لحظة للإرادة والقوة والفعل الجسور ..!!     

لحظة للإرادة والقوة والفعل الجسور ..!!

بقلم : أحمد عز الدين

غاية ما يطلبه هؤلاء الانقلابيون الفوضويون وحلفاؤهم الاستعماريون الغربيون من المصريين ، في هذه اللحظات المفعمة بانتصار إرادتهم أن يتنفسوا هواء الفزع ، وأن يغمسوا خبزهم في ملح القلق ، وأن يتناولوا مع إفطارهم عصير الخوف ، وأن يتصوروا أن يد الإرهاب الآثمة قادرة على ان تصل إلى قلب أمنهم ، فتنتزعه من صدورهم ، وتطعمه لتلك القطعان الضالة في الطرقات ، وهو يقطر من دمهم .

وغاية ما يطلبه هؤلاء وحلفاؤهم الغربيون من المصريين ، في هذه اللحظات المفعمة بانتصار إرادتهم ، أن يتصوروا أن إنجازهم العظيم ما زال واقعا تحت تهديد نيران كثيفة متعددة المصادر ، وأنهم لم يقطعوا غير مقدمة الجسر الذي اندفعوا بطاقة الثورة والغضب فوقه ، وأن أولئك المستأجرين الذين يتجمعون فوق عجلات الفتنة والطمع والإرهاب ، قادرين علة أن يسدوا عليهم المنافذ ، وأن يضعوا في وجوههم الحواجز والمتاريس .

وغاية ما يطلبه هؤلاء وحلفاؤهم الغربيون من المصريين ، في هذه اللحظات المفعمة بانتصار إرادتهم ، أن يقرأوا في الإعلانات الأمريكية عن الدفع بسفن حربية لتلويث فضائهم ومياههم ، أن لغة مدافع الأسطول الأمريكي هي التي سوف تخاطبهم ، وأن شظاياها سوف تتساقط فوق موائدهم وأسرتهم .

وليس في ذلك كله شئ من الصحة ، لأنه من أوله إلى آخره محض إرهاب ، ومحض تخويف ، هدفه هو قص أجنحة روحهم المعنوية ، المحلقة فوق الكواكب والنجوم ، كمقدمة لكسر إرادتهم ، رغم أنها برهنت على أنها قُدّت من الصخور .

▲▲▲

لقد قلت وأقول ، انه ليس في ذلك كله شئ من الصحة ، لأنه من أوله إلى آخره محض إرهاب ، ومحض تخويف ، فمصر ذاتيا اقوى من أية لحظة مضت ، وأنضج عقلا ، وأصفى رؤية ، وأدفأ قلبا ، من أي مرحلة خلت ، وذلك ليس من قبيل الإنشاء ، او من قبيل المبالغة ، نعم ثمة مساحة معتمة للخطر ، ولكنها عابرة ، وثمة حاجز يراد له أن يقام للخوف ، لكنه من القش ، وثمة مؤامرات تجري متعددة الأركان والجبهات ، ولكنه محكوم عليها بالهزيمة والفشل ، فتلك ليست لحظة للضعف ، ولكنها لحظة للقوة ، وللإرادة ، وللفعل الجسور ، أما مكامن القوة المصرية ، فهي بادية ، وأما فعل الإرادة ، فهو يتنفس حيا في الطرقات ، وأما جسارة الفعل ، فهي الاستحقاق الذي ينبغي لدائرته أن تكتمل ، دون إرجاء أو تأخير ، وإذا كان الحديث موصولا بمكامن القوة المصرية ، في هذه اللحظات الضاغطة ، فينبغي النظر إليها من عدة زوايا حاكمة :

أولا : أنه لم يتوفر لمصر منذ عدة عقود ، مثلث للقوة ملتحم الاضلاع ، كما يتوفر لها الآن ، وإذا كانت قاعدة هذا المثلث هو شعب باسل عظيم ، تسلح بإرادة قاطعة للتغيير ، قام بإشهارها عمليا كالسيف البتار ، بجموع جرارة ، تمثل استثناءا فريدا في التاريخ الإنساني كله ، فإن ضلعه الثاني ، هو جيش وطني عكس بانحيازه المبدع إلى إرادة شعبه ، الطبيعة الخاصة لمدرسة العسكرية المصرية ، بعمق مئات القرون ، والتي ظلت باعتبارها وعاء القوة المنظم ، متمسكة - أولا - بعقيدة قتالية شبه ثابتة ، لحماية التراب الوطني ، والأمن القومي ، قدمت قوافل من الشهداء دفاعا عنها ، وتمسكت - ثانيا - بصياغات ناضجة ، ووشائج قوية مع مجتمعها بكل قواه الوطنية ، أتاح لها أن تلعب دورا راسخا في صيانة وحدته ، وتمسكت - ثالثا - بموقع خاص سمح لها أن تندمج كليا في تطلعات وطنها وطموحاته ، دون فجوات ودون استعلاء ، أما ضلع مثلث القوة المصرية الثالث فتتجاور فيه بقية منظومة القوة ، جنبا إلى جنب مع منظومات الضبط الاجتماعي ، وهي بالرؤية المجردة الأمن القومي والأمن الوطني على جانب ، والشرطة ومؤسسة القضاء على الجانب الآخر ، ومن المؤكد أن التحام أضلاع هذا المثلث على هذا النحو هو حدث فريد ، شكل للمرة الأولى منذ عقود رأس الرمح التي فتح الطريق واسعا أمام فيضان الثورة ، ووصولها إلى شاطئها المأمول ، كما أنه يظل رأس الرمح القادر على منازلة خصومها وأعدائها والمتآمرين عليها ، أيا تكن الأقنعة التي يخفون وجوههم القبيحة تحت ألوانها الزائفة .

ثانيا : إن الخريطة السياسية المصرية ، التي تضم كافة الأحزاب والقوى المنظمة ، قد أصابها كثير من الانكشاف ، وقد لحق بها كثير من التهميش ، فالواقع الماثل الذي لا تجحده عين ، أن القوام الأكبر من الشعب المصري ، بكافة طبقاته هو الذي استدعى نفسه وفجر طاقته ، واندفع بقوة دافقة كي يعيد بناء موازين القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع ، وقد فرض بنفسه إرادة التغيير متقدما ومتجاوزا كافة القوى والأحزاب والجبهات والرموز ، وهو متغير بالغ الوضوح ولكنه في الوقت ذاته بالغ الأهمية ، ذلك أنه لا يعني فقط أن الخريطة السياسية والحزبية القائمة بحسابات قواها وأحجامها ، مقارنة بحسابات القوى الشعبية وأحجامها ، لا تمثل إلا هامشا ضيقا ، ولكنه يعني أيضا أن قوى التغيير في مصر ستظل متلازمة مع الكتل الجماهيرية الواسعة ، وأي حديث لحزب أيا كان عن تمثيل واسع للشعب ، هو حديث لا يعبر عن الحقيقة الكاملة ، وإنما قد يعبر عن جانب منها ، وذلك فيما أحسب مصدر قوة حقيقية في الأوضاع الراهنة ، ليس فقط لأنه يتطلب من هذه الخريطة السياسية أن تعيد بناء كياناتها وصياغة برامجها ، ولكنه قبل ذلك يمثل مرجعية جديدة ، بمقدورها وحدها أن تمنح المشروعية السياسية والاجتماعية والثقافية لمن تراه جديرا بتمثيلها والتعبير عنها ، وتنتزعها ممن تراه واقفا في منتصف الطريق ، يضع نصف قدم في معسكر الثورة ، وثلاثة أرباعه في المعسكر الآخر ، وما ينطبق في ذلك على الأحزاب السياسية والأشخاص ، ينطبق على كافة أولئك الذين رفعوا واجهات دينية مباشرة ، لتنظيمات سقطت مشروعيتها حين عمدت إلى الخلط بين الدين وبين السياسة ، وإذا لم يكن بمقدور أحد حزبا أو جماعة ، أن يلعب دور شرطي المرور على مسار التاريخ الوطني ، فيسمح لمن يشاء بالمرور ويمنع من يشاء ، فإن الشعب المصري لعب وسيلعب هذا الدور ، دون افتئات ودون تمييز ، ولذلك ليس مقبولا ولن يكون مقبولا ، أن يتصور حزب النور - مثلا - أن لديه مشروعية لأن يلعب دور هذا الشرطي على مسار التغيير ، خاصة إذا كان يخوض مناورة واسعة دون جمهور ، فقواعده المحدودة العدد تصطف بإرادته أو بغير إرادته على الجانب الآخر ، غاية القصد أن مصر بات لديها قوة شعبية حقيقية ، غدت تمثل بذاتها مصدر مشروعية جديدة ، وعلى من يريد اقتسام هذه المشروعية ، أن يحاذي خطو الشعب ، وأن يمتثل لمطالبه .

ثالثا : لم يعد ثمة فراغ أو فضاء بين الشعب والجيش ، ولم يعد حتى ثمة هامش رقيق يمكن ان يغري أحدا بالدخول بين ثناياه ، لأنه يدرك عن يقين أن مآله أن يسحق بين صخرتين متلاصقتين ، لقد جرت في مياه النهر الوطني في أعقاب ثورة 25 يناير مياه مستوردة ملوثة ، حاولت أن تخلع على الجيش المصري صورة غير صورته ، وطبيعة غير طبيعته ، وحاولت أن تجد لهذه الصورة في مخيلة المصريين حائطا تلتصق به ، ولم يكن شعار ( يسقط حكم العسكر ) الذي صاغه الأمريكيون ومنحوه طازجا لبعض الائتلافات والجماعات ، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين ، كي تقوم بزراعته في تربة الرأي العام ، إلا صيغة مباشرة للتعبير عن هذه الصورة الزائفة ، ومن المؤكد أن جهدا كبيرا قد بذل ، ومالا كثيرا قد أنفق ، لكي تظل تلك الصورة الزائفة للجيش المصري قابلة للبقاء ، في مخيلة المصريين ، لكنه من المؤكد أيضا ، رغم كافة محاولات تغذية هذه الصورة من قبل بعض القوى والأفراد ، وبعض وسائل الإعلام ، أن ملامحها وخطوطها قد تبخرت ، كأنها مرسومة بألوان مائية ، مسحتها الأمطار في ليلة عاصفة ، لقد كتبت هنا قبل ثلاثة أسابيع من ثورة 30 يونيو بالحرف الواحد : " إن الجيش المصري قد خرج من معركة تكسير العظام ، أقوى بنية ، وأوضح برهانا ، وأصفى رؤية ، فقد وضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وباءت بالفشل كل محاولات ومخططات خلق حالة صدام أو مواجهة بين الشعب والجيش ، أو تكريس حالة انفصام بينهما ، أو تكريس الروح المعنوية للشعب تجاه قواته المسلحة ، فالحقيقة الساطعة تؤكد أن أمواج التأييد الشعبي للجيش ، هي أكثر الأمواج قوة وعنفوانا واندفاعا وعلوا ، وأن منسوبها الذي ازداد ارتفاعا هو الذي يتيح لسفينة الوطن أن تظل طافية رغم مساحات الجدب والتصحّر ، ومن المؤكد أن هذا المنسوب العالي من التأييد الشعب للجيش ، هو الذي خلق حالة معنوية جديدة ، انعكست في صفوف الجيش ذاته ، إرادة وجهدا وبذلا ، كما انعكست على الشعب بدوره ، ثقة ووعدا وأملا ، وحول هذه الدائرة تحديدا يتبدى قدر كبير من الفزع والقلق والتوتر ، في دوائر الاستراتيجية المضادة ، وفي سلوك أدواتها المحلية " ، ولقد اكتسبت هذه الحقيقة قوة مضافة ، بذلك التلاحم العضوي بين الجيش والشعب ، على جبهة واسعة غطت كافة خرائط الوطن ، ويقيني أن الجيش المصري يدرك فوق هذا الجسر ، أن أقوى اسلحته وأكثرها قدرة على تحقيق انتصار استراتيجي يبقي عليه الزمن ، هو كتلة هذا الشعب العظيم ، الذي هو منجم الطاقة ، ومصدر الإلهام ، ومقود الحركة .

رابعا : إن المصريين لم ينقلبوا على نظام ، ولم يطيحوا بحاكم مستبد أو بجماعة ، حاولت أن تعيد تفصيل مصر على مقاس رؤيتها ومصالحها ، ولكنهم على نحو جوهري أنتزعوا المبادرة السياسية من أيدي خصومهم في الداخل ، وأعدائهم في الخارج ، وتلك واحدة من أهم معاني ومصادر القوة ، وهي في الوقت ذاته أمضى أسلحة التغيير ، ولذلك من الحتمي أن تبقى هذه المبادرة بيد الثورة ، وأي تفريط فيها ، أو نجاح في نقلها خارج هذه الأيدي ، هو تفريط في الثورة ، وعمل إنقلابي ضدها ، وكما تنبع السلطة في كل ثورة من الجماهير ، فإن نجاح الثورة في تحقيق أهدافها والوصول بها غلى شاطئ السلامة ، مشروط باحتضان الجماهير والانفتاح عليها ، والحصول الدائم على طاقتها ودعمها ، وخلق صيغ مرنة للعلاقة المباشرة بها ، والاصطفاف الواضح على جبهة مطالبها ، ولذلك ينبغي أن يكون واضحا أن غاية جهد القوى المضادة هو استعادة المبادرة السياسية ، ولو بطلب جيوش الأعداء من أعالي البحار ، والمشكلة في ذلك أن هذه القوى المضادة ، ليست كالعدو في ميدان القتال ، فالعدو محدد حجما وتسليحا وعتادا ، وربما تكتيكا ، وطرق اقتراب بينما هي عدو قائم ، لكنه عدو غائم ، وهو عدو جاهل لكنه عدو مجهول ، ففي الحروب قوانين نازعت الإنسانية ثلاثة قرون لفرضها ، لكن الثورة المضادة لا قانون لها ، فهي بلا قيم ولا اخلاق ، أنها حروب الظلام ، وجرائم الهزيع الأخير من الليل ، التي تستخدم كل سلاح ، وتضع على وجها كل قناع ، وسائلها خسيسة ، وأدواتها هدامة .

▲▲▲

ثمة محاذير ينبغي أن توضع نصب الأعين ، قرب نهاية هذا الجسر الذي طال الوصول إليه ، قد يكون في مقدمتها :

أولا : أنه لم يتوفر لسلطة أو حكومة في التاريخ ، أن تصعد إلى مقاعدها وتتبوأ مواقعها ، بقوة شعبية كاسحة ، وإرادة وطنية قاطعة ، كما يتوافر لهذه السلطة ولهذه الحكومة أيا كانت وجوهها ، ولم يتوفر لسلطة أو حكومة في التاريخ ، أن يكون دورها مشحون بطاقة شعبية هائلة ، ووحدة وطنية غالبة ، كما يتوافر لهذه السلطة ولهذه الحكومة ، أيا كانت أوزانها ، ولهذا فإنها في ضوء مصادر القوة ، التي تستند إليها ، وآمال الناس المعلقة بها ، ليس عليها أن تقيم قراراتها ، في إطار البحث عن توازنات تضع في حساباتها إرضاء القوى الخارجية المتربصة بمصر ، أو طمأنتها ، فذلك لن يدفع ضررا منها ، ولن يمثل طمأنينة لها ، بل إنه على النقيض من ذلك ، سيحول الجرأة البادية ضد ثورة مصر ، إلى وقاحة في التعامل معها ، وسيقوي محاولات ابتزازها ، ودفعها إلى النكوص ، بما هو ملقى على عاتقها من مهام وطنية ، لا تقبل التسويف أو التأجيل .

ثانيا : إن المهمة السياسية الأولى لهذه الحكومة ، هو الإبقاء على المبادرة السياسية الكلية في يد مصر ، وهذا يتطلب أن يكون عملها سياسيا بالدرجة الأولى ، ولهذا فإنني لست ممن يشجعون عنوانا لحكومة أوصلتها ثورة شعبية غلى مقاعدها ، بأنها حكومة تكنوقراط ، فهذا توصيف يتسم بعد الانحياز ، في مناخ شديد الانحياز بطبعه ، ووسط هذه الأمواج السياسية العالية ، ليس بمقدور أحد أن يمارس السباحة آمنا ، إلا إذا كان متسلحا بحرفة سياسية رصينة ، وبرؤية سياسية عميقة ، وإلا قذفت به التيارات إلى حيث لا يريد ولا يرغب ، غن مصر ليست سيارة معطوبة ، تحتاج إلى ميكانيكي أو فني ماهر يتكفل بإصلاحها ، ولكنها كسفينة نوح تحتاج إلى من يشق بها بطن العواصف والأنواء ويوصلها سالمة بمن عليها لترسو على الجودي ، وهذا ما يتطلب بالضرورة الجمع بين علوم البحار وفنون السياسة .

ثالثا : إن العمل على تجاوز أخطاء المرحلة الانتقالية السابقة ، ينبغي أن يتم تفعيله بقوة ، وظني أن أكبر هذه الأخطاء دون مواربة يتلخص في النظر إلى هذه المرحلة الانتقالية على أنها مسافة طولية أو زمنية بين محطتي قطار ، على المصريين أن ينتقلوا من الأولى إلى الثانية داخل القطار الذي يجمعه وهم يرتدون ملابسهم نفسها ، ويحملون حقائبهم ذاتها ، ويتنفسون ازمات ومشاكل من جنس أزماتهم ومشاكلهم السابقة ، ليظل الخلل في التوازنات الاقتصادية والاجتماعية على حاله ، وإن أحيط بهالة من الوعود المرجأة والآمال المرتقبة ، وليدفعوا بعد وصولهم إلى المحطة الثانية ، نحو صناديق الانتخاب ، في ظل توازنات مختلة ، وأوضاع معتلة ، تحكم تصويتهم ، الذي لن يكون سوى تعبيرا مباشرا عن خلل واعتلال ، وفيما أحسب فإنني أنتمي إلى مدرسة ما تزال ترى أن حرية رغيف الخبز هي الضمانة الحقيقية لحرية تذكرة الانتخاب .

رابعا : إن الخطاب الاقتصادي الاجتماعي ، الذي مثل النبرة الأعلى ، خلال فيضان الثورة الجارف ، سواء في 25 يناير أو في 30 يونيو ، سواء بحكم شعارات الثورة في الميادين ، أو بحكم الطبيعة الاجتماعية للقوى التي قدمت ذاتها وقودا لها ، من شرائح الطبقة المتوسطة والطبقات الدنيا ، ظل جوهره مرتبطا بقضية العدل الاجتماعي ، فالاستحقاق الأول للثورة ، قد انبثق تلقائيا داخل كافة الميادين ، في تعبير محدد هو العدالة الاجتماعية ، وبين الثورتين تم مسخ التعبير وتزويره ، سواء من جانب الجماعة التي حولته إلى دعوه للتكافل ومساندة الفقراء ببركة الهبات والمساعدات ، وسواء من جانب صنف من الليبراليين الذين فتتوا معنى العدالة في مفردات هدفها الحقيقي تحصين الاستغلال ، على غرار الشفافية ومكافحة الفساد ، والشاهد في ذلك أن تحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الصحيح ، ومضمونها الكامل ، يتحتم أن يقع في قلب برنامج هذه الحكومة دون مواربة ، ودون التفاف ، فالعودة غلى التمسك بالصيغ التي يفرضها الانحياز إلى تلك الطبعة المستحدثة من الرأسمالية النفاثة ، التي تفرضها مؤسسات التمويل الدولية ، لن يكون مخرجا صحيحا لعبور الثورة إلى حيث تريد ، وإنما سيكون مدخلا حتميا لعبور الفوضى إلى حي تشاء .

▲▲▲

قال لي صاحبي الذي يحشر رأسه قريبا من الدائرة القريبة من رئيس الوزراء ومجموعته التي تختار حملة حقائب الحكومة الجديدة ، أنه لمس من تنحيته لأسماء مرشحين بأعينهم ، أنه لا يريد أن يدخل إلى حكومته وجها يبدو أيديولوجيا معاديا لأمريكا ، وقلت لصاحبي ، بغض النظر عن صحة استقرائك لذلك ، فلو كنت مكانه لطعمت هذه الحكومة بأكثر من وجه يبدو أيديولوجيا معاديا تماما لأمريكا ، فتلك رسالة ذات دلالة هامة ، كان ينبغي أن يتم إرسالها الآن وليس غدا ، ولك أن تتصور أن كافة الطائرات العسكرية التي حلقت في سماء مصر ، سواء تلك التي رسمت بالألوان علم مصر ، أو تلك التي ألقته على المتظاهرين يف الميادين ، او تلك التي دخلت إلى فضاء غزة أو سواها ، التي حلقت فوق قطع بحرية أمريكية في البحر الأحمر ، كانت جميعها طائرات روسية الصنع ، إن الجيش يعرف كيف يكتب ويرسل رسائله ، ولكنهم لا يريدون أن يتعلموا منه .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :