بعيدا عن جهل ( أديب ) وأكاذيب ( كوشنر) : أي فرص بددها العرب عام 1948 ؟!!     

بعيدا عن جهل ( أديب ) وأكاذيب ( كوشنر) :
أي فرص بددها العرب عام 1948 ؟!!
بقلم : أحمد عز الدين

(1)
كان عام 1948 - بحق - هو عام المفاجآت العربية ولم تكن هذه المفاجآت مما تفصح عنه الغيوب فجأة، وكأنه يتنزل من المجهول ولكنها كانت مجرد انقلاب في نتائج الحسابات يحول التوقيع من ضفة إلى ضفة، ومن نقيض إلى نقيض.
كان العرب ينتظرون من الولايات المتحدة الأمريكية - وقد أخذت تلوح بأعلام الحرية عاليًا - أن تقف في موضع أنصاف من حقوقهم بل وإن تثقل موازينهم في مواجهة الاستعمار البريطاني، ولكن الرئيس (ترومان) وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطاب مفتوح يعلن أن بلاده تنظر إلى مقترحات اللجنة التي أشارت بتقسيم فلسطين بعين التقدير والاعتبار.
وبدا أن الأمر ينطوي على مفاجأة ...
وكان العرب يتوقعون من الاتحاد السوفيتي أن يأخذ موقفًا مناهضًا لموقف أمريكا الاعتبارات تتعلق بالتناقض بين الإرادتين وبأبجديات الصراع في المنطقة ثم وقف مندوب الاتحاد السوفيتي أمام الأمم المتحدة يؤيد صراحة تقرير لجنة تقسيم فلسطين ويتطابق مع أمريكا.
وبدا أن الأمر - للمرة الثانية - ينطوي على مفاجأة. وكان العرب ينتظرون من بريطانيا العظمى التي اقتسموا معها شظايا الحرب ومخاطرها وفتحوا صدورهم أعماقا لها ولحلفائها أن تحترم وعدا قطعته على نفسها بألا تميل في قضية فلسطين إلى جانب وألا تفرض على العرب ما لا يرضون أو يطيقون ثم أعلنت بريطانيا العظمی دون مقدمات أنها قررت إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 15/5/1948 وأنها ستسحب قواتها في أمد أقصاه هذا التاريخ.
وبدا أن الأمر - للمرة الثالثة ينطوي على مفاجأة واستبصر بعض العرب جانبًا من المخاطر فسعوا دبلوماسيًا حتى اطمأنوا إلى أن مشروع تقسيم فلسطين لن يحظى بثلثی أصوات الجمعية العامة للأمم المتحدة وحين قدموا مشروعا لرفض التقسيم، وجلسوا يعدون الأصوات لم يستطع مشروعهم أن يحصل على ثلاث أصوات الجمعية العامة.
وبدا أن الأمر - للمرة الرابعة ينطوي على مفاجأة.
وحين احتدم الصدام بين اليهود . والعرب كانت هناك قناعة عربية عامة بأن العرب يرسلون الرجال تطوعا ومعهم السلاح أما الجيوش العربية فليس هناك حاجة للزج بها في دائرة الصدام. ثم ارتفعت نبرة المذياع العربي حد الالتهاب دون مقدمات لتعلن عن دخول الجيوش العربية إلى فلسطين "لطرد العصابات الصهيونية" قبيل ساعات من انسحاب بريطانيا.
وبدا الأمر - للمرة الخامسة - ينطوي على مفاجأة.
ولم يكن ثمة خلاف على أن النصر سيجيء أو حتى على طبيعة هذا النصر القادم فسوف تتحرر فلسطين ولن تقوم لدولة اليهود قائمة، كان الخلاف فقط على حسابات الوقت . الذي يحتاجه ذلك وكان المتفائلون يعدونه بالأيام، والمتشائمون بالأسابيع.
وجاءت الهزيمة نازفة ومثخنة بالجراح ... وبدا أن الأمر - للمرة السادسة - ينطوي على مفاجأة ولكنها كانت قمة المفاجآت حتى لكأن المفاجآت السابقة كلها لم تكن سوى درجات سلم يقود إلى تلك الأخيرة المفزعة.
(2)
أو كان الأمر فقط في كل الحالات السابقة مجرد خطأ في الحساب ينتهي إلى نتيجة هي عكس التوقع ونقيضه أهي مجرد غفلة؟ أم أن حدودها أكبر من ذلك؟ على مائدة غداء في مطعم (ليك سكس بنيويورك جلس (هكتور ماكنيل) و(كريتش جونز) وزيرًا للدولة والمستعمرات البريطانيين - وحولهما بقية ممثلي الدول العربية في لجنة فلسطين بالأمم المتحدة.
كانت بريطانيا قد أعلنت صباح اليوم نفسه داخل الاجتماع قرار إنهاء انتدابها وسحب قواتها من فلسطين ثم دعت الوفود العربية لتحسب النتائج وتقيس ردود الأفعال.
وبدأ الأمير فيصل الحديث قائلا: ألا تشعر بريطانيا بأن عليها تبعة عن تطور الأحوال في فلسطين، وأن عليها واجبنا نحو العرب لا يتفق وهذا التخلي؟!
وتدخل نوري السعيد قائلاً: إن إنشاء دولة صهيونية في فلسطين أمر غير مستطاع ولن تبقى هذه الدولة غير خمسة عشر يوما، وتدخل الأمير فيصل مصححا الرقم إلى سنتين ثم تدخل مستر جونز ليصحح الرقم إلى خمس سنين واستمر الحديث على هذا النحو من التنبؤ بمقدرة دولة صهيونية تنشأ في فلسطين على البقاء حتى انتهى الطعام، وانتهت الدعوة. ولم يكن تدخل الجيوش العربية ممكنا بدون أن يتدخل الجيش المصرى بينما كانت مصر قد قررت عدم الزج بالجيش النظامي في الحرب وأبلغت الدول العربية بذلك وبدا النقراشي في اجتماع اللجنة السياسية للجامعة العربية في بيروت أشد المسؤولين العرب حماسًا لعدم اشتراك الجيوش الرسمية في القتال والاستعاضة عن ذلك بمتطوعين مدربين ومسلحين وعلى الجانب الداخلي كمان (النقراشي) كما يؤكد حسين هيكل؛ مصرًا على ألا يلجأ للقوة المسلحة حتى لا يدفع الجيش المصري إلى حيث تكون القوات البريطانية المرابطة في منطقة قناة السويس وراء ظهره بل كان توجيه الحكومة المصرية لمندوب مصر الدائم في الأمم المتحدة د. محمد فوزى حسب وثائق الخارجية المصري 18/2/1948 بالنص: "إن الحرب الأهلية في فلسطين تشتد يومًا بعد يوم فإذا تدخلت أية قوة أجنبية في النزاع فإن دول الجامعة تتدخل فيه هي الأخرى بكل وسائلها العسكرية والاقتصادية. وظل القرار العربي حتى يوم ۱۱ مایو 1948 يعبر عن نفسه في إطار قناعة بأن قوات المتطوعين العرب كافية لمنع قرار التقسيم.
(3)
في صباح يوم ۱۲ مایو دخل محمود النقراشي رئيس الوزراء على د. حسين هيكل رئيس مجلس الشيوخ حيث جرى بينهما الحوار التالي:
رئيس الوزراء: نريد عقد جلسة سرية للمجلس كی تعرض الحكومة عليها قرارها بدخول القوات المصرية إلى فلسطين لقتال اليهود.
رئيس المجلس (وقد تولته الدهشة): وهل الدول العربية كلها متفقة على هذا؟
رئيس الوزراء: نعم.
رئيس المجلس: وهل لدى جيشنا من العتاد الحربي ما يكفي حرب الميدان لمدة ثلاثة أشهر على الأقل؟
رئيس الوزراء: نعم لديه، وأكثر من ثلاثة أشهر.
رئيس المجلس: وما عسى أن يكون موقف إنجلترا من هذا الأمر؟ وهل اتفقتم معها على خطة؟
رئيس الوزراء: انجلترا لا تعارض وأنا مطمئن لها وإن كنت لا أخفي عليك أنها قادرة إذا رأت أن تقف منا موقفها في (موقعة) نافارین.
رئيس المجلس: إذن فيطلب أحد أعضاء الحكومة في المجلس الجلسة السرية.
رئيس الوزراء: من الأكرم أن تطلب الحكومة هذه الجلسة السرية، وانعقدت الجلسة السرية في 13/4/1948 لمناقشة موضوع دخول الجيش المصري فلسطين، بينما كانت قوات الجيش قد اجتازت الحدود المصرية بالفعل بأوامر مباشرة من الملك دون علم رئیس الوزراء ودون انتظار لقرار البرلمان.
وكانت مصر قد حركت في بداية الأزمة مجموعة لواء - ثلاثة آلاف جندی - إلى العريش وتم حشدها في مظاهرة عسكرية واضحة ربما قصد بها التأثير النفسي.
وأكد رئيس الوزراء في الجلسة السرية - حسب شهادة رئيس مجلس الشيوخ – إن مصر على أتم استعداد لمواجهة الموقف وإنها ستنتصر على اليهود لا محالة وتمنع بذلك قيام الدولة اليهودية.
وتدخل بعض أعضاء اللجنة محذرين من أن المسئولية جسيمة وإنه بذلك يدفع المجلس إلى اتخاذ القرار وذكر بعضهم أن عتاد الجيش ليس بالقدر الذي يخوض به معارك في الميدان ولكن رئيس الوزراء نفي كل سبب للتردد وأكد أن لديه العتاد والقوات وكل ما تقتضيه الحرب. مستعيدا فيما يظهر تأكيدات وزير الحربية حيدر باشا أمام مجلس الوزراء حيث أعلن المجلس أن الجيش المصرى وحده بجنوده وعتاده قادر من غير حاجة إلى أية معونة من الدول العربية الأخرى على أن يدخل تل أبيب عاصمة اليهود في خمسة عشر يوما وإذا كان اسماعيل صدقي في هذه الجلسة هو أكثر المعارضين لدخول الجيش المصرى الحرب مستندا على رؤية قريبة له كرئيس وزراء سابق (1946) تؤكد نقص العتاد والأسلحة التي يحتاجها الجيش المصري لخوض القتال فإن فؤاد سراج الدين وقد حضر الجلسة كممثل للمعارضة الوفدية - كان أكثر المتحمسين - خارج صوف الحكومة - الدخول الجيش المصرى الحرب، بل بلغت حدة رده على رئيس الوزراء السابق أن انسحب من الجلسة وبعدها أعلن ممثل الوفد التأييد الحار لقرار الوزارة بدفع الجيش إلى ميدان القتال.
(4)
ترى ما الذي تغير خلال أيام معدودات أو حتى ساعات ليتغير القرار المصري والعربي على هذا النحو؟
إن رئيس مجلس النواب نفسه وهو يبحث عن تفسير لاستحصال رئيس الوزراء على موافقة البرلمان لمجلسيه على إعلان الحرب على إسرائيل بعد أن عرض عليه معلومات غیر دقيقة قد انتهى إلى أحد أمرين:
إن رئيس الوزراء أراد بذلك تغطية الملك أو أنه أراد بذلك اعتبارات أخرى تتعلق بالوضع الداخلي في البلاد الذي يدعو إلى كثير من القلق ومن الحذر ومن التفكير.
ولكن ما رآه رئيس مجلس الشيوخ أمرين اثنين، لم يكونا غير أمرٍ واحد.
ووفق شهادة عبد الرحمن عزام فإن إنجلترا لجأت إلى موقفين متناقضين "أو ظهرا في الحقيقة أنهما كذلك":
تخويف على الورق للدول العربية من دخول الحرب "لاستخدامه إذا تمت الحاجة إليه في المستقبل" وتحريض بكلمات مباشرة ومن خلال اتصالات مباشرة على دفع القوات المصرية لدخول الحرب مع وعود مبذولة بالمساعدة.
ولقد أخذ الوعد بالمساعدة أشكالاً مختلفة كان أهمها ذلك الذي التقطه الأستاذ محمد حسنين هيكل من عمق الوثائق البريطانية من اتفاق على إمداد الجيش المصري بالأسلحة والذخائر من خلال فتح أبواب مخازن السلاح أمامه في المعسكرات البريطانية في منطقة القناة ليحصل على بعض حاجاته عن طريق السرقة وكانت كمية المواد الحربية التي صرفت قادرة على تجهيز قوة متوسطة الحجم ثم أغلقت المخازن بعد أن بدأ الجيش يشتبك في معارك واسعة النطاق دون أن يكون لديه ما يحتاجه من سلاح لخوض هذه المعارك ولعل ذلك يتضمن ترجمة أدق لذلك التعبير الذي أخذ عبد الرحمن عزام يكرره مرات على مسمع د. حسين هيكل والذي يقول منطوقه ’’إن انجلترا بدأت تخون الدول العربية بعد أيام من بدء دخول قواتها فلسطين. واندفع فاروق يرتدي ملابس القائد الأعلى للجيش المصري وتوجه في اليوم التالى لإعلان الحرب إلى رئاسة القوات المسلحة واجتمع بوزير الحربية وقادة الجيش وأطل طويلا في الخرائط العسكرية ثم قفز يوم 6/7 إلى الخطوط العسكرية بملابس الميدان بعد أن أقيمت استراحة ملكية في غزة وركب سيارة مكشوفة وهو يستعرض قواته المحاربة على خطوط القتال والتقاط ما شاء من الصور.
لكن عندما عاد إلى القاهرة وقرر الذهاب إلى الأوبرا بعد أسابيع قليلة استشعرت قيادة الجيش خطرا عليه فقد اكتشفت هذه القيادة وفق رواية مباشرة من (اللواء /أحمد كامل .. رئيس المخابرات العامة الأسبق ) أن جهازی الرادار الوحيدين اللذين يمكلهما الجيش المصري وكانا قد تجاوزا عمريهما الافتراضي قد تم شحنهما إلى جبهة القتال في فلسطين.
ولما كان الملك يريد الذهاب إلى الأوبرا فقد خشيت القيادة العسكرية مع وجود جهازی الرادار على جبهة القتال أن يواجه موكب الملك بهجوم جوی دون أن يتوافر للقاهرة إنذار مبكر سواء أثناء تنقل الملك في شوارعها أو أثناء جلوسه للاستمتاع بالأوبرا وتمت عملية النقل على عجل وبشكل مرتبك وكانت النتيجة سقوط أحد الجهازين أثناء نقله في نهر النيل وأصبح لدى الجيش المصري جهاز رادار واحد لكنه لم يكن - في كل الأحوال – موجودًا في جبهة القتال. وأثناء سير عمليات القتال لم يكن مجلس الوزراء المصري يدرى شيئا عما يحدث بالفعل على جبهات القتال فقد كان وزير الحربية (محمد حیدر) يعتبر أن هذه الحرب من أخص شئون الملك وأن أحدًا غيره لا يمتلك الحق في السؤال عن أحداثها ووقائعها وحين تمسك أحد الوزراء (أحمد مرسي) بأن يعرض وزير الحربية على المجلس صورة للموقف على جبهات القتال اصطدم به وزير الحربية بعنف شديد وكاد الموقف ينتهي إلى إخراج الوزير الذي حاول أن يعرف أخبار الجيش المصرى من عضوية المجلس.
(5)
مع استمرار أعمال القتال كانت إسرائيل تسعى إلى أن تضيف إلى رقعة الأرض التي تضمنها قرار التقسيم مساحات جديدة وحين توقف القتال بالفعل كانت قد حققت ما أرادت وبدأت مفاوضات رودس 13/1/1949 تحت إشراف (رالف يانش) ممثل الأمم المتحدة واتصلت أربعين يوما قبل أن يتم التوصل إلى مشروع اتفاق لكن الوفد المصري لم يستطع أن يحسم بشكل قاطع ما إذا كان - في إطار هذا الاتفاق يستبقى في غزة لواءً واحدًا أو ثلاثة ألوية وسافر محمود رياض عضو الوفد ليعرف رأى فؤاد صادق، ولكنه أخبره أنه لا يستطيع البت في الموضوع قبل أن يعرف القرار السياسي للحكومة فإذا كان هنالك احتمال لاستئناف القتال فيجب الاحتفاظ بثلاثة ألوية أما إذا كانت الحكومة تستبعد الحرب فيمكن الاحتفاظ بلواء واحد.
وكما سمعت من ( محمود رياض ) بأذني ، فقد توجه بصحبة حيدر باشا وزير الدفاع لمقابلة رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي وقرر رئيس الوزراء بعد أن استمع إلى شرح للاتفاقية "الاكتفاء بلواء واحد في قطاع غزة على أساس أن الاتفاق سيحرم على الطرفين العودة إلى القتال".
وعين ریاض رئيسًا للجنة الهدنة على الجانب المصري و يادين نائب رئيس الوزراء في حكومة بيجن على الجانب الاسرائيلي، ووفق تقدير محمود ریاض فإن اتفاقية الهدنة تكاد تصل إلى اتفاقية السلام فقد نصت على عدم استعمال القوة في تسوية مشكلة فلسطين وعدم قيام القوات المسلحة لأي من الفريقين بأي عمل عدائي أو أن تخطط لمثل هذا العمل أو تهدد ضد شعب الفريق الثاني أو قوات المسلحة، وعندما ثم بعدها توقيع بروتوكول لوزان بين الوفود العربية والإسرائيلية أرفق به قرار التقسيم وكان ذلك يتضمن من جانب العرب إقرارًا بوجود اسرائيل وبالموافقة على مشروع التقسيم على عكس ما يفتي به كثيرون الآن".
وخرج محمود ریاض بانطباع قوي بأن النزاع المسلح بين مصر واسرائيل قد انتهى تماما بل إن جمال عبد الناصر نفسه - كما يؤكد - كان يرفض وحتى عام 1955 توجيه الأموال من مشروعات التنمية إلى الجيش لأنه كان يرى بدوره أن اتفاقية الهدنة تحول دون قيام نزاع مسلح.
(6)
كان نمط التفكير على الجانب الآخر كان جد مختلف، ففي العاصمة الإيطالية وفي الأسبوع الأول من شهر سبتمبر ۱۹۶۸. اتصل شخص بالدكتور حسين هيكل "رئيس مجلس الشيوخ" وأخبره أن (الياهو ساسون) يريد أن يقابله ورد هيكل بأن بمقدوره أن يلقاه بعد ثلاثة أسابيع في جنيف إذا كان يلح في اللقاء، حيث سيكون موجودًا هناك.
وذهب ساسون إلى الموعد في جنيف وعندما قابل رئيس مجلس الشيوخ "وكانت بينهما معرفة قديمة" قال له:
"أصارحك بأننا لا نعني من بين الدول العربية غير مصر وأننا على استعداد لإقامة العلاقة بيننا وقال له د. هيكل: "إن ذلك قد يكون متاحًا إذا قدمت اسرائیل تنازلاً لمصر".
ثم قال لساسون: إن رأيه أن تعلن تنازلها عن منطقة النقب لمصر.
لكنه فوجئ بساسون يقول له في لهجة لم يرضها: "وما حاجتكم إلى النقب ولديكم أنقاب كثيرة لم تصلحوا منها شيئا".
وانتهى اللقاء ...
وتصور د. هيكل أن انتهاء اللقاء السابق يعني أن الحوار قد انغلق بدوره ... ولكن تصوره لم يكن صحيحًا فقد فوجئ - مرة ثانية - أثناء تواجده في باريس (نهاية ديسمبر 1948) بأن الشاب الاسرائيلي الذي تحدث معه بشأن زيارة ساسون يطلب موعدًا ثم يلقاه ويخبره أن اسرائيل أرسلت "مشروع معاهدة مودة وصداقة تعقدها مع مصر وأن مشروع السلام الإسرائيلي قد أبلغ إلى إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي ولكنهم لم يتلقوا منه ردا وتساءل د. هيكل عن تفاصيل مشروع المعاهدة ووضع نص المشروع بين يديه في صباح اليوم التالي.
وحين قرأته "تولاني العجب أشد العجب ... لقد صنع على غرار معاهدة 1936 المصرية البريطانية لكن إسرائيل تملى فيه على مصر أقسى مما ورد في معاهدة 1936 فالدولتان المتعاقدتان يجب ألا تتخذ أيهما سياسة في البلاد الأخرى تناقض سياسة الدولة الأخرى ويجب أن تعامل كلتاهما بشروط الدولة الأكثر رعاية في أراضي الدولة الأخرى ... إلى غير ذلك من شروط أثارت دهشتي حتى ظننت أن المشروع لم يجرؤ على إرساله إلى مصر" وحين عاد د. هيكل إلى مصر بعد أسبوع واحد قابل الملك فاروق وقص عليه ما حدث من لقاء ساسون ثم مندوبه بعد ذلك ولكنه فوجئ بأن الملك يخبره بأن إسرائيل لم ترسل المشروع إلى رئيس الديوان الملكي - كما أخبره - أو إلى رئيس الحكومة وإنما خاطبت به الملك مباشرة وبخطاب مباشر ...
(7)
للأسف ليس بمقدورك غير أن تتساءل غاضبا ، عن أي فرص سلام بددها العرب يتحدثوا هؤلاء الجاهلون ، وهؤلاء المزيّفون ، وهؤلاء المتأمركون ؟!!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :