الحرب و " ثقافة عربة الموسيقي "     

الحرب و " ثقافة عربة الموسيقي "
بقلم: أحمد عز الدين
(1)
نُشرت هذه الرؤية ، في أوج معركة " الاختراق " ردا على تقرير لبعثة جريدة الأهرام، قادها " إبراهيم نافع " إلى واشنطن ، تحت دعوى تقصي الحقائق قبل أسابيع من الفتح الاستراتيجي لضرب العراق ، وهو تقرير صاغه " عبد المنعم سعيد " ونشره الأهرام بحروف مكبّرة ، في أهم صفحاتها .
غير أنه للأسف طويت رؤيتنا المبكّرة في الظل ، وظل " الاختراق " برؤاه ووجوهه تحت أضواء الشاشات ، والاحتفالات ، والمنتديات الفكرية والثقافية ، عامدا لأن يدفع مصر إلى حيث لا ينبغي لها أن تذهب .
مع ذلك ، تبقى الحقائق غير قابلة لأن تدفنها رمال الزمن ، ذلك أن الكلمات النافذة ، في معارك الأمن القومي ، شأنها شأن الدماء في معارك التحرير الوطني ، لا تجف ، ولا تذبل ، ولا تموت .

(2)

قبيل بدأ الفتح الاستراتيجي للعمليات العسكرية في حرب الخليج الثانية ، طرح مسئول مصري كبير عليّ سؤالا محددا : إن الأمريكيين يقولون أن لدى العراق مخزونا استراتيجيا من الطعام والغذاء ، لا يغطى احتياجاته سوي لستة أشهر ، ما هو تقديرك ؟ قلت له : إنهم لا يعرفون العراق ، إنك تستطيع في أي بيت عراقي فقير ، أن تشرب إذا أرادت ، كوبا طازجا من عصير الطماطم ، بعد أكثر من ستة أشهر علي اختفائها من الأسواق ، لقد ظل العراق بموقعه علي حافة الإقليم ، جسرا للغزاة القادمين من قلب آسيا الذابل ، ولقد ترسبت بعوامل التكوين والتاريخ ، لدى العراقيين غريزتان يانعتان : غريزة تخزين الطعام والغذاء ، وغريزة مقاومة الأجنبي .
أقول ذلك ردا علي أكثر من فهم ضيق وملتبس يشيع استخدامه في أجهزة الإعلام ، الأول يكرر دعوة ، بأن إنقاذ شعب العراق ، وحماية استقرار الإقليم ، تقتضي أن يغادر صدام حسين العراق إلي منفي اختياري ، والثاني يردد قناعة بأنه لن تكون هناك مفاجأة أن يعلن صدام حسين تنازله عن الحكم في اللحظات الأخيرة ، مثلما أعلن انسحابه من الكويت في آخر لحظة من حرب 1991 ، وهي قناعة وزعها للأسف ، بعض من يضعون تحت أسمائهم وصف خبراء في الاستراتيجية ، والثالث يكاد أن يكون صدي لبعض ما يتردد في أوراقه البنتاجون ، من أن العراقيين المغلوبين علي أمرهم سيلزمون بيوتهم في أوج المعركة ، في انتظار ما ستسفر عنه المواجهة العسكرية .
إن خطورة الفهم الأول تتبدى في أنه يريد أن يعطي للناس قناعة بأن خروج صدام حسين من العراق، سوف يعني أن ذرائع الولايات المتحدة الأمريكية، لاحتلال العراق كمدخل لاحتلال الإقليم ، قد تم إسقاطها ، فالواقع أن الولايات المتحدة ، تريد العراق لا صدام حسين، وهي تريده استسلاما بغير تكلفة ، أو حربا إذا استعصي الاستسلام ، بأقل تكلفة ، ولا أعتقد أن من مصلحة أحد في الإقليم ، باستثناء إسرائيل ، أن تجد الولايات ، أن الثمرة العراقية قد سقطت في فمها ، دون تكلفة أو عناء ، لأن معني ذلك تغذية قناعة الولايات المتحدة، بأن الإقليم كله ساقط استراتيجيا في فمها ، وأن استسلامه غير المشروط واقع بغير حرب ، وبغير ثمن، مع العلم بأن حسابات التكلفة هي العنصر الأكثر تأثيرا في اندفاعة الولايات المتحدة الأمريكية.
أما خطورة الفهم الثاني ، فإنها تتركز في إنه يعطي قناعة للولايات المتحدة ، بأن عليها أن تدفع قواتها العسكرية إلي آتون المعركة دون إبطاء ، لأن وصول ضغوطها الاستراتيجية إلي قمتها ، علي مشارف الطلقة الأولي ، سوف يعني وقبل أن تخرج الطلقة ، إنها ستحصد النتيجة التي تريد ، وأن النظام سوف يرتمي في أحضانها استسلاما ، وهو ما قد يمثل عنصر إغواء إضافي لآلة حرب الأمريكية ، لا تحتاج إلي مزيد من الإغواء ، لتكمل اندفاعتها المحتومة .
أما خطورة الفهم الثالث ، فتتركز في أن يعطي قناعة للإقليم والولايات المتحدة معا ، أن ثمة معركة محسومة استراتيجيا في الطريق ، وأنها ستتم بتكلفة قليلة ، وعوائد عالية ، وإذا كان العراقيون سيلزمون بيوتهم في انتظار ، انتصار القوات الأجنبية ، ودحرها لنظامهم الشمولي ، فإن الناس في عموم الإقليم ، سيلزمون بيوتهم أيضا ، في انتظار أن يمشوا خلف عربة الموسيقي ، التي ستعزف لحن المنتصرين الأمريكيين ، الذين جاءوا باعتبارهم مخلصين لهم ، إذا لم يكن من استبداد الأنظمة ، فمن صناعة الفقر التي أدمنتها .
إن مفهوم " ثقافة عربة الموسيقي " ، التي ستدفع الجمهور الغاضب في العالم العربي ، لأن يعدو وراءها فور أن تصدح بأغاني الانتصار الأمريكية قد صاغه (دنيس روس) ، في محاضرة مغلقة له ، أمام اللوبي اليهودي في لندن ، وهو مفهوم ، قد يريح ضمائر السكاكين الأمريكية ، بأنها جاءت من أجل الحرية لا الذبح ، ومن أجل التحرير لا الاحتلال ، ولكنه لا ينبغي أن يتحول إلي عملة معتمدة في الإعلام العربي ، لأنه بغض النظر عما يضفيه علي الأنظمة العربية من صفات ، فإنه يصور الشعب العربي علي إنه قطعان ماشية ، قد ينتظر قليلها خانعا سكين الذبح ، لكن كثيرها ينتظر قانعا سكين التحرير من الجزار الوطني!
(3)

لقد أنفق رئيس تحرير الأهرام ، وفرة جهد ووقت ومال، ليعود مع فريقه من الولايات المتحدة الأمريكية ، بحزمة من الاكتشافات الجديدة التي تبهر العين، كأنها شلالات ضوء في الظلام الدامس .
• عاد باكتشاف جديد- أولا - يري أن الحرب واقعة لا محالة ، ولكنه فسر ذلك بأن " طرفي الأزمة يندفعان بقوة إلي الحرب " ، وهذا يعني أن لديه ما يفيد أن كلا الطرفين يمارس الآن عملية الفتح العسكري الاستراتيجي ، فوق حدود الآخر ، وداخل ترابه الوطني .
• و عاد باكتشاف جديد- ثانيا – لابد وأن يحرك فينا قدرا عاليا من التقدير و الانبهار بالمؤسسة العسكرية الأمريكية ، التي تمثل القوة الأولي في العالم لأنها بألفاظه :" تواصل الحشد للحرب بدرجة عالية من الحرفية" ، مما أثلج صدورنا وطمأننا علي ما وصلت إليه القوة العسكرية الأمريكية ، من قدرة وتقدم ، لأن المفكرين الاستراتيجيين من أمثاله ، يدركون أنه كلما كانت القوة قادرة ومحترفة ، كلما كان الموت أسرع ، والألم أقل ، والاحتضار أقصر ، لأن السكين المسنون أفضل من المثلوم في ذبح الأضاحي.
• و عاد باكتشاف جديد- ثالثا – يعيد المصداقية إلي تقرير باول أمام مجلس الأمن ، حيث أننا لم نكن علي دراية حقيقية ، بأن التقرير أعطي قدرا من المصداقية أمام أطراف دولية عديدة ، كما أننا كنا نجهل أن الأمم المتحدة تشارك وزير خارجية أمريكا الرأي في أن لدى العراق أسلحة كيماوية وبيولوجية ، ويبدو أن صدقنا استخفاف دول عديدة من العالم بتقرير باول ، وسقطنا في شرك عملية خداع ، ساهمت فيها عدة أجهزة مخابرات دولية معادية ، حيث أكدت أن الصور التي قدمها باول لصهاريج المواد الكيماوية العراقية ، لا تصلح إلا كمستودعات نقل عبوات من البترول .
• و عاد باكتشاف جديد- رابعا – يقدم صورة واضحة لأبعاد الاندفاعة العسكرية الأمريكية في قلب العراق ، وهي صورة تبعث الطمأنينة والثقة ، لأننا سنستمتع كمشاهدين ، بجراحة عسكرية متقنة ، فالقصف لن يستمر سوى أربعة أيام ، وجميع الأسلحة من الصواريخ والذخائر والقنابل ، مختبرة الفاعلية ، مجربة التأثير ، ونسبة القذائف الذكية من النيران التي سيتم غمر العراق بها لن تقل عن 70% ، وبالتالي ستكون موصولة بأهدافها ، ولن يكون هناك اختراق للمدن العراقية ، التي ستبقي آمنة مطمئنة ، أما بغداد نفسها فسوف يفرض عليها حزامان ضاغطان عسكريان ، ولكن لفترة زمنية قصيرة ، بعدها ينهار النظام وتتهاوي نخبته ، ذلك إنه لن يخرج للقتال، ولكنه سيختبئ في الأنفاق ويترك شعبه يواجه الهلاك .
• و عاد باكتشاف جديد- خامسا – يضفي علي آلة الحرب الأمريكية بعد إتقان الحرفة، بعدا إنسانيا وافرا جديدا ، فقد نقل تأكيدات مؤكدة أن آلة الحرب الأمريكية ، وضعت خططا للتقليل من المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها شعب العراق ، في حالة وقوع الحرب الواقعة ،لكنه للأسف بخل علي الجمهور ، ولم يطلعه علي جانب من هذه الخطط التي زادت طمأنينته بعد أن أطلع عليها، كما أنه نقل إلي حيز اليقين،أن الإدارة الأمريكية بما جلبت عليه من مشاعر إنسانية فياضة ، وبما تحمله عقيدتها من منظومات قيم الليبرالية والحداثة ، قد أدركت أن شعب العراق لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب ، مما دفعها حبا في الشعب العراقي ، إلي إعداد خطط محددة لتقديم مساعدات إنسانية ضخمة لأبناء العراق ، ولكل مدينة عراقية تدخلها القوات الأمريكية، ولو أنه بخل أيضا علي الجمهور المتعطش إلي المعرفة ، بإطلاعه علي شئ من هذه الخطط المحددة ، إلا أنه وصف المساعدات الأمريكية بأنها ضخمة ، كما إنه ربطها بكل مدينة عراقية تدخلها القوات الأمريكية ، والخشية من ذلك مع هذا الحجم من المساعدات الإنسانية الضخمة ، أن تتسابق المدن العراقية في طلب دخول القوات الأمريكية إليها ، مما يعرقل أولويات هذه القوات ، كما إنه ليس مستبعدا أن تطلب مدن عربية أخري ، خارج خريطة العراق ، دخول القوات الأمريكية إليها ، دون انتظار المرحلة الثانية، بعد أن يمن الله عليها بفتح العراق ، وسوف يكون لها عذرها في هذه الحالة ، فالحديث عن المساعدات الضخمة بين بركة الكساد ، وزعانف الفقر ، يعزز نداء التحرير والغني ، بطلب دخول القوات الأمريكية دون إبطاء، كالملائكة علي أجنحة الغمام .
يضاف إلي ذلك المعني الأكثر تعبيرا عن المسئولية الإنسانية التي تثقل ضمير آلة الحرب الأمريكية والتي فرضت عليها- كما أكد السيد رئيس التحرير – أن تعد خططا للتعامل مع البنية التحتية العراقية ، وثروة العراق البترولية ، لحمايتها من عمليات تخريب متوقعة ، علي أيدي العراقيين ، ولذلك فإن علينا أن ألا نقع في عملية خداع نظر شائعة ، بأن نتصور أن أمريكا جاءت لتحتل العراق بسبب أطماع في الثروة أو البترول ، لأنها جاءت بالأساس لصيانتها والحفاظ عليها ، وحمايتها ، من أيدي المواطنين المخربين العراقيين ، وما دامت عمليات استنزاف الإمكانات في العالم العربي قائمة ، وتبديد الثروات متصلة ، فقد يكون من الحكمة ، إرسال نداءات عاجلة إلي القوات العسكرية الأمريكية للتدخل ، صيانة لبقية ثروات المنطقة ، وإمكاناتها ، من عمليات التجريف والتبديد ، التي تتعرض لها علي يد أصحابها .
• و عاد باكتشاف جديد- سادسا – بأن الإدارة الأمريكية بدأت في التعامل مع الرؤية البديلة التي تري ، أن العمل العسكري ينبغي أن يكون القرار الأخير ، حيث دخلت في حوارات مع القوي الدولية التي تتبناها ، ولكنها نجحت في إقناع هذه القوي برؤيتها للخيار العسكري ، وهي علي شفا الحصول علي موافقة موسكو ، وبصدد الحصول علي موافقة فرنسا ، ولا يهم في ذلك أن الموقف الروسي ، بعد ساعات من نشر المقال ، قد أبدي انحيازا كاملا إلي الحل السياسي ، وإكمال عملية التفتيش ، أو أن الموقف الفرنسي ، قدم نفسه علي أنه مناهض للحرب وإنه يمثل ضمير العالم ، لأن علينا أن نصدق موظفا في الخارجية الأمريكية ، حينما يخبرنا في حجرة مغلقة ، " أن مصالح فرنسا وروسيا في عراق ما بعد صدام ستجذبهما للتحالف " ، مهما أدعي وزير خارجية فرنسا أو وزير خارجية روسيا ، علي مرأى ومسمع من العالم كله وفي الهواء الطلق ، ولأننا لابد وأن نطمئن إلي أن واشنطن ماضية " في تأمين مظلة قانونية دولية وسياسية لضرب العراق " ، وماضية في " التوسع في تقديم أدلة وقرائن علي قيام العراق بخرق مادي لقرار مجلس الأمن " خاصة و"أن الملف الأمريكي لا يعتمد علي تخمينات وإنما علي معلومات" .
• و عاد باكتشاف جديد- سابعا – مؤداه أن الدول العربية قد وضعت إمكاناتها تحت تصرف القوات العسكرية الأمريكية ، سواء أكان محور الهجوم غربا من الأردن ، أو جنوبا من الكويت ، أو كانت تسهيلات الملاحة والطيران من كل محور واتجاه ، أو كان تعويض نقص إمدادات البترول في الحالتين ، إذا طالت أعمال القتال ، أو إذا دمر العراق بيده ثروته القابعة في آبار بتروله .
والحقيقة أن هذه الحزمة من الاكتشافات المذهلة، ليس مكانها اللائق صحيفة مصرية ، فقد جاهدت نفسي وأنا أقرأها ، لأدفع ظنا بالإثم ، إنني إنما أقرأ منشورا مما سوف تقوم الطائرات الأمريكية والبريطانية بإسقاطه ، في أنحاء العراق ، كجزء من أدوات الحرب المعنوية ، قبيل إطلاق الطلقة الأمريكية الأولي ، بين يومي الثاني والخامس من الشهر المقبل ، حينما ينطفئ القمر في سماء العرب .
(4)
لماذا تبدو الولايات المتحدة مندفعة نحو العدوان ، كأنها جرم سماوي خرج عن مداره ، ليقذف بنفسه من الفضاء ، مصطدما علي نحو مروع بهذه القطعة من العالم ؟
إن تفسير ذلك بأسلحة الدمار الشامل في العراق ، أو بالنظام العراقي ذاته ، ليس تفسيرا قاصرا فحسب ، ولكنه تفسير يتستر علي جانب علي الدوافع الحقيقية لهذا الاصطدام ، وعلي الطاقة الأمريكية الدافعة له ، ويتستر علي الجانب الآخر ، علي النتائج التي ستتمخض عن هذا الصدام، وستكون- علي حد تعبير- موسى زعلون رئيس الأركان الإسرائيلي نفسه- بمثابة زلزال إقليمي في الشرق الأوسط ، ينهي أوضاعا قائمة ، ويخلق أوضاعا جديدة ، ويعيد توزيع القوى فوق تخوم الإقليم ، علي نحو فريد .
دعك من الملفات الأمريكية والبريطانية ، عن أسلحة الدمار الشامل في العراق ، لأنه يكفي للرد عليها ، دراسة خبير استراتيجي في معهد (يونايتد سرفي) هو (دان بلبيش) ، الذي استطاع أن يبرهن علي أن الملف الذي قدمته المخابرات البريطانية ، علي أنه أحدث ما لديها عن أسلحة الدمار العراقية ، قد تم نقله حرفيا من مقالات نشرت عن صحف غربية أهمها (الميدل إيست ريفيو) (انترناشيونال أفيرز) ، و (جينز انتليجنس ريفيو) ، والفضيحة التي تسترعي الانتباه في ذلك ، أن عملية النقل تمت بشكل متعجل وردئ ، لأن تقرير المخابرات البريطانية ، أورد المعلومات التي تم نقلها من الصحف المذكورة ، بالعبارات الأصلية المنشورة في صلبها ، محتفظا بما تضمنته سطورها ، من أخطاء مطبعية ، ولغوية ، وهو ما جعل الربط بين مقالات الصحف المذكورة ، وملف المخابرات البريطانية ، حقيقة دامغة لا تقبل الدحض أو الإنكار.
إن علينا أن ندرك أن الولايات المتحدة تدخل في طور جديد ، أو علي حد تعبير كاتب أمريكي هو (هوارد فاينمان) ، تدخل في عهد جديد ، وأن هذا الطور أو العهد الجديد ، شبيه- كما يقول الكاتب نفسه- بذلك العهد الذي بدأ قبل قرن من الزمن بدقة مخيفة ، عندما كانت أمريكا في نهاية القرن التاسع عشر، قوة ناشئة تمارس القوة العالمية الجديدة عليها للمرة الأولي ، فقد واجهت أسبانيا ، واستطاعت انتزاع كوبا وبورتوريكو والفلبين من أيدي الإمبراطورية الأسبانية القديمة، لكن النتيجة- كما يضيف الكاتب- أن أمريكا ربحت إمبراطورية علي حساب أرواحنا وأرواحهم ، وأيضا علي حساب شعورنا البريء بأننا مستقيمون ، ولذلك فإن هؤلاء الآباء ، الذين أطلقوا مبدأ الإمبريالية الأمريكية قبل مائة عام ، من مؤسسة الساحل الشرقي الأمريكي ، هم الذين أسسوا الإمبراطورية الأمريكية ، وهذه الإمبراطورية تدخل الآن في طور جديد أو عهد جديد ، من خلال مجموعة منظمة ، ذات توجهات استراتيجية ، لتضم لحدود الإمبراطورية الأمريكية القائمة حدودا جديدة ، ربما علي مقاس العالم الفسيح ، ولهذا فإن ثمة شبه كبير بين آباء مؤسسة الساحل الشرقي للولايات المتحدة ، والآباء الجدد الذين يريدون توسيع الإمبراطورية الأمريكية ، فالرئيس بوش يشبه زعيم المجموعة القديمة "تيدي روزفلت" من حيث إنه- كما يقول فاينمان- ناشئ في بيئة من الثراء والامتيازات تسيطر عليه نظرة قتالية نحو العالم ، أما "ديك تشيني" فهو يمثل" هنري كابوت لوج " بموقعه الأبوي في مجموعة الآباء المؤسسين ، أما رامسفيلد ومساعده "وولفيتز" فإنه يحتل مكان "تيرمهان" ، الضابط البحري الأمريكي ، صاحب نظرية الحرب القديمة باعتباره النصير النظري للحرب الجديدة .
والحقيقة أن هذه نظرة صائبة ودقيقة ، تعكس جانبا من الطور الأمريكي الجديد ، الذي يستهدف توسيع حدود الإمبراطورية ، لأنه عندما بدأ الطور الأول في بناء الإمبراطورية لم تكن أمريكا غير نواة صغيرة لمستعمرة غربية ، لا تزيد قوتها البشرية عن 4 ملايين ، لكن مساحتها تضاعفت أربعين ضعفا ، خلال ما يربو علي قرن ونصف ، وكما انفرد نمط توسعها ونموها ، باستخدام القوة في أغلب الأحيان، مثلما اقتطعت بالقوة في مرحلتها القارية الأولي ، تكساس من المكسيك ، وكذلك كاليفورنيا ، وكذلك فلوريدا من أسبانيا ،فإنها اكتسبت أرضها بالشراء أحيانا مثلما اشترت لويزيانا من فرنسا ، وفي النصف الثاني من القرن حين كان التوسع الأمريكي يمتد علي طول جزر الباسفيك استولت من أسبانيا علي هاولاند وبيكي ، ثم ميدواي ، حتى وصلت إلي هاواي ثم الفليبين ، لكنها اشترت آلاسكا من روسيا، وفي القرن العشرين استولت علي بورتوريكو وكوبا ومنطقة القنال في بنما ، بينما اشترت جزر فيرجين من الدانمارك ، لتفوق أوروبا مساحة ومواردا ، وتنتهي من حيث انتهت ، أو من حيث بدأ الانقلاب الصناعي ، ولذلك فإن غريزة التوسع الجغرافي والتمدد ، تشكل مكونا أساسيا في الذاكرة التاريخية الأمريكية ، ولهذا لم يكذب مفكر أمريكي هو" ترنر" حين قال : " إن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية هو تاريخ الحدود المتحركة علي الدوام ودون تردد" ، ولم يبالغ (سبيكمان) أهم المفكرين الاستراتيجيين في منتصف القرن الماضي ، في تعبيره الصافي عن هذه الغريزة الأمريكية بقوله:" إن شكل الأرض نفسه يلغي الأخلاق ، ويعطي الأقوى المبرر لتدمير الأضعف " .
ولذلك فإنه خارج طبيعة التكوين الأمريكي نفسه ، يصعب تفسير كثير من ظواهر الخصوصية الأمريكية ، فعندما يصبح الضم بالقوة أو الشراء بالمال ، هو منطق الحرفة التاريخية ، لتحويل مستعمرة إلي دولة علي مقاس قارة ، يصبح الضم بالقوة أو الشراء بالمال ، هو المنطق المستمر ، لتوسيع حدود القارة ، فوق التخوم البعيدة ، ويصبح طبيعيا تصنيف دول المنطقة العربية إلي صنفين ، صنف قابل للضرب ، وصنف قابل للشراء ، وفي المحصلة النهائية، فنحن أمام طور أمريكي جديد ، هو طور استعماري مباشر ، يسعي إلي أن يمارس معنا ، ما مارسه قبل قرن من الزمن، مع الإمبراطورية الأسبانية المتداعية ، عندما أخذ يستولي علي وحداتها ، واحدة بعد الأخرى ، لأنه كان يراها ساقطة بالمعني الاستراتيجي .
(5)

إننا نتحدث عن تحول لعهد أمريكي جديد ، وإذا كانت التحولات التاريخية ، تأخذ إيقاع التاريخ ذاته ، فلماذا تبدو الولايات المتحدة ، مندفعة كسهم يغادر قوسه المشدود ، إلي هذا الحد نحو حدود الإقليم :
أظن أن وراء الإندفاعة الأمريكية ، طاقة دفع قوية ، لا تستطيع الإدارة الأمريكية نفسها أن توقفها لو أرادت ، ليس لأن القوات الأمريكية قد بدأت بالفعل عمليات الفتح الاستراتيجي ، حول العراق ولكن لأن منظومة القوة التي تمسك بالقرار الاستراتيجي في الولايات المتحدة ،و الموصولة بالقوى الاقتصادية والاجتماعية المسيطرة، لا تري مخرجا ، لأزمة اقتصادية اجتماعية متفاقمة ومتصاعدة ، بغير هذه الاندفاعة :
1. لقد استوردت الولايات المتحدة خلال عام (2001) ،10.8 مليون برميل بترول يوميا ، إضافة إلي إنتاجها البالغ 6 ملايين برميل يوميا ، وبذلك ارتفعت وارداتها من البترول قياسا إلي العام السابق (2000) بنسبة 90% ، وإذا كانت قد استوردت خلال عام 1998 ما قيمته 50.6 مليار دولار ، فقد دفعت خلال عام 2000 ثمنا لوارداتها من البترول ما يتجاوز 119 مليار دولار ، وإذا كانت قد أطلقت من احتياطها الاستراتيجي مليون برميل يوميا ، لاحتواء تذمر المستهلكين ، وارتفاع الأسعار ، فإنها لا تستطيع أن تواصل نموها ، في ظل أزمة اقتصادية هيكلية ، بمزيد من استنزاف الاحتياطي ، أو بتضخم مضاعف في فاتورة وارداتها البترولية .
2. وفق دراسات أجرتها مراكز أبحاث ومؤسسات مالية ، وبنوك استثمارية مختلفة في الولايات المتحدة وبريطانيا ، فليس ثمة بديل عن الحرب ، شرط أن تكون سريعة ، وأن تحقق نصرا فمؤسسة (كونسنسن)- مثلا- دعت من خلال دراسة أجرتها، إلي حرب سريعة ،لأنه سيتبعها انخفاض في أسعار البترول ، ويليها بداية انتعاش للاقتصاد العالمي ، ومعهد المديرين في لندن أصدر تقريرا ، أكد فيه أن ضرب العراق سيؤدي إلي هبوط أسعار البترول إلي عشرين دولار ، وإلي ارتفاع في أسعار الأسهم لا يقل عن نسبة 5% ، ولهذا فقد انتهي إلي أن الحرب ضد العراق أفضل من اللا حرب ، بل أنه هناك تقارير لمؤسسات أمريكية أكدت أن هناك خسائر كبيرة مؤكدة، سوف تحدث في الاقتصاديات العالمية ، من جراء تأخير العمليات العسكرية ، وأن هذه الآثار لن تطول الاقتصاد الأمريكي وحده ، لأن تأجيل الحرب لمدة ستة أشهر فقط ، سوف يؤدي إلي تخفيض النمو في الاقتصاد الأوروبي ذاته بنسبة 0.06 % اعتمادا علي الزيادة في أسعار البترول وحده .
3. ويصعب فهم هذا الإلحاح علي الحرب من جانب ارتفاع أسعار البترول وحدها ، لأن الاقتصاديين الأمريكيين أنفسهم هم الذين يتحدثون عن اقتصاد أمريكي يترنح منذ أن صعد الرئيس بوش إلي البيت الأبيض ، فقد أنخفض الدولار الأمريكي أمام اليورو بنسبة 20% ، انخفضت الفائدة في البنوك الأمريكية من 6% إلي 1.25% وهي لم تعد قابلة للتخفيض أكثر من ذلك ، والعجز الرسمي المعلن في الموازنة الأمريكية (2003) يبلغ 300 مليار دولار ، ولكن التقديرات الاقتصادية المحايدة ، تقدره بنحو 475 مليار دولار ، والاقتصاد الأمريكي يهوي إلي قاع من الكساد ، فقد بلغ الهبوط الاقتصادي الإجمالي نحو 13% ، وزادت البطالة بمعدل 40% (من4.2% إلي 6%)، وانخفضت قيمة الاستثمارات التكنولوجية نسبة 60% ، أما قيمة الأسهم الأمريكية ، فقد انحدرت خلال عامين من 14.7 % تريليون دولار إلي 9.9 % تريليون دولار ، وبذلك خسرت حوالي 5 تريليونات دولار من قيمتها ، فضلا عن أن المؤشر الرئيسي لسوق المال الأمريكي ، قد انخفض بمعدل 33% ، وهو ما لم يحدث في عهد أي رئيس أمريكي آخر ، إضافة إلي بروز أبنية هائلة للكساد في شكل ديون متضخمة ، سواء لدى الشركات أو لدى المستثمرين ، سوف تزيد من تراجع حاد في الطلب بالأسواق الأمريكية .
4. لكن هل ستحل الحرب ضد العراق مشكلة الاقتصاد الأمريكي ، أفضل الإجابات الأمريكية تقول أنها ستحقق انتعاشا مؤقتا ، لأن هناك أزمة اقتصادية هيكلية سوف تتكفل الحرب بإعادة تدويرها ، وتأجيل انفجارها ، بالشروط نفسها ، أن تكون الحرب سريعة ، وأن يكون الانتصار كبيرا ، لكن إذا حدث السيناريو الأسوأ ، والذي قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن نسبة حدوثه بين 5% و 10% ، فإن أسعار البترول سوف ترتفع إلي 80 دولار للبرميل ، وسوف تنهار الأسهم الأمريكية بنسبة 30% ، وينخفض الناتج القومي الأمريكي بنسبة 2% ، وسوف يكون الأمر في مجمله كارثة للاقتصاد العالمي كله .
وإذا طال سقف الحرب أكثر من التقديرات الأمريكية ، ومركز الدراسات السابق نفسه ، يحدد نسبة حدوثه بنحو 50% ، فإن النتائج أيضا ، لن تكون مواتية لهذا الازدهار المؤقت ، الذي يريد الأمريكيون ، أن يصنعوا جبالا من الخراب والدمار ، وبحارا من الدم ، كي يتمكنوا من تحقيقه .
(6)
الحرب واقعة لا محالة ، والأمريكيون قادمون ، محتلون ، باقون ، لا محررين عابرين ، كي يضموا ثروات الإقليم إلي حدود إمبراطوريتهم الجديدة ، تشحنهم ذاكرتهم التاريخية ، وتدفعهم أزمة مستحكمة ، وأطماع دانية ، والذين يريدون أن يوقفوا اندفاعة الخراب الأمريكي ، لن يستطيعوا بغير سبيل واحد ، هو إقناع الأمريكيين أنفسهم ، أنهم سيدفعونهم ثمنا أكثر تكلفة ، من ثروات الأرض التي سيحصدون ثمارها ، بمنجل الموت ، فسوف تبقي حسابات التكلفة ، لا غيرها ، هي العنصر الأكثر حسما ، وتأثيرا ، في إيقاف اندفاعة هذا الجرم المجنون في الفضاء ، قبيل اصطدامه بقلب كوكب الأرض في الشرق الأوسط .

 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :