الفوضى هي أعلى مراحل الإمبريالية !     

الفوضى هي أعلى مراحل الإمبريالية !
أحمد عز الدين
نص المحاضرة التي ألقيتها في أحد التجمعات الفكرية والسياسية في منتصف نوفمبر 2019 .
السيدات والسادة ..
اسمحوا لي أن أقترب نت عنوان هذا اللقاء حول الأوضاع الراهنة في لبنان بمنهجية مختلفة هي الاقتراب غير المباشر ، ذلك أن الدخول في التفاصيل الصغيرة ، دون إطار جامع هو تسطيح للمعنى وللدلالة فوق تقدير الموقف ، الذي هو الغاية والهدف .
أولا :
أسوأ ما يمكن أن نقع فيه من رؤى ، هو تجزئة الظواهر والمتغيرات العاصفة التي تطل علينا ، بل وتضع أصابعها أحيانا في أعيننا ، فليست هناك ظواهر لبنانية خالصة ، ولا عراقية مستقلة ، ولا سورية داخل حدودها ، ولا مصرية من البداية إلى النهاية ، فهذه المنطقة هي جسد واحد ، له قلبه وأطرافه ، حضره وريفه ، مركزه ودوائره الكبرى والصغرى .
ولذلك فإن متغيراته وظواهره ، ليست مغلقة وليست معزولة ، وآثارها ونتائجها تتمدد كالمياه الجوفية ، بطول وعرض وعمق الإقليم ، إذ سرعان ما تنشق عنها الأرض فجأة كأنها انفجار داخلي أو زلزال ليس من شأنه أن يطرق الأبواب .
ولذلك – أيضا – فإن الإستراتيجية الغربية المضادة للإقليم ، موحدة في هدفها الاستراتيجي النهائي ، رغم تعدد وتنوع أسلحتها وأدواتها ومنصات عملها ، وفقا للبيئة التي تعمل فيها ، سواء أشكال الحروب المباشرة التي تعتمدها ، أو أنماط حروب المخابرات ، أو أساليب الإكراه السياسي والاجتماعي والثقافي ، لكنها في مجموعها تشكل سلة مشتركة واحدة ، هدفها تصفية كل دفاعات المنطقة ، وتدمير كل قواعد المقاومة فيها ، ومن ثم إخراج هذه الأمة من التاريخ .
ثانيا : لقد وضعوا نظرية المؤامرة أمامنا في وضع ازدراء وتندّر ، وقد صدّق الكثيرون ذلك ، بل وروجوا له ، بتبعية فكرية بادية ، أو بجهالة رصينة ، حتى أخذت المؤامرة طريقها المباشر ، فأصبحنا نتعامل معها على أنها جزء طبيعي من بيئة طبيعية ، ثم أخذت المؤامرة بعد ذلك تتجول في شوارعنا ، وتقاسمنا الوقفة والغفوة ، وتطل علينا من منشتات الصحف ، ومن الشاشات المشتراة المباعة تجادلنا وتخاصمنا وتصادرنا عندما تشاء .
نعم هناك مؤامرة كبرى على هذا الإقليم العربي حولته باقتدار آسر إلى بؤرة الاضطراب العالمي الكبير ، ومعمل إنتاج جرثومة التفكك .
لقد كانت المؤامرة على فكرة العروبة سابقة على الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، ولكن ضرب العراق شكّل مرحلة هامة في تأثيرها ، فقد تمكنت من الساحات السياسية والفكرية أصوات فاسدة ، كان عليها إقناع الناس في قواعدهم الشعبية ، بأن القومية العربية هي بنية فكرية فاسدة ، في حد ذاتها ، ينبغي التخلص منها ، ومن أفكارها ومشاعرها ، والتجرد من ظل تاريخها الثقيل ، الذي يكبّل خطاهم ، فماذا أخذ الناس من هذه العروبة ، غير نزيف دمٍ ، وتبديد طاقة وجهد ومال .
ولقد كانت تلك نقطة البداية الصحيحة لقبول ما لا يقبل ، وتجرّع ما لا يستساغ ، لأنها مقدمة التطهر من هوية قومية ، لا وجود لها ، وعند ذلك يمكن لمفهوم الأمن القومي العربي أن يتجزأ إلى مفاهيم جانبية ، وأن يتوقف عند التخوم الخاصة بكل دولة ، المخفورة عسكريا ، وغير المحصنة استراتيجيا .
ثم وهو الأهم أن العروبة أو القومية ظلت تلعب لعشرات السنين ، دور النسيج الطبيعي الضام لكل التناقضات السابحة في جسد الأمة ، القادر على احتوائها ، وعلى المؤاخاة بينها ، ومنع تحولها إلى تناقضات عدائية أو مفترسة ، وعندما تم شق أو سلخ هذا النسيج الطبيعي الضام ، سرعان ما تبعثرت هذه التناقضات وصعدت إلى السطح ليتم تحويل بعضها إلى تناقضات عدائية ، كان في مقدمتها تقسيم جوهر الإسلام نفسه إلى مذاهب وشيع ، واختلاق صراع مفترس جديد اسمه الصراع السني الشيعي .
ثم بسلخ النسيج الضام الذي اسمه العروبة أو القومية العربية ، تحررت أيادي البعض وخطوات البعض من القيود التي كان يفرضها مفهوم الأمن القومي العربي ، وتحول البعض في عملية ميلودرامية غريبة ، إلى شركاء مؤقتين لإسرائيل ، وتحول البعض الآخر إلى وكلاء أمنيين لها .
ثالثا :
هل كانت أصابع الصهيونية بعيدة عن ذلك ؟
عندما كانت الحركة الصهيونية مجرد حركة فكرية قليلة الوزن ، كانت لها اليد الطولى في إعادة رسم الخرائط الإستراتيجية للإقليم ، وفق صياغة سايكس بيكو القديمة ، ولم يظهر ذلك إلى حيز العلن ، إلا بعد عشرات السنين .
فبعد سنوات طوال أصدر كريستوفر سايكس ابن مارك سايكس ، كتابا تحت عنوان ( دراسة فضيلتين ) وكتب مفاخرا ، أن أباه سايكس قد اعتنق الصهيونية قبل عام واحد من صياغة الاتفاقية ، وأن جهوده إضافة إلى ذلك لعبت دورا كبيرا في صياغة وعد بلفور ، وأن الذي أخذ بيد أبيه إلى اعتناق الصهيونية هو موسى جاستر ، بعد تعيينه وزيرا مساعدا لوزارة الحرب البريطانية .
أما ( بيكو ) فقد اهتدى مبكرا إلى الصهيونية ، حسبما أشارت دراسات غربية عديدة ، مؤكدا أن الذي هداه إلى الصهيونية هو القائد الصهيوني البارز ( ناحوم سولوكوف ) ، وأن سولوكوف قد هدى معه إلى الطريق ذاته وفي التوقيت ذاته ، جورج لويد رئيس وزراء بريطانيا .
ولا أظن أن السؤال الأول قد أصبح يحتاج إلى إجابة ، أما في إطار ما هو قائم ، فقد أصدر معهد الأمن القومي الإسرائيلي في 17 يناير 2017 وثيقة هامة تحت عنوان " التهديدات الأمنية في القرن الواحد والعشرين : تقدير الموقف الاستراتيجي الراهن " .
وكان الجانب الأهم في الوثيقة ، يحدد بشكل قاطع العوامل الرئيسية من وجهة نظر إسرائيل لتحقيق أمرين : " بنص الوثيقة "
الأول هو : فرص استحواذ إسرائيل على تحسين موقفها وكسب التميز الاستراتيجي .
الثاني هو : فرص القيام بعمليات اختراق في العمق العربي .
وقد حددت الوثيقة هذه العوامل وفق الترتيب التالي :
1. وجود الصراع السني الشيعي واندماج إسرائيل فيه .
2. انحدار الهوية القومية العربية .
3. الفوضى الإقليمية
4. كسب شركاء على المستوى المحلي مؤقتين أو كوكلاء أمنيين في المستقبل .
وهذه بالظبط هي المحاور التي تحركت إسرائيل فوقها بقوة دفع أمريكية وغربية ، وبانخراط خليجي ، وهذه دون دخول في التفاصيل ، الصور التي نراها منعكسة على المرآة اللبنانية ، فضلا عن أغلب مرايا الإقليم .
رابعا :
بعمليات مركّبة لسلخ النسيج القومي الضام لمحتويات الجسد العربي ، كما قلت ، خرجت التناقضات من حيز المؤاخاة بينها ، إلى حيز الصدام المصطنع ، وقد كان التركيز واضحا وكبيرا ومؤثرا ، على صدام سني شيعي ، وهو في ذاته ما شكّل قوة دفع كبيرة ، لإشعال حريق كبير في الإقليم ، لكن الطائفية والصدام المذهبي لعب دورا آخر ، وهو أنه شكّل غلافا سميكا معتما ، غطى تماما على تناقضات ناشئة في البنية الداخلية ذاتها ، لعدد من الدول ، وهي استعار التناقضات الاقتصادية والاجتماعية ، أي الصراع الاجتماعي في أوجهه المباشرة .
إن ذلك باليقين موصول ، ليس فقط ، بالفساد كما يقال ، وكأن المشكلة الجوهرية هي القضاء على الفساد ، بعدها يمكن للصراع الاجتماعي أن يتنفس أو يهدأ ، والمشكلة هنا ليست مشكلة خاصة ببلد بعينه ، فهي تتبدى واضحة في أغلب البلدان العربية ، كما أنها ليست مشكلة عربية خالصة ، أو إقليمية خاصة ، إنها مشكلة النمط الاقتصادي الاجتماعي الذي خلّفه مشروع الليبرالية الجديدة ، والذي أوصل الأمة إلى حدود الانفجار ، بعد أن أوصلت الليبرالية الجديدة العالم إلى حدود الاحتراب والصدام .
لقد كتبت قبل أكثر من عام ونصف دراسة تحت عنوان ( النموذج يتصدع ) ، كانت تطبيقا مباشرا على الحالة الفرنسية ، ولكن الحالة الفرنسية هي ليست حالة فرنسية باليقين ، إنها حالة غربية باتساع أوربا وعمقها ، وحتى الولايات المتحدة نفسها ، إنما تعبر بتجليات سياستها هناك ، وهناك عن الآثار العميقة لهذه الحالة عليها .
فمشروع الليبرالية الجديدة ، يتصدع شرقا وغربا ، ولكن مظاهره في البيئة العربية ، التي حولت إلى بؤرة الاضطراب الكبير أكثر وضوحا ، خاصة وأن الناس تتعامل في محيط هذه البؤرة ، إما مع ليبرالية ملوثة في حقل التطبيق العملي اقتصاديا ، أو ليبرالية شمولية في حيز التطبيق العملي سياسيا .
كان طبيعيا إذن ، بحكم وصول التناقضات الجديدة إلى حالة عالية من السخونة ، أن يتمزق الغطاء الطائفي ، وأن يخرج الصراع إلى الشارع ، بشعارات اجتماعية واقتصادية واضحة ، كان أكثرها عبقرية في لبنان تحت شعار " الشعب يريد إسقاط البنك " .
خامسا :
هي ثورة / أم لا ثورة ؟
لنقل على الأقل أنه اضطراب كبير !
طبيعي أو مصنوع ؟
لنقل بوضوح ، أنه طبيعي وأنه مصنوع في وقت واحد ، شأنه شأن كل ما أطلق عليه ثورات الربيع العربي .
لقد تم تعظيم دور العامل الخارجي على جانب ، كما تم التعتيم على العوامل الداخلية ، المولدة للاضطراب على جانب آخر ، والعكس بالعكس ، في تغيرات عديدة .
ما اعتقده أنه في كل الحالات ، ابتداء من 25 يناير في مصر ، أن قنبلة موقوتة كانت تتمدد بتناقضاتها بطول وعرض وعمق المجتمع ، وأنها كانت جاهزة للانفجار ، وتنتظر مفجرا ذاتيا من داخلها ، كان يمكن أن يحدث بعد وقت قصُر أم طال ، وأن يدا امتدت من الخارج بالمفجر وأدوات التفجير ، لكي تكتمل دورة الانفجار الكبير ، مصحوبا بإستراتيجية كاملة ، لاستثماره لغير صالح وقوده الحقيقي ، ومطالبه الصادقة ، وحاجاته الطاغية .
وهكذا في الحالة اللبنانية تحديدا ، لا بديل عن إعادة الاضطراب الكبير عن توجهه الحقيقي والصحيح ، والدفع به مرة أخرى في الاتجاه المعاكس ، بإعادة توزيع الأقنعة الطائفية على بعض جمهوره ، وتحويل صورهم إلى سطح المشهد العام .
وبالتالي إعادة تغطية المشهد كله ، لجدار طائفي سميك ، يغطي بالتالي على الصراع الاجتماعي ، وعلى رموزه وأسبابه ، وتوزيع الثروات في إطاره ، ويدفع بوقود الحالة ساخنا وملتهبا ، بمنحى طائفي خالص ، ناحية جدار المقاومة الصلب ، وأعمدته الراسخة .
سادسا :
قبيل بدأ أحداث ما أطلق عليه الربيع العربي ، أصدرت فرنسا ( الورقة البيضاء للدفاع والأمن القومي ) وهي ورقة تصدرها الدول المعنية ، ويجري تداولها سرا بين الدول لإظهار النوايا ، وتبديد الغموض ، الذي يمكن أن يكون أحد أسباب الصدام ، وكان أهم ما في هذه الورقة هو :
1. نحن ندخل في عالم ما بعد الولايات المتحدة الأمريكية
2. لم يعد العالم الغربي يستحوذ على المبادرة الإستراتيجية والاقتصادية
3. هناك بروز لمراكز نفوذ دولية ، خصت بها بكين ونيودلهي وروسيا والبرازيل
4. الولايات المتحدة لم تعد رغم تحالفها مع أوربا قادرة على فرض وجهة نظرها
5. ثمة إشارة في الورقة إلى شرق البحر المتوسط ، المصطلح الذي كان قد اختفى في أعقاب حرب أكتوبر المجيدة ، وإشارة مصاحبة إلى ضرورة التواجد الغربي المباشر في المنطقة .
في ديسمبر أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي ، وهو أعلى سلطة سياسية ودفاعية في الولايات المتحدة ، تقريره الإستراتيجي تحت عنوان ( توجهات عالمية -2013-2030) وكان من أبرز بنوده :
1. أن أمريكا تتقدم فوق منحدر
2. أن هناك ثلاثة سيناريوهات هي الأقرب إلى التحقق على مشارف عام 2030
الأول : توقف مسيرة العولمة
الثاني: انعزال الولايات المتحدة الأمريكية
الثالث : تحقق الأمرين معا
بالنسبة للشرق الأوسط ، فقد ركز التقرير على أمرين :
الأول : استمرار عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط ، مع الإشارة إلى أهم أسبابه في بنية المنطقة وفي مقدمتها تزايد ضعف الدول القومية ، وانحسار مفهوم القومية العربية والنظام الإقليمي العربي .
الثاني : ترك الساحة لثلاث دول غير عربية هي إسرائيل – تركيا – إيران
في التوقيت نفسه كان ( ريتشارد هاس ) مسئول التخطيط الإستراتيجي السابق في البنتاجون ، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ، يصدر كتابه عن مستقبل الإقليم تحت عنوان : ( حروب الثلاثين عاما )
في الوقت الذي كانت الإستراتيجية الأمريكية ، تعبر في عظم الإقليم عبر مراحلها المتتالية ، من استخدام القوة المسلحة في صيغة الحرب بين الدول ، إلى صيغة المرحلة الثانية ، وهي نقل الحرب داخل الدول ، ثم إلى المرحلة الثالثة وهي الجمع بين النمطين السابقين كما في الوضع اليمني ، ثم إلى المرحلة الرابعة بخلق العوامل المباشرة على الأرض وفي الفضاء وباستخدام كافة أساليب الإكراه السياسي والاقتصادي ، وحروب المخابرات ، لإعادة صياغة الجغرافيا الإستراتيجية للإقليم ، ثم مؤخرا إلى المرحلة الخامسة التي تتبدى في لبنان والعراق ، وتجهيز عواملها وأدواتها في مصر ، وهي مرحلة الدفع في اتجاه " الفوضى " ، وذلك تحت عنوان تعريف صياغة إستراتيجيون أمريكيون يقول منطوقه : " أن الفوضى سيئة ولكن النظام أكثر سوءا " .
حتى أنه إذا كان ( فلاديمير إيلتش لينين ) قد اكتشف قانونا ، وضعه عنوانا لأحد كتبه هو " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية " ، فبمقدورنا أن نضيف إليه قانونا جديدا ، هو أن الفوضى هي أعلى مراحل الإمبريالية .
لماذا إستراتيجية الفوضى الآن ، لأنه بوضوح شديد الغرب عموما وأمريكا وإسرائيل في المقدمة ، عاجزون بحكم موازين قوى بازغة ، عن الحرب ، وهم عاجزون أيضا بحكم التكوين والأزمة العامة ، عن السلام !
بالنسبة لأمريكا والغرب ، فإن الأمر يطول شرحه في معادلات عسكرية مباشرة ، وإن كانت جاهزة ، بالنسبة لإسرائيل ، فيكفي فقط للإشارة ، ذلك المقال الذي كتبه " مايكل أورن " ، سفير إسرائيل السابق في أمريكا ، بمجلة اتلانتك مؤخرا ، حول السيناريو الذي ناقشه المجلس الأمني والسياسي الإسرائيلي المصغر ، قبل أسبوعين حول الحرب القادمة ، بين إسرائيل وسوريا وحزب الله وحماس وإيران ، والذي انتهى دون تفاصيل ، إلى أن إسرائيل إذا تدحرجت المواجهة إلى صيغة شاملة ، سوف تتلقى أربعة آلاف صاروخ يوميا ، مما سيؤدي إلى انهيار منظومة القبة الحديدية بشكل كامل ، وكان التعليق في هآرتس : لقد خفتم ..إنه سيناريو الرعب ، إنه انتحار جماعي لدول الشرق الأوسط .
سابعا :
في الحالة اللبنانية ، أيا كانت محاور الاقتراب ، فإن أهميتها مضاعفة في منظور الإستراتيجية الغربية المضادة ، أولا للتداخل بين سوريا ولبنان ، والتأثير المباشر المتضاعف بينها ، وثانيا بعودة بروز مصطلح شرق السويس أو شرق البحر الأبيض ، وثالثا لأن آخر خرائط إسرائيل البادية لتحديد أمنها ، إنه يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط ومنطقة الخليج في قلبه ، ورابعا لأن محور الدفاع عن الخليج قد تم نقله من المحيط الهندي إلى إسرائيل .
لقد انتزع المحيط الهندي مكانة وسط أوربا ، بينما تتمدد حوله بؤر التوتر الرئيسية ، شرقية في بحر الصين وغربية في المتوسط ، وبينهما البؤرة الآسيوية ، وأخطر ما تمثله إسرائيل الكبرى هو بناء جسر ممتد برا وبحرا يربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض .
أيا كان الأمر ، واهمون أولئك الذين يظنون ، أن تحقيق هدفهم الإستراتيجي في النهاية قابل للتحقق ، سواء أكانت نقطة البداية فيه هي محاولة إخراج حزب الله من المعادلات السياسية للبلاد ، أو كانت نقطته التالية ، بما تطرحه إسرائيل الآن من شروط حول إيقاف إنتاج بعض صواريخه ، أو كما يبدو الهدف النهائي ، وهو نزع سلاحه .
أيا كان مسار الأزمة وتفاعلاتها ، فإن ذلك ليس قابلا للتحقق ، فالجذور ممتدة في الأرض ، وموازين القوى الداخلية متغيرة ، وعصيّة ، وإذا كانت أمريكا لا تدرك ذلك ، فإن فرنسا وألمانيا على سبيل المثال ، يدركانه ، ويدركان أن الوصول إلى حالة شاملة من الفوضى ، سوف يكون انتقاصا من حلفائهم ، وسوف يكون إضافة إلى حزب الله ، إلا إذا تم تحويل الفوضى ، إلى جسر لتدخل أمريكي مباشر ، وهو أمر ينطوي على مغامرة غير محسوبة في كل الأحوال .
غير أن مشروع الفوضى ، لن تتوقف محاولة دفعه في تخوم المنطقة ، ولكن التفاعلات الجانبية في الغالب ، سوف تأخذ منحى أكثر ثورية وحضورا ، وسوف تطفو على سطح التفاعلات الرئيسية المصنوعة .
أيها السيدات والسادة ..
شكرا لحسن إنصاتكم ، لكننا لسنا أمة مهزومة .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :