( ديليسبس ) وتمثاله من زاوية أخرى ..!     

( ديليسبس ) وتمثاله من زاوية أخرى ..!
بقلم : أحمد عز الدين
سببٌ آخر تماما هو الذي فرض عليّ أن أشتبك مع هذا الجدل المتصاعد حول ديليسبس وتمثاله ، وهو سبب منقطع الصلة تماما ، بكونه استعماريا أصيلا ، أو نصابا أو سمسارا ، أو مُدانا بمثل هذه التهم من محاكم في الدولة الفرنسية ، وهو – أيضا – سبب أراه ملزما لإعادة النظر في هذا الحماس غير المبرر ، من جانب أولئك الذين يرون أن إعادة زرع التمثال على قاعدته القديمة ، هو شكل من أشكال المصالحة في التاريخ القديم ، حتى وإن كان في حقيقته مخاصمة مع التاريخ الوطني قديما وحديثا .
أما السبب الذي أقصده فهو دور ( ديليسبس ) في مواجهة الجيش المصري العظيم ، وتجاه الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 ، ففي تقديري أنه لعب الدور التآمري الأكبر في هزيمة الجيش المصري ، وبالتالي العامل الأكبر في تمكين الاحتلال العسكري البريطاني من مصر ، بكل حصاده الأليم ، وهو أمر ربما تؤكده النقاط التالية على نحو موضوعي وموثّق :
أولا : كان الهدف من دخول القوات البريطانية إلى مصر ، هو ضرب الجيش المصري وتصفيته ، وتسريح ما تبقى من قواته ، ولقد كان هذا الهدف صريحا ومباشرا ومعلنا في الإنذار الذي وُجه إلى مصر ، بعد وصول الأسطول البريطاني مدعما ببعض الوحدات البحرية الفرنسية ، إلى ميناء الإسكندرية يوم 14 مايو 1882 ، فقد كان الشرط الجوهري فيه ، بعد إبعاد ( عرابي ) خارج مصر ، وإبعاد ( علي فهمي ) و ( عبد العال حلمي ) في داخلها ، هو بالنص : " تسريح العساكر ، ولا يبقى منها إلا ما يحفظ الحدود " ، وهو ما تم تنفيذه حرفيا بعد أن استقر الاحتلال ، بحل الجيش المصري كليا ، وفق تقرير ( دوفرين ) الذي تم استجلابه من تركيا إلى مصر .
ثانيا : كان الشعار السياسي الذي وضعته الحملة الفرنسية لتبرير العدوان ، هو نفس الشعار السياسي الذي تم إخراجه من المخازن وتجديده ، خلال السنوات الأخيرة ، وهو ( الانقلاب العسكري ) و ( الحكم العسكري ) و ( وسيطرة العسكريين على السلطة ) فهذا ما كتبه ( ماليت ) القنصل البريطاني إلى لندن : " لن نستعيد ما فقدناه بغير تصفية الحكم العسكري " ، وهو ما ردده ( كولفن ) إلى لندن : " إن كل ما يستهدفونه هو السيطرة العسكرية على السلطة كاملة " ، وهو – أيضا – ما رددته الصحف البريطانية : " انقلاب خطير في مصر ، والعصابة العسكرية اغتصبت السلطة " ولقد ثبت فيما بعد ، أن هذا الشعار السياسي قد تمت صياغته ، لمنح التدخل البريطاني مبررا عاجلا .
وللأسف وكالعادة فإن الشعار نفسه تم تصديره إلى الداخل المصري ، لكنه جرى على لسان أعداد من الذين رحبوا بالتدخل العسكري البريطاني ، سواء ممن فقدوا السلطة ، كشريف باشا رئيس الوزراء الذي أطاحت به الثورة ، فقد رأى أن عرابي أطاح به " كي يستولى الحزب العسكري على السلطة " ، أو ممن ساندوا التدخل العسكري طمعا في مغانمه ، من أمثال ( خنفس بك ) و ( عبد الغفار أفندي ) و ( والفقي أفندي ) .
ثالثا: في معركة الإسكندرية التي اصطفت فيها 28 سفينة حربية بريطانية وفرنسية بمدفعياتها الثقيلة ، بلغت مقاومة المدفعيات المصرية في حصون الإسكندرية حداً أسطوريا ، على حد تعبير الأميرال سيمور قائد الأسطول البريطاني نفسه ، والذي أعطى تعهدا قبيل المعركة بأنه لن يحتاج إلا إلى نصف ساعة ، ليحول القوة المصرية المحدودة والمعينة كلها معها إلى كومة رماد ، وقد كانت شهادات قادة البوارج البريطانية والفرنسية ، ناطقة بهذا الدفاع الأسطوري: " لقد ذهلت أمام هذه البطولة الأسطورية التي لم أصدقها ، ولم أعرف كيف أفسرها " ، " ما من جندي في العالم كان يستطيع أن يقف صامدا أمام نيران 28 سفينة حربية ، تصّب الجحيم بقنابل تزن 1700 رطل لمدة 10 ساعات " .
لقد كان الجنود المصريون يواصلون إطلاق المدافع والقذائف تتساقط من حولهم غير عابئين ، دون أن يتوقفوا ، حتى يستشهدوا أو تنصهر مدافعهم من شدة السخونة .
بعد 10 ساعات دخل البريطانيون المدينة ، بعدما تحولت الحصون إلى أنقاض تتداخل فيها قطع الحديد مع أجساد مائتي شهيد ، وامرأتين شهيدتين تطوعتا لتقديم العون للجنود ، لقد امتحنوا بقوة صلابة المقاومة العسكرية المصرية ، التي شكلت بصمودها أسطورة ، سُجلت وثائقيا على أنها أطول المعارك وأعنفها ، في تاريخ البحرية البريطانية ، في ظل موازين قوى شديدة الاختلال ، تطيح نتائجها وصمود رجالها ، بكل قوانين الحسابات الإستراتيجية للعلاقة بين الدفاع والهجوم ، والتي تؤكد أن صمود الدفاع مستحيلا ، إذ تجاوزت نسبة موازين القوى بينه وبين الهجوم ( 1إلى 3 ) بينما كانت النسبة ربما تُحسب بكسر الواحد إلى الألف .
هكذا أدرك البريطانيون أن تقدمهم من الإسكندرية إلى القاهرة ، ستكتنفه معارك دامية ، لن تكون مأمونة النتائج ، ولهذا سعوا مباشرة إلى تحصين الإسكندرية خوفا من هجوم مفاجئ للجيش المصري ، وقد كانت خطوط دفاعه قد امتدت إلى ( كفر الدوار ) ، وتمددت بعض قواته إلى مداخل الإسكندرية ، واستطاعت أن تصّد أكثر من هجوم بريطاني ، حاول أن يزحزحها لإحداث اختراق ، يمهد للبدء في الزحف على طريق الإسكندرية – القاهرة .
وهكذا أصبح تقدير البريطانيين ، أنه لا بديل لدخول القاهرة سوى الالتفاف ، وفتح جبهة اقتراب مباشرة عن طريق السويس والإسماعيلية .
رابعا : كان الجيش المصري قد استطاع أن يحشد قوة قتال بلغت مائة ألف جندي ، كانت جميع نفقاتها من تبرعات المصريين ، فلم ينفق على الجيش أثناء القتال – كما يقول عرابي – " درهم واحد من ميزانية الدولة المصرية " .
وكان تقدير عرابي أن المواجهة ينبغي أن تتم على جبهة قتال واحدة ، وعلى مشارف الإسكندرية ، ولهذا سعى مبكرا إلى تجهيز مجموعات بشرية لردم قناة السويس ، ومنع الجيش البريطاني بالتالي من الالتفاف والوصول بحرا إلى السويس أو الإسماعيلية ، وفرض جبهة الإسكندرية ميدانا وحيدا للمعركة الكبرى .
غير أن عيون البريطانيين ، الذين أنشأوا فور وصول الأسطول إلا الإسكندرية ، مكتبا للمخابرات لم تكن مغلقة ، وهذا ما تكشفه الوثيقة البريطانية التالية ، التي تؤكد أن توجه عرابي إلى ردم القناة لمنع القوات البريطانية من الالتفاف ، وفتح جبهتين ، كان توجها جادا ، وقد بدأ فعليا في وضعه موضوع التنفيذ .
هذا جانب من الوثيقة :
" من الأميرال سيمور ( قائد الأسطول البريطاني ) إلى الأميرالية .
سيدي اللورد .
.... ، تلقى معسكر الزقازيق أوامر بحشد عشرين ألف رجل ، مزودين بالفؤوس والمقاطف ، مما يعني أن النية متجهة إلى ردم قناة السويس ..... ، وتلقى الأهالي تعليمات بأن يزودوا بالأسلحة ....." .
ولم يكن ثمة بديل غير أن يتحرك مكتب المخابرات البريطاني – الذي استجلبوا مديره من تركيا أيضا – وأن تتحرك بريطانيا بالتالي تجاه فرنسا ، وأن تتحرك فرنسا نحو (( ديليسبس )) ، لكي يصدر تعهدا ملزما لعرابي وبالتالي للجيش المصري بأن قناة السويس لن تكون جسرا لدخول القوات البريطانية إلى مصر ، وأنها ستبقى ميدانا مغلقا ومحايدا .
خامسا : لقد كان عرابي أكثر حرصا وفهما ، من أن يوزع مائة ألف جندي على جبهتي قتال ، يف معركة تصادمية طويلة ، خاصة وأن إحدى جبهاتها تبعد عن القاهرة أقل من مائة كيلومتر ، وهي جبهة السويس ، ولذلك كان لديه ذاتيا ما يجعله أقرب إلى القبول بتعهد ديليسبس ، فضلا عن أن تقدير الموقف عنده لم يكن مجرد أخذ بالنوايا ، فقد كان البريطانيون والفرنسيون يقدمون عبر عشرات السنين السابقة ، أهم مظاهر المنافسة الاستعمارية الشرسة على مصر والإقليم ، فعندما جاء نابليون إلى القاهرة قفز ( فريزر ) وحملته إلى ( أبو قير )وعلى امتداد أكثر من نصف قرن كان البريطانيون والفرنسيون يتسابقون قفزا محموما حدّ الصدام المباشر على المواقع الساحلية المصرية الحاكمة فوق تخوم البحر الأحمر ، وهو ما ولّد قناعة لدى عرابي بأن الفرنسيين سيحافظون على تعهد ديليسبس ، لا لشئ إلا لأنهم سيحافظون على مصالحهم ، وبالتالي لن يسمحوا للبريطانيين باقتحام قناة السويس .
لكن معركة ضرب الجيش المصري الذي كان النطفة الأولى في العصر الحديث لولادة إرادة مصرية مكتملة للتحرير ، والعلامة الأولى لتمصير النخبة المصرية ، لم تكن تقبل التأجيل ، أو أن تدخل في مساحة التنافس بين الموجتين الاستعماريتين ، اللتين رأتا أن خطر الجيش المصري ، هو الخطر الداهم المشترك ، الذي يعلوا على كافة أشكال التنافس وتناقض المصالح .
هكذا تم الالتفاف إلى جبهة السويس ، ثم نقل مزيد من القوات المصرية إلى التل الكبير ، إضافة إلى خطوط الدفاع في كفر الدوار ، وهكذا تم الصدام ، وتحققت الهزيمة ، رغم التضحيات الهائلة ، والبطولات العظمى ، التي ما تزال حبيسة أدراج التاريخ .
سادسا : في عنق هذا الفرنسي ، دم مصري ثقيل ، أكبر وأغلى من أن يوزن بعوائد مجموعات من السائحين المغتربين ، أو برضا مجموعة من الفرنسيين ما يزالون يطبعون صورته على صدورهم .
وفي عنق هذا الفرنسي ، احتلال أجنبي نزل على نهار مصري فحوّله إلى ليل ، طال أكثر من سبعين عاما .
وفي عنق هذا الفرنسي ، جيش مصري كامل ، تم ضربه والتنكيل إعداما وسجنا بقياداته وضباطه ، قبل أن يتم حلّه وتصفيته .
إذا كان هذا هو ثأر العسكرية المصرية ، فليس من حق أحد أن يوهمنا بأن ثأرا بحجمها ، بمكن أن يقبل مصالحة في التاريخ .
ثم أن ذلك كله من البداية إلى النهاية ، جزء من النسيج الحيّ للذاكرة التاريخية المصرية ، وهي ما أشد أن تكون ارتباطا بالذاكرة العسكرية ، وأكثر ما تكون تلازما وتعبريا عن الذاكرة الإستراتيجية ، التي تبدو مصر اليوم في أمّس الحاجة إلى إيقاطها وسطوعها ، لا إلى تعتيمها وطمسها .
إن الذاكرة الوطنية ، وفي قلبها الذاكرة العسكرية ، ليست ( علّفاً ) يمكن أن يقدم برضا لإطعام خيول حاسة استعمارية قديمة ، تعمد إلى تجديد نفسها وحضورها في الإقليم .
الخلود للشهداء
المجد للجيش المصري العظيم .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :