ترويض الأزمة ..!     

ترويض الأزمة ..!
هناك صنف من التفكير والكتابة ، يتمتع بميزة فريدة ، وهي التبسيط ، فهو يقدم حلولا تبسيطية لأزمات معقدة ، وهي حلول تبدو سهلة ومريحة ، ولا تتطلب جهدا ولا صبرا ، ولا معاناة ، لكن ظاهرها الرحمة ، وباطنها العذاب .
في النصف الثاني من الثمانينات ، قدم أحد رؤساء الأحزاب الرسمية ، حلا فريدا ، لمجموعة المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد المصري ، بعد أن أعادت سياسة الانفتاح الاقتصادي ، توزيع الثروات والدخول على القوى الاجتماعية المختلفة ، وكان الحل الذي طرحه رسميا قيام الدولة بزراعة مليون فدان بنبات القنّب الهندي " الحشيش " ، وتصديره إلى الخارج ، حيث ستتكفل عوائده الدولارية بحل الأزمة الاقتصادية كليا ، ثم شاع منهج هذا التفكير بعد ذلك ، فقد تقدم غيره وقدم حلا مستجدا ، وهو تحويل مساحات في صحروات مصر ، إلى مدافن شرعية للنفايات النووية الغربية ، فالصحروات واسعة ، وحاجة الغرب إلى ذلك ملّحة ، والفوائد الدولارية سوف تتكفل بدورها بحل الأزمة الاقتصادية كليا .
والحقيقة أن النمطين السابقين يعكسان مستوى واحدا من التفكير ، يبدأ بإغفال جوهر الأزمة ، وعزلها في اللحظة ، ثم الانفصام عن تداعياتها الأكثر خطورة من الأزمة ذاتها ، ليس على اللحظة ، وإنما على المصير الوطني .
أخشى أن أقول أن شيئا قريبا من ذلك كتبه الصديق ( د. سعد الزنط ) على صفحته وقد قرأته صبيحة السادس من أكتوبر ، بعيون غاضبة ، ووجدان مشتعل ، فقد اجتهد بدوره في تقديم حل لأزمة سد النهضة ، أما الحل الذي انتهى إليه ووصفه بالإبداع ، فهو نصا : ( تطوير المنابع ، وخلق حصص جديدة لدول مصب إضافية ) ، وهو في تقديره حل ( يفوّت الفرصة على البعض ، ويضمن الدعم من البعض ) ، قبل أن يتساءل وكأنه يقدم لغزا : ( أو قد فهمنا ؟!! ) .
نعم ، لقد فهمنا ، فإذا كان أعداء مصر قد أمسكوا بصنبور حياتها بين أيديهم جنوبا ، فإن الحل المتاح هو أن تبسط مصر يدها ، وتفتح صنبور مائها لهم شرقا ، وربما لغيرهم غربا ، وهكذا تستوي الأزمة ، دون معاناة ودون تكلفة .
إن الدكتور يقدم نفسه عبر شاشات تليفزيون الدولة ، على أنه مدير مركز الدراسات الإستراتيجية ، وهو ما يعطي انطباعا لعموم المتلقين أن الأفكار الذي يقدمها ، مغموسة في ملح الدولة ، مما يعني بالنسبة للداخل الوطني ، إضافة مزيد من التوتر والانشداد إلى أوضاعه بمستويين ، الأول : تخليق انطباع عام ، بأن الدولة المصرية قد استهلكت قدراتها وطاقاتها في محاولة نفي التهديد الوجودي ، الذي يستهدف كيانها الوطني ، وأنها باتت أقرب إلى أن تنشر أعلامها البيضاء من غير سوء ، بينما ما تزال تحاول ترويض الأزمة ، أما المستوى الثاني : فهو منح منابر الإعلام المضاد لمصر في الخارج فرصة أكبر للاستقواء ، وإضفاء مصداقية زائفة على أكاذيبها المدروسة ، وتسخين نبرتها بوقود اصطناعي ، خاصة وهي تواجه إعلاما يبدو مشتتا وكسير الجناح ، ومنتوج ذلك بدوره سيتم تصديره إلى الداخل الوطني .
إنني احد الذين يرون أن الأزمة في جوهرها ، ليست مجرد متلازمة وحيدة الجانب ، بين إغلاق صنبور الماء من هناك ، ورفض فتحه من هنا ، أي فتحه من الجنوب إلى الشمال مقابل فتحه من الغرب إلى الشرق ، فتلك سلمة أولى فوق سلالم استراتيجية ممتدة ، وهي سلالم تطول السيادة والدور ، ومعهما قواعد الأمن القومي ، والجغرافيا الاستراتيجية لمصر ، والقبول بالنزول على السلمة الأولى ، لن يكون منتوجه سوى مزيد من الضغوط والإكراه السياسي والاقتصادي والعسكري ، للنزول إلى سلالم أخرى .
خلاصة ما أريد أن أؤكد عليه ، يتعلق بثلاث أمور أولية :
الأول : أن تخفيض درجة الإحساس الوطني عامة بالخطر ، هو توجه لا يتمتع بالحكمة أو الحصافة ، لأن المعركة التي تخوضها مصر في مواجهة مخطط استراتيجي ، متعدد الحلقات والمنصات ، لقصم ظهر كيانها الوطني لن يهدأ إيقاعها العنيف ، ولكنه سيزداد تصاعدا ، فقد اقتربت لحظة الحسم على مستوى الإقليم ، وهو حسم لن تكون فيه السيوف الأجنبية والعميلة ، بعيدة عن الأرض والدم .
الثاني : أننا لسنا دعاة حرب ، ولكننا دعاة حقوق ثابتة وراسخة ، منذ أن ولد التاريخ ، وسار على أقدامه في وادي النيل العظيم ، وما نواجهه بالتالي ، ليست معركة حكومة أو نخبة أو فصيل ، فلا نجاح فيها ، ولا عوائد مستحقة من ورائها ، بغير الطاقة الكامنة في هذا الشعب المصري ، وبالتالي بغير تثبيت كل العوامل اللازمة ، لتصليب قواعد وحدته الوطنية ، والاحتماء بصخرتها الراسخة .
الثالث : لقد مرت على مصر دورات التاريخ كله ، بحروبه وحملاته ، وانتصاراته وهزائمه ، وظلت رقعتها السياسية في وجه ، كل مدّ وجذر ، واستعمار توسعي أو استيطاني قديم أو حديث ، ثابتة ، فقد احتمى التاريخ فيها بقلعة الجغرافيا ، كما احتمت الجغرافيا بالدولة المركزية القوية ، ولذلك اتسع الدور المصري ، أو تعرض لانكماش جائر ، فاضت مصر أو لزمت حدودها ، فقد ظل السد الجغرافي المصري الهائل ، راسخا في موقعه ، دون أن تغيّر فيه ، أو تأكل منه عاديات الزمن .
لذلك ينيغي أن يكون واضحا وضوح الشمس في منتصف النهار ، أنه لا الجغرافيا الاستراتيجية لمصر ، ولا قواعد الأمن القومي المصري ، هما قطّعا من الصلصال ، بمقدور أي أصابع أيا كانت أسلحتها ، أن تمتد إليها ، وأن تعيد تشكيلها .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :