فاروق شخصيا ، ووفقا للوثيقة التي أرسلها السفير البريطاني إلى الخارجية البريطانية ، كمستخلص للقائه بالملك فاروق ( بتاريخ 3 مارس 1949 ) ، أن الملك فاروق اعترف له بأن مقتل ( البنا ) كان انتقاما لمقتل ( النقراشي ) ، وقد أضاف السفير في رسالته سببا آخر ، هو" أن ( البنا ) لم يستجب لتهديد بالقتل إذا لم يرشد الحكومة عن مخازن السلاح الخاصة بالجماعة " ، أي أن الرجل ظل حتى لفظ أنفاسه مخلصا لعقيدته وللجماعة وللتنظيم السري ، ومخازن أسلحته .
رابعا : إن تزوير التاريخ أو الجهل به ، لا يصح أن يكون سلاحا في السياسة ، وفي كل الأحوال ، تلك صورة دقيقة لتطور العلاقة بين الإخوان عموما ، والبنا خصوصا على جانب ، والملك فاروق شخصيا على الجانب الآخر ، وهي صورة تتضمن طبيعة ذلك التحول الفاجع من التحالف إلى القتل .
*****
نمت جماعة الإخوان المسلمين في سنوات الحرب العالمية الثانية خلال تحالفها مع الوفد، مرات عدة ولكنها بمجرد سقوط الوزارة الوفدية بادرت بالانعطاف إلى وجهتها القديمة، القصر الملكي، وتم ذلك على نحو كامل وبسعی حثيث من جانبها.
إن الملك فاروق نفسه هو الذي أخذ يهدئ من قلق السفير البريطاني "وفق تقريره 16/11/1944" بأنه على صلة وثيقة بالجماعة وأنها منتشرة بالفعل ولكنها لا تتدخل في السياسة «وكان قد أوقف معوناتها المالية بعد تحالفها مع الوفد قبل ذلك بشهور".
أما فلسفة القصر في ذلك التحالف، فكانت هي نفسها فلسفة الوفد وهي فلسفة من قبله، ومن بعده ومن قبلهم ومن بعدهم دون تبديل:
 طرد بقية القوى السياسية من مفاصل العمل السياسي والوطني العام.
 بقاء المعادلات الاجتماعية على حالها دون تغيير.
مرة ثانية وبعد ذلك بعام كامل فإن وكيل وزارة الداخلية المصرية (حسن رفعت) هو الذي يهدئ من قلق المستشار الشرقي للسفارة البريطانية (9/11/1945) على نمو نفوذ الإخوان بتحالف القصر معهم قائلاً: "ليس هناك ضرر من أن يعطى فاروق لهم بعض التشجيع، فهم أحسن أداة لمحاربة الشيوعية " ،وبهذا المعنى كان عبد الرحمن عمار وكيل الداخلية أيضًا، وصاحب مذكرة حل الجماعة، وكبير المشاركين بالتخطيط في اغتيال الشيخ البنا‘‘ يحضر اجتماعات الإخوان المسلمين عام 1944- وفق شهادته - بغرض (تشجيعهم).
يذكر أنور السادات أن الشيخ البنا أفصح له بعد خروجه من المعتقل عن أن المتاعب تأتي من ناحيتين: ناحية الملك وناحية الأجانب، وإن الأجانب يمكن أن يطمئنوا إلى الحركة لو اطمأن إليها الملك.
يقول السادات: "ونظر في عيني طويلاً وهو يقول: أنا أستطيع أن أكسب طمأنينة الملك لو تقابلت معه قبل أن يضيف: "أنت تعرف يوسف رشاد؟"
قال السادات: نعم أعرفه وبيني وبينه صداقة كبيرة ومودة.
وذهب السادات وأقنع يوسف رشاد بأن يهيئ للبنا فرصة لقاء مع الملك، ولم يتأخر يوسف رشاد ففاتح الملك تليفونيًا، ولكن الملك قاطعه وشوش عليه، وعندما لقيه بادره بالقول:
"كيف تكلمنى تليفونيًا في أمر كهذا ألم تعرف أن حسن رفعت يراقب التليفونات؟!
لكن فاروق عاد وطلب من يوسف رشاد الإتصال بحسن البنا والاستماع إليه، فالتقى به وتحدث معه ثلاث ساعات كاملة وخرج مقتنعًا بخلوص نية البنا نحو الملك ولكنه عندما أبلغ الملك بذلك ضحك وقال له: "حسن البنا ضحك عليك"!
غير أن تجسيد العلاقة بين الملك والإخوان لم يتأخر رغم ذلك، فقد سمحت السلطات للإخوان (سبتمبر 1945) بعقد المؤتمر العام لنواب الأقاليم في الوقت الذي تم فيه منع جميع المؤتمرات والاجتماعات لغيرهم في القاهرة والأقاليم. ومع ازدياد انحسار التأييد الشعبي للملك، ووضوح ذلك في الأوساط الطلابية ازداد جسر القصر الملكي مع الإخوان اتساعا وعمقاحتى إن الملك بعث برسول من لدنه إلى حسن البنا ليستشيره في أمر مجئ اسماعيل صدقي رئيسا للوزراء وعاد الرسول وهو يبشر بموافقة المرشد التامة على الاختيار.
واندفع التأييد الإخواني لوزارة صدقي حتى استخدمت آيات من القرآن الكريم في بث الدعاية لحكمه الدموي وقد ذهب رئيس الوزراء إلى المركز العام للإخوان المسلمين وترك بطاقة في اليوم التالى لتأليف الوزارة وسرعان ما رد حسن البنا له الزيارة وأصبح التأييد قويًا ومشتركًا فقد دعى البنا إلى إحدى الولائم بالقصر ولكن الدعوة تضمنت الحضور بالردنجوت فاعتذر "لأنه - حسب نص كلامه - ليس لديه مال يمكنه من شراء الردنجوت" ورغم شیوع أن أول مقابلة للملك كانت مع الهضيبي فإن د. لطيفة محمد سالم تلتقط تقريرا بريطانيا (عن شهر ديسمبر 1946) يشير إلى أن لقاءًا قد تم بين الملك وبين الشيخ البنا في هذا التوقيت ولكن بشكل سري وكان تقرير السفارة البريطانية - كما تضيف دراسة د. لطيفة – يؤكد أن "سياسة القصر تعرضه لوضع خطير فقد أصبح وحكومته يرتكزان على الإخوان الذين زادت قوتهم بشكل كبير".
كان الإخوان يشعرون بأن أشرعتهم وحدهم هي الملأى برياح قوية ... وأنهم أصبحوا قادرين على الإبحار بها بعيدًا، وقد ترجموا ذلك إلى سلوك.
في بداية عام 1948 أرسل حسن البنا عريضة إلى الملك يتعجل إقالة النقراشی ثم أعقب ذلك قيام شابين من الإخوان باغتيال المستشار الخازندار رئيس محكمة الجنايات ( ۲ مارس 1948 ) والذي حكم في قضية القنابل ولم يكن المتهمون فيها ينتمون إلى الإخوان وكان ذلك يعني أنهم نصبوا من أنفسهم قاضيًا عامًا وضميرًا عامًا للمجتمع وأداة - أيضًا - لتنفيذ أحكامه.
وحين زج بالجيش المصري في حرب فلسطين كتب الإخوان أنها أظهرت وطنية الملك المفدى في أجلى صورة، فقد كللت معركة فلسطين هامته بفخار تزهو به مصر، ويباهي به التاريخ."
ومع أن الإخوان اختاروا أن يدفعوا إلى جبهات القتال بعناصر ليست ضمن قوتهم الأساسية المدربة. إلا أن القتال في فلسطين قد لعب في النصف الثاني من الأربعينيات ما لعبه القتال في أفغانستان خلال الثمانينات. "يضاف إلى ذلك أن الحكومة تركت لهم معسكرا مفتوحا للتدريب العسكري في منطقة حلوان ولم يكشف النقاب عن هذا إلا في أوراق ملف اغتيال النقراشي بعد ذلك".
وعندما كان الجيش المصري مازال ينزف تحت أشكال مختلفة من الإبادة والحصار في فلسطين كان الإخوان يلعبون في القاهرة والإسكندرية لعبة "مصائد القنابل" ترويعًا أو تركيعًا للجميع، حيث "صار الناس لا يأمنون على أنفسهم في غدوهم ورواحهم من أن تقصف بالجالس أو الراكب منهم قنبلة أو رصاصة من مسدس، أو سقف ينهار عليه في أية لحظة من نهار أو ليل"!
ووصل إشعاع الخوف الزاحف إلى الملك نفسه حيث شددت عليه الحراسة، وتسلح بمسدس - كما يقول جلال الحمامصي - ليدرأ عن نفسه الخطر، وترددت في ساحة القصر الملكي وتحت قبة مجلس الوزراء أفكار لمواجهة الجماعة التي تحولت فعليًا إلى دولة داخل الدولة. وكان من بينها حل الجماعة والاستيلاء على أسلحتها وتشريد أعضائها وكان هناك من يتنصت للجماعة فقد وصلت الأخبار إلى المرشد العام ولجأ إلى مرتضی المراغي (مدير الأمن) وطلب منه أن يتجاوز رئيس الوزراء، وأن ينقل إلى الملك مباشرة رسالة طمأنه بأن الإخوان لا يريدون به شرًا وأنهم ليسوا قوامين عليه وعرض مدير الأمن الأمر على رئيس الوزارة وطلب منه النقراشى ألا يقوم بتوصيل الرسالة إلى الملك، وفي أول يوم لافتتاح الدراسة بالجامعات أطلق الإخوان شغبًا مسلحًا وألقيت على حكمدار العاصمة سلیم زكی قنبلة أودت بحياته (4/12/1948 )بعدها بيومين شب شغب آخر في المدرسة الخديوية وهرع الضباط فواجهتهم قنابل الطلاب فأصيب سبعة ضباط وسبعة جنود، وبعد يومين( 8/12 )صدر أمر عسكري بحل جماعة الإخوان المسلمين وشعبها وضبط أوراقها ووثائقها وأسلحتها لأنها "انحرفت عن أهدافها الدينية والاجتماعية التي تأسست من أجلها واتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها ...".
وهرع الشيخ البنا مرة ثانية إلى كریم ثابت وطلب وساطته لدى الملك لأن الإخوان عون للملك في مقاومة الشيوعية والأفكار الهدامة ووفق مذكرات كريم ثابت فقد عرض الشيخ البنا صفقة تتضمن إلغاء قرار حل الجماعة مقابل إعلان منه بأن الإخوان لن يشتغلوا بالسياسة بتاتا "وقد عد اشتغالهم بها في لقائه مع كريم ثابت مصدر الخطأ" وعندما ذهب كریم ثابت ليحادث الملك وجده في شدة الغضب فقد أخرج من الأدراج نتيجة من (نتائج الحائط) التي تطبعها الحكومة ومنزوع منها صورته، وملصق مكانها صورة المرشد العام وعلق قائلاً:
"إنها صورة الملك الجديد" وبعد عشرين يومًا من قرار حل الجماعة، وفي العاشرة صباح الثلاثاء ۲۸ ديسمبر سقط النقراشي رئيس الوزراء برصاصتين أطلقهما عليه الطالب الإخواني عبد المجيد حسن داخل مبنى وزارة الداخلية ليكون وقع الفعل شاهدا بسلطانهم معلنًا عن قوتهم وليحمل من معنى التحدي للسلطات والاستهانة بها وإسقاط هيبتها، ما يعيد للجماعة منزلتها التي عسف بها أمر الحل..".
وكان هناك – أيضًا – (مفتي للدماء) فقد ضبطت ضمن أوراق القضية فتوى تقول: "علينا ألا نتردد في الاستعانة بسنة رسول الله في اغتيال أعدائه ... ولم يقتصر الرسول على اغتيال الرجال فحسب بل امتد إلى كل امرأة عنيدة خطيرة على أمن الناسن وسلامتهم!"
وتدفقت اعترافات المتهم بعد أن أصدر الشيخ البنا بيانًا نفي فيه ما يعلمه عن الجريمة وأنه يبرأ منها ومن مرتكبها، وقال القاتل عقب قراءته للبيان "أردت أن أعلن جميع أفراد النظام الخاص بأنه قد غرر بنا جميعا ولست أنا وحدي".
وتصرفت الدولة هي الأخرى كقاتل مأجور فبعد عيد ميلاد الملك بيوم واحد( 12/2/1949 )أطلق مخبرون سريون تحت إشراف ضابط برتبة أميرالاي النار على الشيخ حسن البنا تنفيذا لخطة وضعها عبد الرحمن عمار بتعليمات مباشرة من القصر الملكي.
ووفق الوثائق البريطانية فقد اعترف فاروق في حديثه مع السفير البريطانی (۲ مارس 1949 ) بأن مقتل البنا كان انتقامًا لمقتل النقراشي بينما ذكر السفير البريطاني أن البنا لم يستجب لتهديد بالقتل إذا لم يرشد الحكومة عن مخازن السلاح الخاصة بالجماعة".
لم تكن عاصفة القلق قد هدأت، فعندما قابل فاروق اللورد دوجلاس (يناير 1949) أسر إليه أنه ينتظر محاولة انقلاب وجدد له توقيتها المتوقع بين اليوم الثامن عشر والحادی والثلاثين من الشهر نفسه، مؤكدًا أن اغتياله هو شخصيًا سيكون مدخلاً إلى هذا الانقلاب وحين استفسر دوجلاس أخبره الملك أن المؤامرة قد تم كشفها بالفعل وقد قبض على عدد من أفرادها ولكنه مازال يتوقع محاولة الاعتداء على حياته بالرغم من ذلك ويبدو أن الملك كان يتحدث عن جانب من وثائق قضية السيارة الجيب التي تم ضبطها بطريق المصادفة وقادت إلى الكشف عن جانب من أسرار الجهاز السري وخططه المستقبلية.
: وليس ثمة إشارة إلى أن محاولة لاغتيال الملك قد وقعت ولكن جرت أكثر من محاولة أخرى لتنفيذ عمليات اغتيال كان بعضها من نصيب رئيس الوزراء الجديد إبراهيم عبد الهادي وبعضها من نصيب رئيس مجلس النواب ثم تفككت تحالفات وانعقدت تحالفات، غير أن حمام الدم لم يقدر له أن يتوقف.

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :