في لزوم ما يلزم ..     

في لزوم ما يلزم ..
بقلم أحمد عز الدين
"مصر التي كانت ولادة أصبحت عقيم ، ولم تعد تنجب إلا سقط المتاع "
هذا ما دونه كاتب سعودي يدعى " تركي الحمد" وهذا ما أعدت قراءته واستبطانه مرات ، بينما يتمدد في عروقي ، تيار دافق من اللهب ، خاصة وأنني أعرف عن المدون ، وعن الدوائر الخاصة في بلاده ، التي يغمس في حبرها قلمه ، قبل أن يخطّ حرفا .
لقد وجدتني أتساءل ، إذا كان القصد من هذه الرسالة ، هو التصغير والتحقير والإزدراء ، ألم يكن كافيا التوقف عند وصف مصر بالعقم ، فالعقيم لا تنجب ، لماذا إذا أضيف إلى عقمها صنفا شاذا من الإنجاب ، هو ما أطلق عليه " سقط المتاع " ، وهو في عموم ما أنتجته وتنتجه ، من بشر وفكر وعمل ودور ؟!
والمفارقة في ذلك أن وصف " سقط المتاع " لشئ في العربية ، ليس وصفا بشريا أو وصفا لبشر ، وإنما يتعلق بنفايات ما أنتجه البشر ، أو استخدمه البشر ، ففوارغ الطلقات الصدئة من سقط المتاع ، وأنقاض البيوت المهدمة من سقط المتاع ،ومخلفات الحياة اليومية التي ترمى على الأرصفة من سقط المتاع ، أي فضلات مالا نفع فيه ، ولا قيمة له ، ربما باستثناء شاذ موغل في القدم ، لوصف المرأة العجوز الطاعنة في السن ، التي استهلكها الوقت ، وأكلتها عاديات الزمن ، فهل هو هذا جوهر الرسالة ، أن مصر قد شاخت واستهلكها الوقت ، وأكلتها عاديات الزمن ؟!وأن عليها أن تقتنع بحكم وضعها ، وبحكم موازين القوى البازغة في الإقليم، بوضع غير الوضع ، ودور غير الدور ، ووظيفة غير الوظيفة ، فلا تحرك ساكنا ، أمام الزلازل والعواصف القائمة والقادمة ، وتترك للذين يتوهمون أنهم سادة الإقليم الجدد ، أن يحتكروا لأنفسهم مقود التأثير والفعل والقيادة .
إذا كان الأمر كذلك ، فهذه رسالة في نعي مصر وهي حيّة ، وفي تصغير مصر وتحقيرها ، وهي أم الدنيا ، وعاصمتها الاستراتيجية ، وحائط الصدّ الذي تتكسّر فوقه السهام على السهام ، وهو مايزال قائما ، قد يخدش وقد ينجرح ، ولكنه غير قابل للكسر أو السقوط ، وهذه رسالة في نعي شعب ، يحمل مجهدا ومحتسبا ، سماوات الإقليم العربي فوق أكتافه ، ولولاه في محطات متتالية في التاريخ القديم والحديث والمعاصر ، لسقطت وتناثرت شظايا ، وهذه رسالة في نعي أول وأقدم أمة محاربة ، قدمت تلالا من الشهداء ، وأنهرا من الدماء دون منّه ، وتقدمت الصفوف دون استعلاء ، وما تزال عقيدة جيشها العظيم ، نسيجا حيا في قلبه وعقله وكريات دمه .
وإذا كان الأمر كذلك ، فنحن أمام رسالة ،ينبغي التدقيق فيها ، فقد استبقتها مقالات ومدونات ، أتت كالسهام من نفس الاتجاه ، وليس من نفس الشخص ، ولكنها لم تبلغ هذا المستوى من التدني ، ومن الفحش في القول ، ومن التطاول غير المسبوق ، وهو أمر لا يمكن غض الطرف عنه ، واعتباره استثناءا فجا وحاقدا ومريضا ، لشخص لا يمثل إلا نفسه ، لأن في توقيتها ما هو ملازم لها ، والسؤال هنا لا يتعلق بالنوايا ، وإنما يتعلق بالمواقف والأفعال ، فما هي المواقف والأفعال التي اتخذتها مصر دون إعلان في عمق هذا المسرح الاستراتيجي الكبير ، الذي تنتشر فيه المناشير بالطول والعرض والعمق ، لتمزيق كياناته ، وتفكيك روابطه ، وتمكين خصومه وأعدائه ، لكنني أحسب أن هناك ما لا يقال ، وأن هناك ما يمكن أن يقال ، وفي الحالتين فهذا ليس وقته ، وليس أوانه .
غير أنني في فترة تأمل وإعادة تقدير الموقف ، تعففت عن الرد لأيام ، كما تعففت عن الرد سابقا عندما دوّن " خاشقجي " قبيل رحيله الدامي بأسابيع ، ما يعد سبّا وقذفا في حقي بالاسم والصفة ، لكنني هذه المرة لم أتوقف عن التفتيش في كل زوايا الصحف ، وممرات وسائل التواصل ، فضلا عن الشاشات المشتراة المباعة ، معللا نفسي بأن من الطبيعي أن أرى ردا ، أو إشارة لموقف ، أو تعليقا ، عبثا ، فقد تبدد التعلّل ، كأن أحدا لم يقرأ ، وكأن أحدا لم ير ، وكأن أحدا لم يحس ، بينما كان الرد واجبا ، ويدخل في لزوم ما يلزم ، فلا أعتقدأن تجاهل هذا المستوى من التدني الأخلاقّي، ومن الفحش في القول ، ومن التصغير والتحقير ، لوطن عظيم بحجم مصر ، هو نوع من الفطنة والحكمة ، كما أنه لا يدخل ، في باب الغفلة ، وإنما في باب التغافل ، فهناك حراس على أبواب الكلمات ، يتحسسون كل كلمة ، ولا يتوقفون عن إطلاق أسلحتهم ، على كل شاردة ، ولذلك أخشى أن أقول ، أن معايير الولاء الوطني والقومي في مصر ، قد اختلط فيها ما هو صحيح ، بما هو فاسد ، وما هو عقائدي بما هو نفعيّ، وما هو موضوعي بما هو ذاتي ، بل أنني مضطر لأن استعيد فقرة من مقال لي مرّعلى نشره أكثر من عامين ، كان عنوانه (إشارات خطر ) ، وكان نص أحد إشاراته حرفيا على النحو التالي : " لم يبلغ تأثير اللوبي الأمريكي في مصر ، خلال أي مرحلة سابقة ، هذا المدى الذي بلغه تأثير اللوبي السعودي في هذه المرحلة ، وللأسف فإننا - دون دخول في التفاصيل - أمام إشعاع لا تخالطه المبادئ الوطنية والقومية ، بقدر ما تخالطه المنافع الذاتية والشخصية "
أيا كان الأمر ، فأحسب أن هذا عارض من عوارض هذا الزمن العربي الردئ أولا ، لأن أولئك الذين يشحنون ويصوبون المدفعيات الثقيلة ، لأعداء الأمة على إحداثيات الأمن القومي العربي ، إتلافا لدفاعاتها ، وتقسيما لكياناتها ، وتجزئة لأهلها ، إنما يستخدمون أسلحة فاسدة ، سوف يرتد منتوجها النهائي عليهم ، إتلافا وتقسيما وتجزئة ، وثانيا ، لأن مصر باقية سائدة ، لا متنحية ، ثابتة لا متغيرة ، راسخة لا مهتزة ، إمبراطورية البناء والدفاع والخصوصية ، رسالتها التوازن والعدل والسلام ، في الأمس واليوم والغد ..

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :