المعركة بين الحروب.! (الجزء الأول)     

المعركة بين الحروب.!
الجزء الأول
بقلم : أحمد عز الدين
نبت الأغلب الأعم من الكتابات والتحليلات ، التي سعت إلى قراءة واقع التصعيد العسكري الأمريكي في الإقليم ، على ساق سؤال واحد هو : حرب أم تهدئة ؟ . أما الإجابات التي تدافعت ، فقد انقسمت بدورها على شاكلة السؤال إلى جانبين ، جانب غالب ، رأى أن الحرب ليست واقعة ، وأن الأمر من أوله إلى آخره ، مجرد ضغوط ذات طابع عسكري ، لن تخرج معها الطلقة من فوهة البندقية ، وجانب آخر محدود ، رأى أن التصعيد كان مخططا ، وقد تواتر بشواهده ، مما يعني أن الطلقة ليست بعيدة عن فوهة البندقية ، وبين استبعاد خروج الطلقة ، واستقراب خروجها ، ربما كان على عموم الناس أن يقوموا بإلقاء قطع من النقود المعدنية في الهواء ، ليتبينوا مع سقوطها ، ما إذا الجانب الأعلى صورة أي حرب ، أم كتابة أي تهدئة ،.!
والحقيقة أننا أمام سؤال غير منتج ، لأنه قد يصلح في ملعب مكشوف لمباراة في كرة القدم ، لكنه لا يصلح في حالة مركّبة ، تمثل امتدادا عضويا لانقلاب استراتيجي كامل في أوضاع الإقليم ، يقع دون ريب ، فوق إحداثيات الأمن القومي .
وحين سعى جانب آخر من الكتابات ، إلى توصيف الحالة ذاتها ، فقد اكتفى بإحالتها إلى نظرية قديمة تنتسب إلى " فوستر دالاس " هي حافة الهاوية ، أي التصعيد المحسوب الذي يتجنب الاندفاع إلى هامش الصدام العسكري ، ولهذا جاء التوصيف بحد ذاته كأنه إجابة أخرى ، على السؤال ذاته ، حرب أم تهدئة ؟ ، مع انحياز واضح إلى أن الحسابات في محصلتها النهائية ، هي حسابات ضغط عسكري ، لإنتاج حل سياسي ، أي تهدئة .
والحقيقة أنني لا أرى ، أن وضع حاملة الطائرات الأمريكية " ابراهام لينكولن " وقد كان مقررا إحالتها كليا إلى التقاعد هذا العام ، على بعد 700 ميل بحري من المياه الإيرانية ، ولا نقل طائرتين من طراز F35 إلى قاعدة " السيدية " وقد سقطت حطاما طائرتان من نفس الطراز خلال مناورات تدريبية ، الأولى في الولايات المتحدة ، والثانية مؤخرا في اليابان ، وأجبرت من بين 13 مقاتلة 5 مقاتلات على الهبوط اضطراريا ، 7 مرات هربا من السقوط ، أقول أنني لا أرى في ذلك وما صاحبه ، وما أحاط به ، ما يؤكد أن استعارة نظرية " دالاس " هي استعارة تتسم بالدقة .
وإذا لم يكن السؤال الأول عن احتمالات الحرب والسلام ، أو الصدام والتهدئة منتجا ، فما هو السؤال الجوهري المنتج ، الذي كان وما زال علينا أن نطرحه على أنفسنا ؟ .
أعتقد أن سؤال معلّق عن المصير القومي ، وعن المصير الإقليمي ،بل وعن المصير الوطني ، لأن الحالة التي يعبّر عنها التصعيد العسكري الأمريكي في الإقليم ، ليست موصولة بالمساحة المبهمة ، بين خيار التهدئة وخيار الحرب ، فضلا عن أن اعتماد صيغة السؤال الاول ذاته ، إلى جانب اعتماد نظرية " حافة الهاوية " كتفسير كلّي لها ، يضعنا في جانب المتأملين والمراقبين ، لا في جانب المستهدفين ، أو حتى المضارين .
وإذا كنا وما نزال لا نرى أنفسنا دائرة في لوحة التنشين ، فنحن كما كررت ذلك ، مرات منذ الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، نشكّل قلب لوحة التنشين ، أيا كان التوجه المنظور لماسورة البندقية .
ثم ، إذا كان توصيف الحالة ، بأنها حافة ، أو هاوية ، لا يتسم بالدقة ، فماذا يكون ؟.
إذا كان لي أن أجيب ، فأنني أحسب أننا أمام حالة أكثر التصاقا وتعبيرا عن مبدأين استراتيجيين ، تمت صياغتهما على يد استراتيجيين إسرائيليين ، وتمت إضافتهما إلى وثيقة ( التهديدات الكبرى لإسرائيل ) المعدلّة .
أما المبدأ الأول فهو : المعركة بين الحروب
" وهو يشمل كافة أشكال التصعيد العسكري والأعمال المضادة ، والعمليات العسكرية ، العلنية والسرية ، والغارات الجوية وأعمال المخابرات ، والاغتيالات .. الخ ."
وأحسب أن ما يدور في الإقليم كله من أوله إلى آخره " بما في ذلك ما جرى ويجري في سيناء " إلا صورا متعددة من تطبيقات مبدأ " المعركة بين الحروب " وهي في مجملها بمثابة إشغال مساحات منتقاه بين الحروب ، التي ماتزال نارها متأججة في المنطقة ، وبين الحرب الكبرى التي يمكن أن تقود إليها ، إذا أصبحت خيارا حتميا ، أو أن تبقى وتتواصل أشكال وأنماط المعركة بين الحروب ، إذا لم يكن الوصول إلى هذه الحرب الكبرى ضروريا ، أو ممكنا ، خصوصا في ضوء معادلة جديدة ، أصبحت ذات تأثير بالغ في حسابات موازين القوى أيا كانت ، هي " القدرة على امتصاص الخسائر " وقد كانت نظرية مجردة قبل سنوات ، ولكن الحرب على اليمن تحديدا ، ألبستها نبضا وحياة ، بعد أن ملأت أوصالها بالدم .
وأما المبدأ الثاني فهو : وضع نظرية الردع عمليا فوق الأرض ، ودفعها إلى أفق صدام عسكري محدود ومحسوب ، ولذلك فإن الزج بخيار التهدئة ، في حسابات " تقدير الموقف " على أنه خيار مرجّح أو حتى محتمل ، أو حتى الترويج له ، لإعطاء قناعة أن النار بعيدة عني بيوتنا وأصابعنا ، هو بمثابة نشر طمأنة زائفة ، لأنها طمأنة بغير طمأنينة ، ذلك أنني أحسب أن مبدأ " المعركة بين الحروب " بكل مفرداته ، سوف يبقى على حاله ، وتدحرجه إلى حالة حرب كبرى ، ليس مستبعدا ، لكنه سيبقى رهنا بعوامل بعضها منظور ، وبعضها غير منظور ، لكنه في كل الأحوال ، ليس مؤهلا لإنجاب تهدئة يبقي عليها الزمن ، إضافة إلى أن وضع نظرية الردع أو جانب منها على الأرض ، سوف يبقى قابلا للتمدد ، في إطار صراع ينبغي فهمه ووصفه ، بأنه " صراع ممتد " .
بغير ذلك فإننا نسطّح الرؤية ، ونخفض درجة الإحساس بالخطر ، ونسند ظهورنا إلى حائط من الثلج ، هو بطبيعته قابل للذوبان .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :