ما فوق مبدأ الموت ..!     

ما فوق مبدأ الموت ..!
بقلم : أحمد عز الدين
في أعقاب هزيمة يونيو 1967 ، أطلّ نجيب محفوظ بواحدة من قصصه القصيرة ، النابضة بالحقيقة ، والمفعمة بروح الإرادة والتحدي ، واختار موقعا ومسرحا لها برج القاهرة ، وحديقة الأورمان ، على حافة النيل المجاور له ، وقد بدأ سياق الدراما عاليا ، فقد سمع الناس أصوات طلقات نارية كثيفة حول البرج ، وتداولوا على الفور رواية تقول أن شابا صعد إلى قمة البرج ، وأخذ يطلق الرصاص في الفضاء ، قائلا " سأوجه رصاصي إلى العدو الحقيقي " ، بينما جمعت حالة الفزع والتوتر ، بين مناضل قديم ، وبين شابة في عمر الزهور في الحديقة المجاورة ، فقد أخذ يبث في أذنها حديثا ساحرا عن ( عنبر لولو ) الذي أسهب في وصف فتنته ، كأنه خلوة عاشقين في طرف بعيد من العالم ، رغم أنه لم يكن غير ( عنبر ) السجن الذي قضى فيه سنوات شبابه الذي ولى ، وحين امتدت يد الفتاة دافئة إلي يده ، أخذها عدوا من الحديقة إلى الشارع المزدحم ، وهو يردد بصوت عال: " تعالي ، سوف نحب وسوف نطلق النار في كل اتجاه .
لقد نُشرت القصة في جريدة الأهرام – عندما كان الأهرام أهراما – ولم تمنع أي من رموزها النابضة بالدلالة ، من المنع أو المصادرة ، فقد كان نجيب محفوظ حكيما دون شك ، وفي ثنايا رموزه كانت الصورة ناطقة بأن مواجهة ما حدث يتطلب تحقق عدة شروط في الواقع ، في مقدمتها الاعتراف بالحقيقة دون مكابرة ، وتوزيع الأعباء على الطبقات بالعدل دون انحياز ، وتماسك الأجيال القديمة والأجيال الصاعدة دون فواصل ، وتوحد القوى السياسية دون معارك جانبية ، وبالتالي شحذ إرادة الصمود والقتال .
هكذا ، ربما المفارقة وحدها ، وبمصادفة المكان ، تقع حادثة انتحار شاب من فوق برج القاهرة ، في مشهد فاجع ، أحسب أنه سقط من علٍ كصخرة ثقيلة على أفئدة المصريين ، في وقت شدة وعسر ، وفي فضاء وطن يتعرض لأكبر وأخطر تحدٍ في تاريخه المعاصر ، يطول مصير كيانه الوطني ذاته .
والحقيقة أنني لم أكن متحمسا لتناول مسألة هذا " الانتحار " ، ونمطه الذي أصبح مكررا ، لولا تلك التعليقات والتفسيرات ، التي سعت بإصرار ودأب ، على أن تضع الحادث ، وما هو على شاكلته ، في زاوية ضيقة ، كأنه حادث اعتيادي في الطريق العام ، تنتهي مهمتنا كما هي العادة ، منعا للأذى عن العيون ، بتغطيته بأوراق الجرائد ، بل لقد وصلت المبالغة في فرش أوراق الجرائد على مكونات الحادث ، إلى حد استنباط أبطال هذه الحوادث الفاجعة ، ليسوا سوى خلايا بشرية تنتمي إلى ظاهرة إرهابية هي ( الذئاب المنفردة ) التي ضاقت عليها نوافذ القيام بعمليات إرهابية بتفجير ذواتها ، فاختارت البديل المتاح ، وهو الانتحار على هذه الشاكلة ، لتلويث صورة مصر في عيون العالم .
والحقيقة أن هذا التفسير ، وما هو على شاكلته ، لا يلوث مصر في عيون العالم فحسب ، ولكنه يلوث عيونها ، ويمنعها من الرؤية الصحيحة ، في وقت تحتاج مصر أن يكون بصرها اليوم حديد .
لست راغبا في تكرار تفسيرات أخرى ، تلوث العيون بدورها ، كالاتهام بالكفر والإلحاد ، والبعد عن الله ، أو كالأمراض النفسية وغيبة علاجها ، كأنها سبب مستقل عن البيئة ، ولكن الذي يستوقفني من بين هذه التفسيرات ، هو اللجوء إلى القياس الكمي للظاهرة بالقياس إلى أرقامها في دول أخرى ، نعم ، إن القياس الكمي لأعداد المنتحرين في مصر لا يتجاوز 10% من أعداد المنتحرين في الولايات المتحدة الأمريكية ، لكن أعداد السجناء الجنائيين هناك تساوي 2.2 مليون سجين ، وهو رقم يمثل 21.2 % من إجمالي السجناء في العالم ، رغم أن الولايات المتحدة لا تمثل سوى 4% من سكان هذا العالم .
ما أقصده أن اللجوء إلى المقارنات الكمية شأنه شأن التفسيرات السابقة ، مجرد محاولة لتغطية مكونات الحادث وسواه بأوراق الجرائد ، وحتى إذا انتهينا إلى أن كل الظواهر السابحة في فضاء الدول كالديون ، والفقر ، وضمور الأحزاب السياسية ، تشكّل طابعا دوليا ، فالحقيقة المؤكدة أن لكل منها تجلياتها الوطنية الخاصة ، ولذلك فإن القياس الكمي هو مجرد أداة لتجريد الظواهر الوطنية ، من طبيعتها وأسبابها ونتائجها ، وبث طمأنينة زائفة بشأنها .
ما هو – إذن بديل الاقتراب من الحادثة ونظائرها المتكررة ، بعيدا عن المقارنة الكمية ، أظن أن الفحص الكيفي لها ولهذه النظائر المتشابهة ، وهو ما يفرض سؤالين أساسيين ، الأول : هل نحن أمام ظاهرة تأخذ شكل منحنى بياني صاعد أم هابط ؟
الواقع أن الأرقام قد تعطي دلالات ، أكثر مما تعطي إجابات علمية موثقة ، ذلك أنه لا أرقام حكومية معلنة ، تستطيع أن تقدم بشكل مباشر مثل هذه الإجابات ، وربما نستطيع أن نجد بديلا في آخر بيانات رسمية لمنظمة الصحة العالمية ، والتي تقول أن حالات الانتحار في مصر خلال عام 2016 قد بلغت أعدادها 3799 حالة ، تتوزع على 3095 رجلا و 704 سيدة ، وأن مصر أصبحت تحتل المرتبة الأولى في نسبة المنتحرين على مستوى الدول العربية ، وهذه الأعداد تزيد بشكل ملموس عن بيانات سنوات سابقة .
وربما نستطيع أن نجد في بعض إحصائيات المركز القومي للبحوث الاجتماعية خلفيّة بحثيّة ، تضئ بدورها جانبا من الإجابة على السؤال الأول ، مما يعطي دلالات على أننا أمام ظاهرة تقع على منحنى بياني صاعد ، دون أن يشكّل ذلك – للأمانة – يقينا علميا .
أما السؤال الأساسي الثاني ، فيتعلق بطبيعة الظاهرة ، هل لها ملامح طبيعية خاصة ، وملامح محددة ؟
أغلب الظن أن الإجابة ستجئ بالإيجاب ، على الأقل في حدود عاملين ، الأول : أن الحالات التي اكتسبت طابع العمومية فيها ، كان قوامها من الشباب ومن الأجيال الصاعدة ، وهو ملمح خاص ، لأنه حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية ، فإن تصنيف المنتحرين على مستوى العالم من حيث العمر ، يؤكد أن 55% من بينهم بين أعمار 15 و 44 عاما ، و45% من بينهم بين أعمار 45 وما فوق .
والثاني : أن هذه الحالات اختارت نمطا مستجدا ، وهو الانتحار العلني ، فوق منصات جماهيرية مزدحمة .
وكلا العاملين يشكلان استثناء غير مألوف ، يستحق الالتفات والتوقف .
ما يستحق التوقف – أيضا – في إحصائيات منظمة الصحة العالمية بخصوص الظاهرة عالميا ، أمرين : الأول أن أوربا الشرقية هي في مقدمة نسب الانتحار على مستوى العالم ، وبشكل مضاعف ، فإذا كان المعدل العالمي للانتحار 10.5 مواطن لكل مائة ألف مواطن ، فإن النسبة في أوربا الشرقية 20 مواطن لكل مائة ألف مواطن ، وجميعها دول هرولت بقوة دفع مضاعفة إلى الأسواق المفتوحة ، والليبرالية الجديدة .
والثاني : أن 79% من عمليات الانتحار على مستوى العالم، وقعت في دول ذات دخول متوسطة أو منخفضة .
وكلا الأمرين يقطع بأن الظاهرة ليست مقطوعة الصلة بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية .
إنني لست بصدد كتابة تفسير للظاهرة ، فهو أمر يحتاج إلى جهد جماعي ، ولكن حسبي أن أشير إلى أنها جوهريا ، أحد تجليات ظاهرة أوسع ، هي " الاغتراب " وهي نبت شيطاني ، هناك في البيئة الخاصة والعامة ما يسمح بنموه وانتشاره ، فبذوره ليست بعيدة عن فضاء سياسي جف ، أو كاد ، وعن ثقافة وطنية أصبحت في ذاتها مغتربة في وطنها ، وعن إعلام فقد جاذبيته ، ولم يعد يشكّل جسرا للتواصل والتوحد ، وتعبئة الناس ، سواء في اتجاه ما يواجه المصير الوطني ، من تحديات ومخاطر ، أو في اتجاه ما تتطلبه المصالح الوطنية العليا .
للأسف ، لقد تغلغلت روح البيروقراطية ، واغتربت روح السياسة .!

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :