تلك الفئران التي تقرض قواعد السفينة ..!!     

تلك الفئران التي تقرض قواعد السفينة ..!!

بقلم : أحمد عز الدين
هل نحن أمام عُصبة منظّمة تسعى إلى إحداث انقلاب فكرى وثقافى كامل ، يطول العقيدة الوطنية والخصوصّية الوطنية ، والتاريخ الوطنى والقومى ، بادئة بإشعال النار فى أخصب مراحل هذا التاريخ ورموزه الكبرى ، وزرً رماد حرائقها فى عيون الناس عبر هذه الشاشات المشتراة المباعة ، لنشر حالة عامة من عدم اليقين ، تنتهى بالإصابة بعمى إستراتيجي ؟
أظن أن شيئاّ من ذلك يحدث ، وأنه لا يجرى بالهوى الذاتى ، ولا بالبحث عن الشهرة ، ولا يستهدف كسب مشاهدين جدد لساحات إعلامية بائسة وجهولة ، ولا أظنه – أيضاً – من قبيل إشغال الناس بعيداً عن إحتقان ظروفهم اليومية والمعيشية ، بافتعال قضايا تشبه البالونات الكبيرة الملونة المملؤة بغازات سامة ، لتخطف الأبصار ثم تنفجر فى الصدور ، ذلك أمراً كذلك يبدو بعيداً عن سلطة العقل ، لأنه يعبّر عن تكتيك مضاد للإستراتيجية الوطنية ، فإذا كانت هذه الإستراتيجية هى إستراتيجية بناء ، فهذا تكتيك هدم ، وإذا كانت إستراتيجية تحرير واستقلال ، فهذا تكتيك استعمار وتبعيّة ، وإذا كانت إستراتيجية توحّد و تعبئة ، فهذا تكتيك إنقسام واحتراب ، ولا أظن أن عقلاّ وطنياً أيا كانت مداركه وثقافته يمكن أن يهبط إلى هذا الدرك الأسفل من غياب النزعة الوطنية العامة ، بل والدعوة من فوق منابر الإعلام إلى استئصالها من عقول الناس ومن أفئدتهم .


ولا أظن كذلك أن عقلاً وطنياً يمتلك أفقاً من المعرفة بالتخطيط الإستراتيجى ، يمكنه أن يضع التكتيك فى تناقض مع الإستراتيجية ، لأن وظيفة التكتيك هى أن يضع نفسه فى خدمة الإستراتيجية ، لا أن يدمّر الإستراتيجية ، بأن يضعها فى خدمته ذاتياً أو لحظياً.
نحن – إذن – بصدد قوى بعينها تدفع بطاقة مضاعفة عبر وسائل إعلام متعددة ، إلى إحداث انقلاب فكرى وثقافى كامل ، أصبحت وأصبح خطابها يشكّل ظاهرة واضحة ، ولا تستطيع أن تجد تفسيراً موضوعياً لذلك خارج إطار إتساع وتعمّق ظاهرة ( الإختراق ) الأجنبى .
لقد كنت أول من إستخدم تعبير ( الإختراق ) فى مواجهة ظاهرة التمويل الأجنبى فى مصر قبل ثمانية عشر عاماً ، من خلال حملة اتسعت لسلسلة مطولّة من المقالات ، وقد طال وقتها كبريات الصحف القومية بما فيها مراكز دراسات سياسية وإستراتيجية مرموقة ، ثم غدت الحملة وصاحبها فى مهب عاصفة عاتية ، لولا تفهم وطنى عميق من جانب رئيس المخابرات العامة ، ووزير الداخلية آن ذاك .
لكننا كنا نتحدث عن منصات ( إختراق ) ضيّقة الجبهة ، محدودة الفاعلية ، تمارس دورها من خلال أبحاث ممّولة خارجياً فى مجال استطلاعات الرأى العام ، هدفها الخفىّ أن ترسم خرائط عن الأوضاع الداخلية ، وتقدمها للخارج ، كى يعبأ بمادتها المتفجّرة مدفعيته الثقيلة الموجهة إلى السلطات فى الداخل ، ولم يكن تأليب الرأى العام فى مصر ، ولا فى العقيدة الوطنية ، ولا تحقير التاريخ الوطنى قابلاً لأن يوقّع بتبجح كامل على لوحة التنشين كما يحدث الآن ، فلم يكن بمقدور أحد أن يطلق على محارب وطنى عظيم الدور فى مرحلة اليقظة الوطنية المصرية ، هو أحمد عرابى ، وصف فأر ، لا فى قاع صحيفة ، ولا على هامش منتدى ... ولم يكن ممكناً لمريض عقلى ونفسى أن يغمس علم صلاح الدين الأيوبى وصاحبه ، فى حمأة من الطين ، وبركة أسنة من الأوساخ ، ولم يكن ممكناً للعقل العام أن يتصور أن بمقدور شخص مهما كان ، أن يفتح نافذة إعلامية أيا كانت ، ويطل على الناس ليقنعهم أن حديث الإسراء والمعراج كما ورد فى القرآن الكريم هو حديث أفك ، لان النبي محمد (ص) لم يغادر الطريق الرابط بين مكة والطائف ، فحتى أريل شارون نفسه لم يستطع أن يجحد رواية الإسراء القرآنية ، وكل ما ذكره بشأن الرواية الصهيونية المضادة ، صاغه في قالب متهكم ، قائلاً : " ان الخلاف حول القدس إنما هو خلاف على المكان الذى أوقف فيه النبى محمد دابته " .
غير أننى فى هذا السياق سوف أكتفى الآن بتسجيل ما أحسبه نقاطاً جوهرية على النحو التالى :
أولاً : أننا لسنا بصدد معركة فكرية لترسيخ حرية الفكر والمعتقد فى بلادنا ، لكى نتصّدى لها ، فكراً بفكر ، وقولاً بقول ، وإنما أمام هجوم مضاد منظّم ، تُفتح له أوسع الأبواب والنوافذ ، ليحقن الرأى العام المصرى ، بجراثيم فتّاكة ، تم تجهيزها فى مختبرات أجنبية معادية ، وهى فى حد ذاتها أهم أسلحة حروب الوعى وحروب المعتقد ، فمهمتها تدمير جهاز المناعة الوطنية ، والحل فى مواجهتها ليس الإشتباك او المناقشة ، وإنما العزل والممانعة ، فليس مقبولاً ولا معقولاً أن يُفرض على الجسد الوطنى ، أن تُحقن خلايا عقله بهذه الجراثيم وهو جالس فى الهواء الطلق تحت سماء الدولة ، ثم ُتترك كل خلية فيه لكى تقاوم العدوى ، منفردة فى غرف الصمت المنعزلة .
ثانياً : من هؤلاء الذين يريدون أن يعيدوا تعريف التاريخ الوطنى ، ليعيدوا بالتالي تعريف العقيدة الوطنية ؟ وما هو الهدف ؟!
أولاً : لا ريب أن الهدف المباشر هو خلق قطيعة معرفية مع حقائق التاريخ ، بمعاركة وتجاربه ودروسه ، بعد ذمّه وتحقيره وتدنيسه ، وهى الحقائق الأساسية التى تشكّل فى العقل العام ، ما يطلق عليه الوعى التاريخى ، وهذا الوعى التاريخى ، هو أهم محددات الذاكرة التاريخية ، ومن ثم الذاكرة الإستراتيجية ، ومن ثم الثقافة الإستراتيجية لأى شعب من الشعوب فى وقت من الأوقات ، وبالتالى فإن السعى إلى إعادة تعريف العقيدة الوطنية على هذا النحو، هو الطريق الطبيعة إلى تجريف ونفى الثقافة الإستراتيجية ، وهو ما يسمح بتحويل المحرّمات الوطنية ، أيا كانت إلى صيغ صالحة للقبول العام ، مثل قدسية التراب الوطنى ، أو وحدته.
لذلك ينبغى أن يكون واضحاً ، أن إعادة تعريف العقيدة الوطنية ، لا يدخل فى صلاحية فرد أو نفر أو جماعة أو حكومة أو سلطة .
ثالثاً : " إن تحقير وذمّ وتجريم أبطال تاريخين كبار ، خاضوا معارك شرسة ضد الاحتلال والتبعية ، وإنخرطوا فى إستراتيجية التحرير والإستقلال الوطنى ، دون أن يصعرّوا خدودهم لمحتل أو غاصب ، أو قوى عسكرية أجنبية ، إنما يعنى الترويج لإستراتيجية الإستسلام والرضوخ ، أو على وجه التحديد ، طلب السلامة بتقديم تنازلات مجحفة ، بعيداً عن المنازلة .
وهكذا ينبغى بث قناعة زائفة ، بأن مقاومة عرابى العظيم هى التى جلبت الإحتلال البريطانى لمصر ، وأن إستراتيجية عبد الناصر فى التحرير والإستقلال هى التى أنجبت هزيمة 1967 ، وأن حروب صلاح الدين لتحرير القدس وانتصاراته ، لم تكن غير هزائم بحكم أن عوائدها قد تبددت بعد سنوات من رحيله.
وهكذا – أيضاً – يمكننا أن نعيد إحياء الخديوى فى التاريخ ليعيد دفن عرابى ، ويقف على قبره شاهداً، على أنه هو القدوة السياسية الصالحة والنموذج الذى يحتذى به ، وأن نعيد إحياء فاروق ، ليعيد دفن عبد الناصر ، ويقف على قبره شاهداً على أنه هو القيادة الأمينة على المصالح الوطنية والنموذج الديمقراطى الصحيح ، والمشكلة فى ذلك أنه إذا استمر تحريك هذه السلسلة على هذا النحو من ناحيتيها فى التاريخ ، فإننا سنعيد إخراج اخراج كل الخونة والتابعين والعملاء ، و نضعهم شواهد فوق قبور كل المحاربين والمحررين والوطنيين ، ثم نصنع من شواهدهم تمثالاً كبيراً يمجد الاستسلام والإنحناء المذل ، والتبعية الذميمة .
رابعاً : إذا أدنا كل القادة العظام المحاربين والمحررين والمقاومين عبر التاريخ فما هو مردود ذلك على الروح المعنوية للشعب تجاه قواته المسلحة ، وهى صاحبة الدور التاريخى المشهود فى كل مواجهة ومنازلة وحرب تحرير ، ومعظم هؤلاء القادة قد خرجوا من مدرستها الوطنية العظيمة ، ثم أن السؤال بعذ ذلك يبدو مشروعاً ، من الذى يريد أن يرخى أصابع جنودنا الأبطال على زناد البنادق وهم يواجهون حرباً شرسة ، مقدمتها جيوش من الإرهابيين ، ومؤخرتها فى عواصم عربية وإقليمية ، إذا تم إقناعهم ان تاريخهم فاسد ، وأنهم ينتسبون إلى أمه صنعت مجداً من الأكاذيب ، وقادة ومقاتلين تبين أنهم من ورق ، وأن الإستسلام كان هو البطولة الفذّة فى التاريخ ، بينما كانت المقاومة هى الهزيمة النكراء .
خامساً : أخشى أن أقول أنه إذا تم السماح لهذه الفئران بأن تواصل نشر جراثيمها فى الفضاء الوطنى ، فإنه يعنى أنه يتم فى الوقت ذاته ، السماح بالحكم على ثورة 30 يونيو بأنها الثورة الوطنية الوحيدة ، التى لم تستطع أن تضع نفسها فى الموضع الصحيح ، وفى الموضع الذى تستحق ، فوق إحداثيات التاريخ الوطنى .
سادساً : إن هذه الحرب الفكرية المضادة ، لا تخص التاريخ ، وإنما تخص الحاضر والمستقبل ، حتى وإن بدا أن التاريخ هو مسرحها ، أما فرسانها من الفئران المريضة فهم على شاكلتها ، ليسوا سوى قطعة حيّة من الجبن ، فهم لا يطلقون النار إلا على الأموات ! .


 تعليقات القراء
الأسم *  
البريد الألكترونى  
عنوان التعليق *   حد أقصى 100 حرف
التعليق *    
عدد الحروف المتبقية :